من «عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح» لبهاء الدين السبكي (ت ٧٧٣هـ)
هذه الأربعة تقدير الشرط بعدها
ص: (وهذه الأربعة يجوز تقدير الشرط بعدهاإلخ)
(ش): أى: هذه الأنواع الأربعة من الإنشاء، وهى: التمنى، والاستفهام، والأمر، والنهى يجوز أن يجزم بعدها المضارع، وإنما قال: يجوز؛ لأنه لا يجب، بل يجوز رفعه على الاستئناف. وفى جازمه أقوال:
الأول: أن كلا منهما ضمن معنى حرف الشرط وفعله، فمعنى أسلم تسلم، إن تسلم وضمن أسلم معنى أن تسلم، ونسب هذا للخليل وسيبويه، واختاره ابن مالك.
الثانى: أن جملة الشرط حذفت، ونابت هذه الأشياء عنها فى العمل، وهذا مذهب الفارسى والسيرافى، وصححه ابن عصفور.
الثالث: أن الجزم بلام مقدرة.
الرابع: أنها مجزومة بشرط مقدر قبلها، واختاره شيخنا أبو حيان، أى: قبل المجزوم؛ وبعد هذه الأمور. وهذا هو الذى قاله المصنف، فقوله: يجوز تقدير الشرط بعدها، أى: بعد التمنى والاستفهام والأمر والنهى، وإنما حصل الجزم بعد الأربعة، لأن الشرط سبب للجزاء، أعنى: سببا فى الأعيان، وإن كان مسببا فى الأذهان فتناسبا، وبما ذكرناه يعلم الجواب من كونه لم يقع الجزم بعد النداء، وإن كان أيضا طلبا؛ لأنا نراعى فى الطلب الذى يجزم جوابه أن يكون قصد منه فائدة
وأما العرض - كقولك: ألا تنزل تصب خيرا - فمولّد من الاستفهام.
ــ
سبب يترتب عليها، والنداء ليس فيه طلب غير إقبال المخاطب، وقد أورد على تقدير الشرط قوله ﷿: قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا، فإنه لو كان التقدير إن تقل لهم يغفروا، للزم من القول الغفران، وأجيب عنه بأن القول لهم سبب، وقد يتخلف الغفران لمانع، وقيل: يغفروا محكى بالقول، وأصله اغفروا، ولكنه جاء على المعنى، كقوله: قال زيد قام، ويكون لفظه قمت، ومنه حلف زيد ليخرجن، وإنما قال: لأخرجن، ونظير الآية قوله تعالى: قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وأما قوله تعالى: فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي على قراءة الرفع، فقال الزمخشرى: إنه على الصفة، وقال السكاكى: إنه على الاستئناف، كأنه قيل له: ما تصنع به؟ قال: يرثنى. فلم يكن داخلا فى المطلوب بالدعاء، ولا يكون صفة لما يلزم عليه من عدمه استجابة الدعاء، فإن يحيى مات فى حياة زكريا - عليهما الصلاة السّلام - قلت: يرد عليه شيئان:
أحدهما: أن هذا المحذور الذى فر منه لازم له على قراءة الجزم، فمهما كان عذر عنهما كان عذرا عن كونه صفة، وعن استجابة الدعاء.
الثانى: أن هذا الذى ذكره من عدم استجابة الدعاء لا يترتب عليه محذور، بخلاف الاستئناف فإنه يلزم عليه أن يكون أخبر بأنه يرثه فيلزم الخلف وهو ممتنع فى هذا المحل، وأجيب عن هذا بأنه لا يلزم الخلف، بل يلزم عدم ترتب الغرض، فإن التقدير: أطلبه ليرثنى، وفيه نظر، وإنما الصواب أن المراد إرث العلم والنبوة، كما ذكره المفسرون والسلف. وقد وقع ذلك واستجيبت دعوته وحصل له مقصوده بتمامه قبل موت يحيى - عليهما الصلاة والسّلام -.
النص من طبعة المكتبة العصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع