تجاوز إلى المحتوى

من «عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح» لبهاء الدين السبكي (ت ٧٧٣هـ)

مثال لقسم الاتفاق بين المسند والمسند اليه معنا

ومثال القسم الثانى: وهو اتفاقهما معنى لا لفظا وكل إنشاء قوله ﷿: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً فإن قوله: وقولوا إنشاء لفظا ومعنى عطف على لا تَعْبُدُونَ وهو خبر لفظا إنشاء معنى فقد اتفقتا إنشاء معنى وإن اختلفتا لفظا فإن لفظ الأولى خبر والثانية إنشاء وبينهما جامع وهو اتحاد المسند إليه كذا قاله الخطيبى وعليه من السؤال ما سبق وأما لا تَعْبُدُونَ مع وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً فإن كان التقدير:

وأحسنوا فتكون الجملتان إنشاء معنى وخبرا لفظا والأولى خبر والثانية إنشاء وإن كان التقدير: تحسنون، فالجملتان خبر لفظا إنشاء معنى ويرجع أن فيه مبالغة وإشارة إلى أنه سورع إلى امتثاله وفيه مشاكلة فى اللفظ لما قبله ويرجح أحسنوا أن فيه مشاكلة لما بعده وإن فيه إضمارا فقط وفى الأول إضمار وتحسنون مجاز فى التعبير عن أحسنوا ولك أن تقول: المصنف جزم بأن وقولوا معطوف على لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وفيه نظر؛ لأن إحسانا، إن كان معمولا لأحسنوا فعطف قولوا عليه أولى لاتفاقهما لفظا ومعنى وإن كان التقدير: وتحسنون فهو كالذى قبله، والعطف على القريب أولى، وكأنه رأى أن المعطوفات إذا تعددت، كان كلها معطوفا على الأول، وقد تقدم أن فيه قولين سمعتهما من شيخنا أبى حيان، وأما اتفاقهما معنى لا لفظا وكل خبر فقال السكاكى: مثاله قوله تعالى: فَلَمَّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَأَلْقِ عَصاكَ، قال: وألق عصاك جملة إنشائية لفظا خبرية معنى، التقدير: قيل له:

ــ

بورك، وقيل له: ألق. (قلت): هذا كلام عجيب؛ لأنه إن أراد تقدير قول قيل: ألق لفظا كانت ألق إنشائية قطعا لفظا ومعنى، كقولك: قال زيد: قم، هى إنشائية وإن حكيت بالقول لأن العبرة بالمحكى كما قالوا فى:

وقال رائدهم أرسوا نزاولها

إذ جملة قيل معطوفة على نودى، وهما خبريتان قطعا، وإن أراد تقدير قيل من جهة المعنى وكانت الواو فى قوله تعالى محكية بأن يكون قيل له: الجملتان بالوصل، فالأولى خبرية لفظا ومعنى، وذلك لا يمكن لأن بينهما حينئذ كمال الانفصال، وإن كانت الواو غير محكية فلا عطف حينئذ والجملتان متفاصلتان، والثانية إنشاء لفظا ومعنى، والذى يظهر أن الواو ليست محكية والتقدير من جهة المعنى وقيل له: ألق، ويشهد له أن جملة ألق فى الكلام المحكى مستأنفة بدليل قوله تعالى فى الآية الأخرى: وَأَنْ أَلْقِ وهذا هو الذى دعا الزمخشرى إلى قوله: أن ألق معطوف على بورك، والمعنى وقيل له: ألق، واعترض عليه بأن تقدير وقيل له يمنع العطف على بورك، وجوابه أن الزمخشرى إنما أراد تقدير المعنى، ألا تراه قال: المعنى ولم يقل: التقدير، وقد جوّز غيره فى ألق أن يكون عطفا على بورك لكنه تجويز لا يتأتى لوجوب الفصل حينئذ، وإلا حسن ما ذكره الزمخشرى ولا محذور فيه؛ لأنه كقولك: قلت: قام زيد، واضرب عمرا، والجملتان فى المحكى منفصلتان، وبالجملة الزمخشرى لم يقل: أن ألق فيها معنى الخبر كما زعم السكاكى، ثم فيما قاله السكاكى أيضا من أن جملة بورك خبر لفظا ومعنى نظر لجواز أن يكون دعاء وهو إنشاء، وقد ذكر هذا التقدير الفارسى وشيخنا أبو حيان وأبو البقاء وغيرهم، فتكون الجملتان متفقتين معنى فى الإنشاء، فيكون مثل: لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ، ولا شك أن كون بورك إنشاء أو خبرا يتوقف على كون أن هذه تفسيرية أو الناصبة فهى خبر وإن كانت المخففة من الثقيلة فقال الفارسى: إنها دعاء، وجوزه شيخنا أبو حيان فى هذه الآية الكرية، وجزم به أبو البقاء لكن ذكر

ــ

أبو حيان عند قوله تعالى أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها أن ذلك عند الفارسى، ورد عليه بأن المشهور أن الجملة الطلبية لا تقع خبر إن، ولذلك أولوا قوله:

إنّ الّذين قتلتم أمس سيّدهملا تحسبوا ليلهم عن ليلكم ناما

قلت: وكذا قوله:

أكثرت فى العذل ملحّا دائمالا تكثرن إنّى عسيت صائما
للشاعر رؤبة بن العجاج، اقرأ القصيدة

(قلت): ولعل الزمخشرى لأجل هذا قال: إن أن هذه لا يجوز أن تكون مخففة من الثقيلة؛ لأنه لا بد من قد إشارة إلى

ملازمة الخبرية والتحقيق فى جعل خبر إن إنشاء أنه يجوز إن كان طلبيا ولفظه خبر لتكرره فى أدعية النبى ﷺ:" اللهمّ إنى أسألك رحمة من عندك"،" اللهمّ إنى أعوذ بك من المغرم والمأثم"،" اللهم إنى أعوذ بك من فجأة نقمتك وتحول عافيتك"،" اللهم إنى أعوذ بك من أن أضلّ أو أضلّ"، وهو كثير، ولا يجوز أن يكون مثل: أنى بعتك، والفرق أن الطلبى يفيد التأكيد لتأخر متعلقه فيؤكد طلبه كما تؤكد النسبة الخبرية بخلاف الإنشاء الذى وقع متعلقه معه فلا يقبل التأكيد، وهذا تفصيل قلته بحثا، وهو مخالف للقولين فلينظر فيه، ولعل ابن مالك من أجل هذا قال: قد تدخل أن على ما خبره نهى ولم يطلق الإنشاء، ومما ذكروه فى هذا الفصل قوله تعالى: إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ، قالوا: جملة (امتازوا) معطوفة على أن

ــ

أصحاب الجنة لأنها فى معنى الإنشاء، لأن مجموع هاتين الجملتين تفصيل لما أجمله قوله تعالى: فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ، وقوله: فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، فعموم هذه الجمل اقتضى تفصيلها، فقيل: عند سوق أهل الجنة إليها، كما ورد أن ذلك يقال عند سوقهم إلى المحشر تنزيلا لما يكون منزلة الكائن أن أصحاب الجنة أى سيروا إليها، والسكاكى قال معنى هذا الكلام، ثم قال: التقدير أن أصحاب الجنة منهم يا أهل المحشر، وفيه نظر؛ لأنه إذا كانت طلبية ومعناها أمر المؤمنين بالذهاب إلى الجنة فليكن الخطاب معهم لا مع أهل المحشر؛ لأن المخاطب فى الخبرية هنا هو المأمور فيها معنى، ولعله لأجل هذا الإشكال قال بعض شراح المفتاح: إن تضمين أن أصحاب الجنة الطلب ليس المراد منه أن الجملة نفسها طلبية بل معناه: أنه تقدر جملة إنشائية بعدها

بخلاف: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً، وما قاله مشكل؛ لأنه إذا أخرج أن أصحاب الجنة عن الإنشاء فكيف يجعلها متضمنة والتقدير عند هذا القائل: سيروا أيها المؤمنون وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ، ومن ذلك قوله تعالى: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا، قال الزمخشرى: ليس الذى اعتمد بالعطف هو الأمر حتى يطلب له مشاكل من أمر أو نهى يعطف عليه إنما المعتمد جملة وصف ثواب المؤمنين فهى معطوفة على جملة وصف عقاب الكافرين كما تقول: زيد يعاقب بالقتل وبشر عمر بالعفو، وجوز الزمخشرى أن يكون معطوفا على فاتقوا، واعترض بأنه يلزم أن يكون مقيدا بالشرط، والتقدير: فإن لم تفعلوا وليس كذلك فإن البشارة على كل تقدير وجوابه أن الواقع أنهم لا يفعلون ثم مهما كان جوابا عن تعليق اتقاء النار على الشرط كان جوابا هنا قال المصنف: وفيه نظر ووجه النظر قيل له: إنه ليس بينهما اتحاد فى المسند إليه وفيه نظر؛ لأن بين المسند إليهما تناسبا كما يقول الوزير للملك: ارسم لهؤلاء بما شئت وامتثلوا أيها الرعية، وإنما استبعد هذا لما فيه من اختلاف المخاطب، وقد مثله الزمخشرى بقولك: يا تميم احذروا عقوبة ما جنيتم وبشر يا فلان بنى أسد بإحسانى إليهم، قلت: بل ما نحن فيه أولى لأنه الآية الكريمة تقدم فيها

ــ

خطاب عام بقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ، ثم فصل فقيل للكفار: فإن لم تفعلوا وقيل لغيرهم: وبشر ونظيره أيها الناس أنا راض عنك وساخط عليك، والخطاب لشخصين، وذلك أوضح مما مثل به نعم يشكل على ما قاله أن الخطاب وقع هنا مع شخصين فى كلامين مستقلين، وأما وبشر إذا كانت معطوفة على الجواب صار كأنك قلت: إن قمت فأنت كذا، ويكون الخطاب فى الشرط مع شخص وفى الجزاء مع غيره، وذلك لا يكاد يجوز لأنه كلام واحد وإن كان جملتين لا يقال: قد وقع ذلك فى قول العرجى:

فإن شئت حرّمت النّساء سواكموإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا
للشاعر الحارث المخزومي، اقرأ القصيدة

فإن سواكم تعظيم، وربما خوطبت المرأة والواحدة بخطاب الجماعة الذكور، يقول الرجل عن أهله: فعلوا كذا،

مبالغة فى سترها حتى لا ينطق بالضمير الموضوع لها، ومنه قوله تعالى حكاية عن موسى ﵊: فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا ولذلك كان الأكثرون على أن الضمير فى قوله تعالى: وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ للأزواج ليتحد فاعل الشرط مع فاعل الجزاء، وأما قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ فليس شرطا وجزاء فلا مانع من اختلاف المخاطب فى النداء مع ما بعده أو (ارجعون) خطاب لله تعالى للتعظيم، فهو كقوله: (حرمت النساء سواكم) فإنه خطاب للواحدة تعظيما، أو قال رب استغاثة وارجعون خطاب للملائكة أو جمع لتكرر القول كما قيل فى قفا نبك، وأما يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ، فذكر النبى للتشريف ثم خوطب الجميع نعم يمكن أن يمنع ذلك من أصله ويقال: وبشر ليس مختصا بخطاب واحد دون غيره بل لكل واحد وأفرد إشارة إلى أن ذلك لا يؤمر به شخص دون غيره قال الزمخشرى فى قوله تعالى فى سورة الصف: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ

والجامع بينهما: يجب أن يكون باعتبار المسند إليهما والمسندين جميعا؛ نحو: يشعر زيد ويكتب، ويعطى ويمنع، وزيد شاعر، وعمرو كاتب، وزيد طويل، وعمرو قصير؛ لمناسبة بينهما؛ بخلاف: زيد شاعر، وعمرو كاتب؛ بدونهما، وزيد شاعر وعمرو طويل؛ مطلقا.

ــ

إنه معطوف على تُؤْمِنُونَ لأنه بمعنى آمنوا، قال المصنف: وفيه نظر لأن المخاطبين فى تُؤْمِنُونَ هم المؤمنون وفى وَبَشِّرِ هو النبى ﷺ ثم قوله:

تُؤْمِنُونَ بيان لما قبله على طريق الاستئناف فكيف يصح عطف بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه؟ قلت: أما اختلاف المخاطبين فى الجملتين فلا يمتنع كما سبق ثم جائز أن يكون وَبَشِّرِ خطابا لكل واحد وكون جملة تُؤْمِنُونَ بيانا أو استئنافا، فأما الذى يمنع منه صحة العطف عليها مع كون مضمون بَشِّرِ مما يصح أن يستأنف به عما قبل تُؤْمِنُونَ، وذهب

السكاكى إلى أنهما معطوفان على قل مرادا قبل يأيها الناس ويأيها الذين آمنوا، لأن إرادة القول بواسطة انصباب الكلام إلى معناه غير عزيزة فى القرآن الكريم ومن ذلك: وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا وقوله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا وقوله تعالى: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا، قال المصنف: والأقرب فى الآيتين الكريمتين أن يكون الأمر معطوفا على مقدر يدل عليه ما قبله، أى: فأنذر ونحوه كما قدره الزمخشرى فى قوله ﷿ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا معطوفا على محذوف يدل عليه قوله: لأرجمنك ومن هذا الباب قوله تعالى: وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ وقال السكاكى: إنه معطوف على قل مثل يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ

ص: (والجامع بينهما إلخ).

(ش): تقدم أن الجامع بين الجملتين هو المعتمد فى اعتبار الوصل.

اعلم أن الذى يظهر والله ﷾ أعلم من كلام السكاكى وغيره من أهل هذا الفن أن الجامع المعتبر فى الوصل هو التناسب بين الجملتين لا غير على ما

ــ

سيأتيك دليله - إن شاء الله تعالى - غير أن هذه المناسبة المذكورة لها سبب ومظنة، أما سببها فاجتماعهما فى القوة المفكرة بطريق العقل أو الوهم أو الخيال وأما مظنتها فحصول الاتحاد إما حقيقة أو بتأويل قريب أو بعيد، وأنت تعلم أن المظنة غير ملازمة للمظنون فربما تخلف عنها وتخلفت عنه فقد يحصل التناسب والاتحاد فى الطرفين، كقولك: يعطى زيد ويمنع وقد يحصل التناسب المفضى إلى الاجتماع فى المفكرة وإن لم يتحدا فى

الطرفين بل فى المسند إليه كمن ذكر فى مجلسه الحركة والبياض فتقول له:

الحركة عرض نقلة والبياض لون صفته كيت وكيت، فالتناسب هنا موجود والوصل حسن ولم يقع الاتحاد فى المسند؛ إنما حصل الاتحاد فى المسند إليه بالجامع الخيالى، وهو اجتماعهما فى أن كلا منهما مسئول مذكور فى المجلس، وكذلك قد يحصل التناسب مع الاتحاد فى المسند فقط ومثاله أن يأخذ الشخص فى ذكر ما وقع فى هذا اليوم من الأفعال، فيقول: انطلق زيد واستوى الطعام، فهذا وقع فيه التناسب فى المسندين لأنهما مسئول عنهما ولا تناسب فيه بين المسند إليهما؛ لأن السؤال واقع عن الأفعال لا عن الفاعلين، ومن وقع الاتحاد فى أحد الطرفين ولا تناسب قولك: السكوت يعجبنى والحركة عرض نقلة. وقولك: جالينوس ماهر فى الطب وأخوه رأيته أمس وغزر الماء فى البئر وغزر علم زيد. وهو كثير بخلاف الأول، وقد يقع الاتحاد فى الطرفين ولا تناسب كقولك: انظر إلى علم زيد وانظر إلى هذا القطع الذى فى ثوبك. على ما اقتضاه كلام المصنف صريحا فى آخر الكلام على الجامع الخيالى، وكقولك: زيد أخوك وعمر وصاحبك. فإنه لا يجوز كما اقتضاه كلام ابن الزملكانى فى التبيان، وفيهما اتحاد المسند والمسند إليه كما سأبينه فى قولنا: زيد يعطى وعمر يمنع. حيث لا مناسبة بينهما فإنهما متحدان فى الطرفين كما سأقرره على خلاف ما زعم المصنف، وهو غير سائغ كما ذكره المصنف إذا تقرر ذلك فحيث لا اتحاد فى شئ فلا سبيل إلى التناسب، فيجب الفصل مثل: جالينوس طبيب والماء فى البئر. وحيث حصل الاتحاد فى أحدهما فتارة تقع المناسبة وتارة لا تقع، وقد يقع فى المثال الواحد الاتحاد فى الطرفين وعدمه فيوصل ويفصل فإذا جرى فى مجلس ذكر ما عند زيد من الأشياء الضيقة، فتقول: الخاتم ضيق والخف ضيق. وقع الاتحاد فى الطرفين وذلك حسن، وإن جرى ذكر الخاتم فقلت: الخف ضيق والخاتم ضيق لم يحسن لعدم

ــ

المناسبة والاتحاد حينئذ فى المسند بل قد يحصل الاتحاد فى المسند وفى قيد المسند إليه كقولك: خفى ضيق وخاتمى ضيق. حيث لم يتقدم للخف ذكر وهذا هو الذى أشار السكاكى إلى امتناعه إذا تقرر ذلك، فاعلم أن المصنف اختار أنه لا بد فى الجامع من الاتحاد فى المسند إليه والمسند إما حقيقة أو مجازا بأن يكونا مجتمعين فى الفكرة على ما سيأتى، ونقل السكاكى أنه قال فى موضع من المفتاح: أنه يكفى اتحادهما فى المسند أو المسند إليه أو فى قيد من قيودهما، ثم أنكر عليه وقال: إنه منقوض بنحو: هزم الأمير الجيش يوم الجمعة وخاط عمرو ثوبى فيه. قال: ولعله سهو، فإنه صرح فى موضع آخر منه بامتناع خفى ضيق وخاتمى ضيق مع اتحادهما فى المسند، وأجاب الطيبى والخطيبى عن السكاكى بأنه موافق على أنه لا بد من الاتحاد فى المسند والمسند إليه، وأن قوله: يكفى الاتحاد فى أحدهما يريد أن الاتحاد فى أحدهما جامع لكنه ليس بمعتبر، قلت: هذا الجواب لا يصح

لأنه إنما تكلم فى الجامع المرعى المعتبر، ومن وقف على كلامه تحقق ما قلناه، ولكن السؤال لا يرد وجوابه ما استثناه من القاعدة، فإن السكاكى حيث قال: يكفى الاتحاد فى إحداهما، أراد حيث وجد التناسب الخيالى أو العقلى أو الوهمى فيهما، وحيث قال: إن خفى ضيق وخاتمى ضيق ممتنع أراد حيث لا يجتمع الخف والخاتم فينبغى المناسبة حينئذ كما يعلم بالبديهة من وقف على كلامه فإنه فرض الأمر فيما إذا جرى ذكر خواتيم ولم يتقدم للخف ذكر فالامتناع هنا ليس لعدم الاتحاد فى المسند والمسند إليه بل لعدم الجامع فإن الجامع هو المرعى كما قررناه، وليت شعرى أين اتحاد المسند والمسند إليه فى مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فالمسندان المس والمجئ والمسند إليهما الضر والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، والمناسبة فيه كالشمس، فإن قلت: مس الضر والمجئ ببضاعة مزجاة متحدان، قلت: إنما ذلك من قيود المسندين، وإن سلمناه فأين اتحاد المسند إليه؟ فالحق ما قلناه، وكذلك: كان زيد يعطى وعمرو يمنع، متحدين فى الطرفين كما سأبينه، وهو لا يجوز عند المصنف، وقوله منتقض بنحو: هزم الأمير الجيش اليوم وخاط عمرو ثوبى فيه، قلنا: إن هذا المثال قد يحسن وصله بأن وقع ذكر ما اتفق فى هذا اليوم، ولذلك كان

ــ

المصنف هنا مقتصرا على قوله بشرط الاتحاد للطرفين، ولكنه سيذكر اشتراط الجامع موافقا عليه، فمعناه بشرطه، وحيث اتضح ذلك فاعلم أن الاتحاد هنا ليس على حقيقته فإن اتحاد الشيئين بمعنى أنهما يصيران شيئا واحدا مستحيل، لأن الشيئين لا يتداخلان، ولكن المراد أن الشيئين فى الصورة أو فى اللفظ يكونان متحدين فى المعنى، ولا شكّ أن هذه الأقسام الأربعة من الاتحاد فيهما أو فى المسند أو المسند إليه أولا فى واحد منهما كل من طرفى الإسناد فيهما متعددة، فتارة يكونان ظاهرين، مثل: رضى زيد وغضب زيد، يريد زيدا آخر فإنهما وإن اتفق لفظهما فهما مختلفان بالشخص أو اختلفا بالحروف مثل: غضب عمرو ورضى سيبويه، وتارة يكونان ضميرين مثل: زيد يعطى ويمنع، وتارة يكون الأول ظاهرا والثانى ضميرا مثل: أعطى زيد ومنع، وتارة عكسه مثل: زيد أعطى ومنع أبوه إذا عرف هذا، فقول المصنف: الجامع بينهما، أى:

بين الجملتين وقوله: يجب أن يكون باعتبار المسند إليهما والمسندين أى يجب أن يكون مستقرا باعتبارهما أى باعتبار اتحادهما ولا يلزم من ذلك أن يكون يريد أن اتحادهما هو نفس الجامع بل الجامع يحصل بالاتحاد والباء للمصاحبة، أى: مع الاتحاد ويصح جعلها للسببية، فإن العلم بالجامع يحصل بسبب الاتحاد، فإن قلت: التناسب بين

الشيئين كيف يكون باتحادهما، والاتحاد ينافى التعدد الذى هو لازم المناسبة؟ قلت:

المراد التناسب فى المعنى بين المسند إليهما مثلا ولا مناسبة بين المسند إليهما أعظم من كونهما سببا واحدا هذا بالنسبة إلى الاتحاد الحقيقى أما بالنسبة إلى الاتحاد الاعتبارى - على ما سيأتى - فالجواب واضح فإن قلت: كلامهم هنا يقتضى أن الاتحاد شرط وسيأتى أن الجامع قد يكون الاتحاد وقد يكون غيره، قلت: المراد هناك الاتحاد الحقيقى وهنا الاتحاد أعم من الحقيقى والاعتبارى.

(تنبيه): خص المصنف الاتحاد فى المسند إليه والمسند وبقى قسم وراء ذلك وهو أن يتحد المسند إليه فى إحداهما مع المسند فى الأخرى مثل: الإيمان حسن والقبيح الكفر فالجامع هنا إنما هو بين المسند إليه والمسند فى الأولى والمسند إليه والمسند فى الثانية وهذا وارد عليهم أجمعين.

ثم إن المصنف أهمل الاتحاد فى قيد المسند أو قيد المسند إليه فلا بد من تقسيم محيط بجميع أقسام الاتحاد الحقيقى وقس عليه غيره فنقول: الاتحاد الحقيقى سواء أكان

ــ

بجامع مناسب يسوغ الوصل أم لا إما فى المسند إليه فقط أو فى المسند فقط أو فى قيد المسند إليه فقط أو فى قيد المسند فقط أو فى الأول والثانى أو فى الأول والثالث أو فى الأول والرابع أو فى الثانى والثالث أو فى الثانى والرابع أو فى الثالث والرابع أو فى الأول والثانى والثالث أو فى الأول والثانى والرابع أو فى الأول والثالث والرابع أو فى الثانى والثالث والرابع أو فى الأربعة فهذه خمسة عشر قسما وعلى كل تقدير منها إما أن يكون الاتحاد الواقع فى طرف واقعا بين ذلك الطرف ومثله من الطرف الآخر أو غيره وأقسام ذلك بعد طرح المتكرر ستة عشر تضرب فى الخمسة عشر تبلغ مائتين وأربعين.

وها أنا ذاكر أمثلة الاتحاد فى طرف واحد فقط، تستدل بها على غيرها، سواء كان التناسب المسوغ للعطف موجودا فيجوز الوصل أو مفقودا فيمتنع.

الأول: اتحاد المسند إليه فى الأولى والمسند إليه فى الثانية مثل: زيد يعطى ويمنع، جائز، وزيد يعطى وينام، قبيح.

الثانى: اتحاد مسند إليه فى الأولى ومسند فى الثانية زيد يعطى والمانع زيد وبلا مناسبة نحو: زيد يعطى والأبيض زيد.

الثالث: عكسه بأن تؤخر.

الرابع: مسند إليه فى الأولى وقيد مسند إليه فى الثانية بمناسب: الفرس حرون والضارب فرسا مصيب، وغير مناسب: الفرس حرون والذى اشترى الفرس أبيض.

الخامس: عكسه، بأن تقدم الجملة المتأخرة.

السادس: مسند إليه فى الأولى مع قيد المسند فى الثانية بمناسب: الفرس ماشية والضرب ينفع الفرس، وغير مناسب: الفرس ماشية والشعير غذاء الفرس.

السابع: عكسه.

الثامن: مسند فى الأولى ومسند فى الثانية وهذا لا يتصور إلا مع اتحاد المسند إليه لاستحالة صدور الفعل الواحد من اثنين - كما سبق -.

التاسع: مسند فى الأولى وقيد مسند إليه فى الثانية بمناسب: العالم زيد والضارب زيدا جهول، وغير مناسب العالم زيد والذى باع زيدا ثوبا اسمه كذا.

ــ

العاشر: عكسه.

الحادى عشر: مسند فى الأولى وقيد مسند فى الثانية: العالم زيد والناس تحب زيدا، وبغير مناسب: العالم زيد والخف الضيق كان لزيد.

الثانى عشر: عكسه.

الثالث عشر: قيد مسند إليه فى الأولى وقيد مسند إليه فى الثانية: الضارب زيدا جهول والمكرم زيدا رشيد، وبغير مناسب: الضارب زيدا جهول والناظر لزيد شعره أسود.

الرابع عشر: قيد مسند فى الأولى وقيد مسند فى الثانية: زيد يقاتل الآن والخوخ كثير الآن، وبغير مناسب: زيد قائم الآن والشمس طلعت الآن.

الخامس عشر: قيد مسند إليه فى الأولى، وقيد مسند فى الثانية: المحسن إلى الناس مرحوم والله راحم لمن أحسن إلى الناس.

السادس عشر: عكسه، ولنرجع لعبارة المصنف.

فقوله: والجامع بينهما، أى: بين الجملتين يجب أن يكون باعتبار المسند إليهما والمسندين قد علمت ما يرد عليه ولعله إنما أهمل ذكر القيد لأنه لا يرى اشتراط الاتحاد فيه ولأنه قد تخلو الجملتان عنه وعلمت ما يرد عليه من اتحاد المسند مع المسند إليه وقد يقال: إن قوله باعتبار المسند إليهما والمسندين يشمل ذلك وجعله الاتحاد شرطا مطلقا لا ينافى قوله بعد ذلك: إن الجامع قد يكون الاتحاد وقد لا يكون لما يبين من أن الاتحاد الحاصل فى كل جامع، إما حقيقة وإما مجازا.

وقوله: كزيد شاعر وعمرو كاتب وزيد طويل وعمرو قصير لمناسبة بينهما واضح وقوله نحو يشعر زيد ويكتب فبين المسند إليهما جامع وهو الاتحاد، وبين المسندين جامع وهو ما بين الكتابة والشعر من التناسب، وقوله: يعطى ويمنع، كذلك والمناسبة فى المعنيين باعتبار التضاد - كذا قالوه - ويحتمل أن يقال: إن يعطى ويمنع فى معنى خبر واحد كقولهم: حلو حامض أى: مز أى صفته الجمع بين الأمرين، غير أنه لما كان العطاء والمنع فعلين عطف أحدهما على الآخر، وأيضا فإن الإعطاء والمنع لا يجتمعان فى محل واحد يصدق عليه الأمران، بخلاف الحلاوة والحموضة فقد يتخيل اجتماعهما فى المز، إن لم يكونا ضدين وقوله: وزيد شاعر وعمرو كاتب فبينهما علقة

السكاكسي: "الجامع بين الشيئين":

ــ

كأن يكونا أخوين أو صاحبين أو متلازمين بوجه ما، أو ذكرا فى مجلس الخطاب، وزيد طويل وعمرو قصير، كذلك وقوله: لمناسبة بينهما قيد فى المثالين الأخيرين.

والمناسبة فى المثال الأول والثانى فى المسند إليه الاتحاد والمناسبة فى الثالث والرابع هو تعلق أحدهما بالآخر وقوله: يجب أن لا يجوز غيره يحترز به من أن تكون المناسبة فى المسندين فقط فلا يصح الوصل وإليه أشار بقوله: بخلاف زيد شاعر وعمرو كاتب بدونها أى: بدون المناسبة فى المسند إليهما.

(قلت): وهذا الذى ذكره ليس بجيد؛ لأن بين زيد وعمرو تماثلا سواء كان بينهما علقة، أو كما سيذكره المصنف، فالصواب: أن المناسبة شرط لاعتبار الاتحاد فى الطرفين كما سبق ويحترز عن عدم المناسبة لا بين المسندين ولا بين المسند إليهما، وإليه أشار بقوله: (وزيد شاعر وعمرو طويل مطلقا)، يعنى: سواء أكان المسند إليهما لا تعلق بينهما؛ فيكون مثالا لعدم الجامع لا بين المسندين ولا بين المسند إليهما، أم كان زيد وعمرو أخوين فتكون المناسبة بين المسند إليهما لا بين المسندين فلا يجوز أيضا.

(قلت): ليس كذلك؛ بل بينهما مناسبة التماثل بكل حال فهذا مثال لاتحاد المسند إليه بكل حال سواء أكان بينهما تعلق أم لا.

ص: (السكاكى: الجامع بين الشيئين إلخ).

