من «عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح» لبهاء الدين السبكي (ت ٧٧٣هـ)
تأخير المقصور عليه فى (إنما)
ص: (وفى إنما يؤخر المقصور عليه).
(ش): قد عرف مما سبق أن ضابط المقصور عليه أن يكون بعد إلا، سواء كانت متقدمة أو متأخرة، وأما إنما فضابط المقصور عليه أن يكون متأخرا، فتقول فى معنى: ما قام إلا زيد: إنما قام زيد، وفى معنى: ما ضربت إلا زيدا: إنما ضربت زيدا، وفى معنى: ما ظننت زيدا إلا قائما: إنما ظننت زيدا قائما، وهذا هو المشهور، وقد تقدم عن الزجاج أن مذهبه أن المحصور لا يتعين أن يكون هو المتأخر، بل قد يكون غيره ويفهم بالقرينة.
(تنبيه): يرد على قولهم: المحصور هو الأخير، أمور، منها: أن قولك: إنما قمت، معناه: لم يقع إلا القيام، فهو حصر الفعل، وليس الأخير فإن الأخير هو الفاعل، وهو الضمير فلو قصدت حصره لفصلت الضمير كما سبق. ومنها: قوله" إنما يأكل آل محمد من هذا المال ليس لهم فيه إلا المأكل". فإن المراد ما ذكرناه إلا أن يكون لذلك
ــ
تأويل. ومنها: قوله تعالى: إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ، فإن المراد ما يريد أن يوقع العداوة إلا فيهما. ومنها: قوله تعالى:
أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ، فإن المراد لم يقع إلا أن أشرك آباؤنا من قبل، ومقتضى قواعدهم أن المراد ما أشرك آباؤنا إلا من قبل، أى: لم يشركوا من بعدنا، بل من قبلنا. ومنها: قوله تعالى: يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ، مقتضى ما قالوه أن المعنى: ما فتنتم إلا به، وليس المراد؛ فإنه لا يصح فيه قصر القلب، ولا قصر الإفراد؛ لأنهم لم يكونوا يدعون أنهم فتنوا به وبغيره، ولا أنهم فتنوا بغيره فقط؛ فتعين أن المعنى لم يقع إلا أنكم فتنتم به. ومنها: قوله تعالى: فَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ، ليلزم على ما قالوه أن التقدير: ما يقول له إلا كن، وليس المعنى عليه، إنما المعنى فلا يقع شئ إلا قوله: كن، فيكون فيه نفى ما ليس كن من الأقوال والأفعال.
ومنها: قوله تعالى: قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ، مقتضى ما قالوه أن المراد ما يأتيكم به الله، بدليل أنه جواب لقولهم: فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ.
انتهى.
(قوله: ولا يجوز تقديمه على غيره) أى: بخلاف إلا، وقوله: (للإلباس) لأنك لو قلت: إنما القائم زيد لكان فى المعنى عكس قولك: إنما زيد القائم، وتقول: إنما ضرب زيد عمرا، ولو قلت: إنما ضرب عمرا زيد؛ لأوهم عكس ذلك
المعنى، وهذا الذى ذكره المصنف.
ص (وغير كإلا فى إفادة القصرين وامتناع مجامعة لا).
(ش): أى: حكم غير حكم إلا فى إفادة قصرى الإفراد والقلب، وامتناع مجامعة لا؛ لأنها حرف استثناء، فلا يعطف عليها بلا، وينبغى أن يقيدها بالاستثنائية. أما الصفة فلا، وإنما لم يورد عليه مثل ذلك إلا، وهى أيضا تقع استثناء وصفة؛ لأن وقوع إلا صفة خلاف الغالب، وإنما خص الكلام بإلا وغير، دون غيرهما من أدوات الاستثناء؛ لأنه يتكلم فى المفرغ، وهو لا يكون بغيرها خلافا لابن مالك.
الإنشاء إن كان طلبا استدعى مطلوبا غير حاصل وقت الطلب،
ــ
النص من طبعة المكتبة العصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع