تجاوز إلى المحتوى

من «عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح» لبهاء الدين السبكي (ت ٧٧٣هـ)

استعمالات أنّى

ص: (وأنى إلى آخره).

(ش): أنى إذا كانت استفهاما فلها استعمالات أحدها بمعنى كيف، ومن أحسن أمثلته قوله تعالى: أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها وبه مثل الأعلم، والثانى بمعنى من أين، وهى عبارة سيبويه كقوله تعالى: أَنَّى لَكِ هذا أى: من أين، والفرق بين أين ومن أين، أن أين سؤال عن المكان الذى حل فيه الشئ، ومن أين سؤال عن المكان الذى برز منه الشئ، ويقع فى عبارة كثير أنها بمعنى أين والظاهر أن مراده من أين، وأنه تجوز فى العبارة، والثالث بمعنى متى، وقد نقل عن الضحاك فى قوله تعالى فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ، ويرده سبب النزول، وأما تمثيل المصنف وغيره لأنى الاستفهامية بقوله: فَأْتُوا حَرْثَكُمْ ففيه نظر؛ لأنها لو كانت هنا استفهامية لاكتفت بما بعدها؛ لأن من شرط الاستفهامية أن يكتفى بما بعدها من فعل كقوله تعالى: أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ أو اسم مثل: أَنَّى لَكِ هذا، والذى اختاره شيخنا أبو حيان أنها فى هذه الآية شرطية، وأقيمت فيها الأحوال مقام الظروف المكانية، وجوابها محذوف، وقال قطب الدين الشيرازى: إن" أنى شئتم" فى هذه الآية الكريمة بمعنى: من أى جهة شئتم، وجعلها بهذا المعنى قسما غير كونها بمعنى من أين، وهو فاسد؛ لأن قولنا: من أى جهة شئتم مساو لقولنا: من أين شئتم فتكون بمعنى من أين.

(تنبيه): لا يخفى أنك يمكن أن تستعمل لفظ أى فى جميع مواضع هذه الألفاظ المستفهم بها عن التصور، فتقول فى: أزيد أم عمرو قائم، أى: الرجلين قام؟ وفى:

أقائم أم قاعد زيد، أى الأمرين فعل؟ وكذلك فى الجميع كما تقول فى اسم أبيك: أى شئ اسمه؟ وفى: ما ماهيته: أى شئ ماهيته؟ وفى: من جبريل؟ أى شئ جبريل؟

وفى كم عدد هذا؟ أى شئ هو؟ وفى: كيف زيد؟ أى حال عليه زيد؟ وفى: أين هو؟ أى مكان فيه هو؟ وفى: متى تقوم؟ أى زمان تقوم فيه؟ وفى: أنى تذهب؟ أى مكان تذهب فيه؟

ثم إن هذه الكلمات كثيرا ما تستعمل فى غير الاستفهام؛ كالاستبطاء؛ نحو: كم دعوتك؟،

ــ

ثم بين" متى" و" أيان" عموم وخصوص فإن متى أعم، وأى وما بينهما عموم وخصوص من وجه كما سبق، وأما البقية فالظاهر أنهما متباينان، وإن تلازم بعضها فإن قلت: قد قال المنطقيون: إن مقولة الكم أعم من مقولة الكيف وجودا، ويلزم منه أن يكون المسئول عنه بكم أعم من المسئول عنه بكيف، إما مطلقا أو من وجه. قلت: [لا شك أن الكم كيف لا كون تريد طوله على وجه مخصوص هو كم، وهو كيف]، ولكن لفظ كم لا يصلح أن يحل موضعه لفظ كيف، والأخص قد يوجد على وجه يستعمل له لفظ لا يستعمل له اللفظ الموضوع للأعم، ألا ترى أنك لا تقول: كم زيد إلا إذا أردت أجزاءه، وأنها لا تستعمل إلا مع متعدد أو ذى أجزاء يصح إرادة كل منها بخلاف كيف، ولا تكاد العرب تجيز كيف دراهمك تريد كم عددها، وأيضا لو كانت" كيف" بمعنى" كم" لصح أن تقول فى نحو:

كم عمة لك يا جرير وخالة

كيف عمة لك، وهو ظاهر الامتناع لتغاير المعنى.

النص من طبعة المكتبة العصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.