(ش): هذا الفصل ذكره المصنف كالموافق للسكاكى عليه وهو لا ينافى ما سبق من اشتراط الاتحاد فى الطرفين، لأنك قد عرفت أن الاتحاد أعم من الحقيقى والاعتبارى، وذلك الاتحاد المعتبر يكون بجامع - وهو ما سنذكره - فذكر أن الجامع ثلاثة أقسام عقلى ووهمى وخيالى، العقلى هو علاقة تجمع الشيئين فى القوة المفكرة جمعا يكون مسندا إلى العقل بأن يكون أمرا حقيقيا، أى: واقعا فى نفس الأمر من حيث هو هو، والمراد بالوهمى أن تجمعهما تلك العلاقة فى القوة المفكرة جمعا يكون من جهة الوهم بأن لا يكون أمرا حقيقيا بل اعتباريا، ويكون أمرا غير محسوس بإحدى الحواس الخمس الظاهرة، فإن الوهم باصطلاح القوم ما يحكم بالمعانى الجزئية غير المحسوسة، والخيال أن يكون بينهما علاقة تجمعهما فى القوة المفكرة جمعا اعتباريا مسندا لإحدى الحواس الخمس، ووجه الانحصار فى الثلاثة أن العلاقة الجامعة للشيئين فى القوة المفكرة إن كان أمرا حقيقيا فهو العقلى، وإن لم يكن بأن كان اعتباريا فإما

ــ

أن يكون غير محسوس وهو الوهمى فإنه يحكم بالمعانى غير المحسوسة حكما كاذبا، وإن كان محسوسا فهو الخيالى فإن القوة الخيالية هى الحافظة لصور المحسوسات بالحواس الظاهرة بعد مفارقتها، وبدأ المصنف بالعقلى لأنه الذى يدرك الأشياء على حقيقتها، وها أنا أذكر أمثلة الجامع العقلى الحقيقى، قسم المصنف الجامع إلى عقلى وغيره، وقسم العقلى إلى ما هو سبب الاتحاد فى التصور وغيره، والمراد بالاتحاد فى التصور أن يكونا شيئا واحدا حقيقة بالشخص والنوع، وها أنا أذكر لك أمثلة لتستدل بها على غيرها. الاتحاد المذكور إما فى الطرفين أو فى المسند أو فى المسند إليه أو لا فى واحد منهما بأن يكون الجامع غير الاتحاد الأول فى الطرفين، مثاله: قام زيد أمس وقام زيد أمس مريدا بذلك قياما واحدا، وقام زيد أمس ثم قام زيد أمس وصم غدا وصم غدا أو ثم صم غدا. وهذا يستعمل لقصد التأكيد حتى يفهم السامع أن ذلك من شأنه أن يتكرر الإخبار به أو يتكرر طلبه؛ لأن الإخبار بالشئ مرتين أو طلبه مرتين كان مؤسسة لنسبته إخبارا أو إنشاء لقصد تقرير فائدة الخبر وتأكيد الطلب بطلب آخر أبلغ، فإن قلت: إذا كان للتأكيد فلا تعطف كما سبق؟ قلت: لم أرد أن الجملة الثانية مؤكدة بل هى تأسيس والتأكيد وقع فى تكرار التأسيس وهذا أبلغ من التأكيد فإن التأكيد يقرر إرادة معنى الأول وعدم التجوز والعطف يحصل بتكرار الإسناد وفائدته زيادة تقرير لثبوت النسبة أو طلبها، وفائدة التأكيد تقرير الإخبار بالنسبة ولا أقول بذلك مطلقا بل حيث لا إلباس بأن يكون المخبر به أو المطلوب لا يقبل التكرار مثل: صمت أمس وصمت أمس، أو صم غدا وصم غدا، فإن توقفت فى صحة هذا التركيب فعليك بقوله تعالى: كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ، وفى كلام الزمخشرى ما يومئ إلى أن الثانية تأسيس لا تأكيد؛ لأنه جعل الثانية أبلغ فى الإنذار وبقوله ﷿:

وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ، ومنه قوله ﷺ:" إن بنى هشام بن المغيرة استأذنونى أن ينكحوا ابنتهم على بن أبى طالب، فلا آذن ثم لا آذن ثم لا آذن"، وقوله تعالى:

ــ

فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ يحتمل أن يكون منه وأن يكون من المتماثلين على ما سيأتى، ومنه قول الشاعر:

ألا يا اسلمى ثمّ اسلمى ثمّت اسلمى

وانظر لقول ابن مالك فى التسهيل الأجود فى مثل ذلك الوصل ليت شعرى لو كان تأكيدا لفظيا كيف يقول الأجود الوصل؟ وما الذى يسلب قول الإنسان: اسلمى اسلمى الجودة وهو تأكيد لفظى لو كان غير جيد لكان كل تأكيد لفظى كذلك، إنما يريد - والله تعالى أعلم - ما قلناه، فإذا قلت: سوف تعلم ثم سوف تعلم كان أجود منه بغير عطف؛ لأنه بالعطف لا يكون خبرا مؤكدا بل خبرين، وبدون العطف يكون تأكيدا وخبرا واحدا وهو أجود لجريه على غالب استعمال التأكيد ولعدم احتماله لتعدد المخبر به، ولتعلم أن التأكيد بينه وبين التابع خصوص وعموم من وجه، فإن قلت: هذا ثبت فى العطف بثم فلا أسلمه فى غيرها، قلت: إذا ثبت مع ثم مع دلالتها على التراخى فإن الواقع بعدها فى زمن غير الواقع قبلها المستلزم للتغاير المفقود المخبر به فيما نحن فيه فلأن يعطف بالواو، وهى لا تقتضى ترتيبا أولى، فإن قلت: هذا قياس فى اللغة وهو ممتنع أو لعل ما ورد من ذلك عطف فيه الإخبار أى ثم أخبركم، قلت: أطلق بدر الدين بن مالك فى شرح الألفية أن الجملة التأكيدية قد توصل بعاطف ولم تختص به، وإن كان ظاهر كلام والده التخصيص ثم يكفيك فى جواز ذلك بالواو قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ فإن الزمخشرى وابن النحاس والإمام فخر الدين والشيخ عز الدين بن عبد السّلام ذكروا أن المأمور به فيهما واحد ورجحوا ذلك على احتمال أن تكون التقوى الأولى مصروفة لشئ غير التقوى الثانية مع إمكان إرادته. فإن قلت:

قد قالوا: إنه تأكيد، قلت: يريدون ما ذكرناه من تأكيد المأمورية بتكرير الإنشاء لا أنه تأكيد

ــ

لفظى على ما يعرفه من نظر كلامهم، ولو كان تأكيدا لفظيا لما فصل بالعاطف، وتسمية النحاة لمثل ذلك تأكيدا مجاز أو على ما أردناه، وفى خصوص الآية الكريمة لو كان توكيدا لما فصل بينه وبين متبوعه بقوله تعالى: وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ فإن قلت: اتقوا الثانية معطوفة على ولتنظر، قلت: قد اتفقوا على أن وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً معطوف على لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ لا على قوله وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وهو نظير ما نحن فيه، وقوله تعالى: يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ وقوله تعالى: فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَاذْكُرُوهُ يحتمل أن يكون اصطفاءين وذكرين، وهو الأولى فى الذكر؛ لأنه محل طلب فيه تكرار الذكر، والظاهر أنه ليس مما نحن فيه، وكفاك دليلا على ما ذكرناه قول الآمدى وغيره ممن لا أحصيهم عددا أن نحو: صم يوم الجمعة وصم يوم الجمعة، صحيح، ويكون أمرا مرتين، ونحو صل ركعتين وصل ركعتين، هل هو تأسيس أو تأكيد؟ قولان: لا يقال: تكرير ذلك تحصيل الحاصل؛ لأنا نقول: طلب الشئ مرتين ليس تحصيلا للحاصل بل طلب بعد طلب كما يدعو الإنسان ربه بالمغفرة مرارا كثيرة، نعم إنما يمتنع ذلك فيما يلزم فيه تحصيل الحاصل، وهو الإنشاء غير الطلبى مثل: أنت طالق وأنت طالق، فإنه ثبت عليه أثره بالأول فلا يمكن إنشاء إيقاع تلك الطلقة بعد وقوعها وكذلك الخبر قد يقصد الإخبار به مرتين وقد أمر الله تعالى فى كتابه العزيز بالصلاة غير مرة، (فإن قلت): فيحصل بذلك الالتباس؛ فإن العطف يقتضى المغايرة فيظن أن المأمور به ثانيا والمخبر به ثانيا غير الأول.

(قلت): إنما أقول به حيث لا إبهام لقرينة أو لأن ذلك الشئ لا يقبل التكرار كما سبق فليتأمل ما ذكرناه فإنه تحقيق شريف.

القسم الثانى: الاتحاد بالشخص فى المسند فقط نحو: زيد يكتب وأخوه يكتب، هذا القسم مستحيل؛ لأنه متى اتحد المسند بالشخص لزم اتحاد المسند إليه لاستحالة أن يصدر الفعل الواحد بالشخص من اثنين، هذا القسم لا يأتى فى الاتحاد بالشخص؛ بل بالنوع - فتأمله - فقد غلطوا فيه.

ــ

الثالث: فى المسند إليه فقط وهو إما أن يكون محلّا للوصل، مثل: زيد يكتب ويشعر، فيحسن أولا أن يكون لعدم

المناسبة، مثل: جالينوس طبيب ماهر ولبس ثوبه.

الرابع: لا فى واحد منهما؛ لمناسبة زيد يكتب وأخوه يشعر فيحسن أو لغير مناسبة فلا يوصل، نحو: سورة الإخلاص من القرآن والزيت فى الزق، وهذه الأقسام الأربعة تتعدد وتتضاعف باعتبار اختلاف لفظ المسند إليه أو اتحاده، مثل: سيبويه صنف الكتاب وعمرو صنف الكتاب، أو سيبويه صنف الكتاب وعمرو ألف الكتاب، ومثل الإتيان بضميرين أو ضمير وظاهر، ويأتى فيها العطف بالواو وغيرها.

وكون الجملة الأولى لها محل أو لا محل لها إلى غير ذلك مما لا يخفى وإذا تقرر هذا فلنعد إلى عبارة المصنف، فقوله: أن يكون بينهما اتحاد فى التصور، أى: بين المسندين أحدهما مع الآخر وبين المسند إليهما أحدهما مع الآخر ونحن نمشى مع المصنف على ما رآه من اشتراط اتحاد فيها، ونعنى بالاتحاد فى التصور: أن تصورهما واحد، أى: وإن كانا مسندا إليهما، وهما شيئان فى الصورة واللفظ، فهما فى المعنى واحد، وقد مثل قطب الدين الشيرازى وغيره من شراح المفتاح والتلخيص الاتحاد فى المسند إليه بقولك: زيد يضع ويرفع وهو صحيح ومثلوا الاتحاد فى المسند بقولك: زيد كاتب وعمرو كاتب، وهو فاسد؛ لأن كتابة زيد وكتابة عمرو ليستا متحدتين بالشخص حقيقة فى التصور؛ بل اتحادهما بمعنى التماثل فهو من القسم الذى سيأتى، ومثلوا الاتحاد فى قيد المخبر عنه، بقولك: القائم عندنا شجاع والجالس عندنا عالم، وهو مثال الاتحاد فى القيد مع وجدان جامع فى المسند إليه وهى المضادة ومع عدم الجامع فى المسند، إذ لا جامع بين شجاع وعالم، ثم هو فاسد أيضا؛ لأن الظرف بالنسبة إلى القائم والجالس ليس متحدا حقيقة؛ بل هما ظرفان متماثلان؛ لأن المكان الواحد بالشخص لا يكون فيه اثنان إلا أن فرض ذلك بحسب وقتين مختلفين، ومثلوا الاتحاد فى قيد المخبر به، بقولك: زيد كاتب فى الدار وعمرو جالس فيها، وهو أيضا فاسد؛ لأن مكان الجالس والكاتب مختلفان بالشخص، ثم هو مثال للاتحاد فى القيد مع عدم الجامع فى المسند، ومثله الخطيبى بقولك: هزم الأمير الجيش يوم الجمعة وذهب السلطان فيه، وهو مثال صحيح بشرط أن يقصد أن الفعلين وقعا فى زمن واحد بالشخص، فإن الزمن الواحد يكون ظرفا لأشياء كثيرة، أما لو قصد أن أحدهما فى

إمّا عقلىّ: بأن يكون بينهما اتحاد فى التصوّر أو تماثل؛ فإنّ العقل بتجريده المثلين عن التشخّص فى الخارج يرفع التعدّد بينهما،

ــ

بكرة النهار، والآخر فى آخره مثلا، فليس مما نحن فيه ثم هو مثال لاتحاد القيد مع عدم الجامع فى المسند، وهذه الأمثلة كلها مما تعرفك أن قول السكاكى يكفى الاتحاد فى المسند أو المسند إليه، أو القيد على حقيقته كما تقدم.

ص: (أو تماثل إلى آخره).

(ش): هذا النوع الثانى من الجامع العقلى وهو أن يكون الجامع فى المسند أو المسند إليه التماثل والمثلان هما المتساويان فى الذاتيات؛ ولذلك حدهما أصحابنا بأنهما موجودان مشتركان فى الصفات النفسية، ومن لازم ذلك أنه يجب لكل منهما ويمتنع، ويجوز ما يجب للآخر ويمتنع ويجوز. (قوله: فإن العقل إلى آخره) تعليل لكون التماثل جامعا، أى الجامع بالحقيقة إنما هو الاتحاد؛ لأن المثلين متحدان بالذات؛ لأن العقد يجرد المثلين عن التشخص فى الخارج برفع العوارض المقتضية للتعدد، فيرجع الاتحاد، ثم هذا التماثل إما فى المسند إليه فقط أو فى المسند فقط أو فى قيد من قيودهما على الأقسام السابقة فى الاتحاد فى التصور، وإذا تأملت ما سبق من الأمثلة أمكنك سلوك ما يناسب هذا المقام، مثال التماثل فى المسندين: زيد يعطى وزيد يعطى، أو هو يعطى، فإن المسند إليه متحد لا متماثل والمسند متماثل إذا أردت بالإعطاء الثانى غير الإعطاء الأول، فالاتحاد هنا فى المسند إليه بالشخص وفى المسند بالنوع، ولا شك فى سلوك هذا الوصل إذ لو ترك لتوهم أن الثانى هو الأول وأنه تأكيد، وقد قال الزمخشرى فى قوله تعالى: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا معناه: كذبوا تكذيبا فى أثر تكذيب وهو عين ما قلناه، ومثال التماثل فى المسند إليه زيد يعطى وأخوه يمنع أو زيد يعطى وعمرو يمنع وإن لم يكن بينهما علقة؛ لأن ما علل به من رفع التماثل يقتضى أن أفراد الإنسان كلها يلازم الجامع كل اثنين منها، وهذا ما قدمناه أن كلام المصنف السابق مناف له؛ لأنه شرط فى الاتحاد أن يكون بين زيد وعمرو مناسبة لا يقال: تحمل المماثلة على المشابهة فى العوارض؛ لأمرين أحدهما: أنه خلاف ما صرحوا به كلهم، والثانى: أن تلك المشابهة إذا وقعت لا تتحد الحقيقة؛ بل يرجعان إلى التماثل بالذات، ومثال التماثل فيهما: زيد يعطى

أو تضايف كما بين العلّة والمعلول، أو الأقلّ والأكثر.

أو وهمىّ: بأن يكون بين تصوّريهما شبه تماثل؛ كلونى بياض وصفرة؛ فإنّ الوهم يبرزهما فى معرض المثلين؛ ولذلك حسن الجمع بين الثلاثة التى فى قوله:

ثلاثة تشرق الدّنيا ببهجتهاشمس الضّحى وأبو إسحاق والقمر

ــ

وأخوه يعطى، ومثال عدم التماثل فيهما: زيد يعطى ويمنع. ولنقتصر على هذه المثل الأربعة؛ لأن من تأمل ما سبق فى أمثلة الاتحاد، أمكنه سلوك كل فى محله.

ص: (أو يكون بينهما تضايف).

(ش): هذا النوع الثالث من الجامع العقلى، فإن التضايف هيئة بين ماهيتين، تقتضى توقف تعقل كل منهما على تعقل الأخرى، وقولهم: التضايف هيئة تكون ماهيتها معقولة بالنسبة إلى تعقل هيئة أخرى، وبالعكس حد لأحد المتضايفين لا للتضايف، ويكون التضايف بين المعقولات أو المحسوسات وغيرهما بالكم والكيف أو الزمان أو المكان أو الوضع؛ كالعلة والمعلول، والأب والابن، والصغير والكبير، والأعلى والأسفل، والأبرد والأحر، والأصغر والأكبر، والأقدم والأحدث، والأشد انتصابا وانحناء، والأقل والأكثر، وسواء أكانت الإضافة فى الطرفين متفقة على صفة واحدة، كالأخوة فإنها فى كل من الطرفين أو مختلفة كالأخوة، فانها ليست من الطرفين؛ بل يقابلها البنوة ومثاله فى المعقولات: العلة مع المعلول، كقولك: العالم معلول للصانع والصانع علة للعالم، وهذا أصغر من ذلك وذاك أكبر من هذا فى الكم، وهذا أبرد من ذلك وذاك أحمى من هذا فى الكيف، وهذا أعلى من ذاك وذاك أسفل من هذا فى المكان الذى يسمونه الأين، وهذا أقدم من ذاك وذاك أحدث من هذا فى الزمان الذى يسمونه المتى، وهذا أشد انتصابا وذاك أشد انحناء فى الوضع، وأما الوهمى فبأن يكون بين تصورهما شبه تماثل كلون بياض ولون صفرة إنما كان ذلك جامعا؛ لأن الوهم يبرزهما فى معرض المثلين والوهم قوة مدركة لمعان جزئية فتقطع الشخص عنهما وتجردهما فيحصل الجامع؛ وإنما أبرزهما فى معرض المثلين لتقاربهما؛ فيتوهم أنهما مثلان؛ ولذلك أنكرت الفلاسفة التضاد بينهما - كما سبق - كما تقول: صفرة الذهب تسر وبياض الفضة ينفع، ولذلك حسن الجمع بين الثلاثة فى قوله:

ثلاثة تشرق الدّنيا ببهجتهاشمس الضّحى وأبو إسحاق والقمر

النص من طبعة المكتبة العصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.