تجاوز إلى المحتوى

من «معاهد التنصيص على شواهد التلخيص» لعبد الرحيم العباسي (ت ٩٦٣هـ)

شَوَاهِد الاستعاره

(لَدَى أشدٍ شاكي السِّلَاح مُقَذَّفِ ...)

قَائِله زُهَيْر بن أبي سلمى من قصيدته السَّابِقَة فِي شَوَاهِد الإيجاز وَسَيَأْتِي كَامِلا فِيمَا بعد وَقَبله

لعمري لِنعْمَ الحيُّ جَرَّ عليهمُبِمَا لَا يوايتهم حُصَيْنُ بن ضَمْضمِ
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «أمن أم أوفى دمنة لم تكلم»
وكانَ طوَى كشحاً على مُسْتكنةٍفَلَا هُوَ أبداها وَلم يتقدَّمِ
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «معلقة زهير بن أبي سلمى»
وَقَالَ سأقضِي مأربي ثمَّ أتفيعدوّى بألفٍ من ورائيَ مُلجِمِ
فشدَّ وَلم ينظر بيوتَّاً كَثِيرَةلدي حَيْثُ ألقَتْ رَحْلها أم قَشْعَمِ

وَبعده الْبَيْت وَالْقَصِيدَة طَوِيلَة يَقُول مِنْهَا أَيْضا

سئمت تكاليفَ الْحَيَاة وَمن يَعِشْثَمَانِينَ عَاما لَا أبالكَ يَسْأمِ
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «أمن أم أوفى دمنة لم تكلم»
رَأَيْت المنايا خَبْطَ عَشْواء من تُصِبتُمِتْهُ وَمن تُخْطئ يعمر فيهرم
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «أمن أم أوفى دمنة لم تكلم»
وَمهما تكن عِنْد امْرِئ خَلِيقَةوَإِن خالها تخفي على النَّاس تُعْلَمِ
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «أمن أم أوفى دمنة لم تكلم»

وشاكي السِّلَاح وشاكه وشائكه حديده والمقذف الَّذِي يقذف بِهِ كثيرا إِلَى الوقائع أَو الَّذِي رمى بِاللَّحْمِ رميا

وَالشَّاهِد فِيهِ الِاسْتِعَارَة التحقيقية فالأسد هُنَا مستعار للرجل الشجاع وَهُوَ أَمر مُتَحَقق حسا

قَامَت تظللني من الشَّمْسنفس أعز عَليّ من نَفسِي
قَامَت تظللني وَمن عجبشمس تظللني مِنَ الشَّمْسِ

البيتان لِابْنِ العميد وهما من الْكَامِل قالهما فِي غُلَام حسن قَامَ على رَأسه يظلله من الشَّمْس وَقَالَ ابْن النجار فِي تَارِيخه قَرَأت على إِسْمَاعِيل بن سعد الله أَنبأَنَا بكر بن عَليّ التَّاجِر قَالَ أنشدنا رزق الله بن عبد الْوَهَّاب التَّمِيمِي الْوَاعِظ فِي وَلَده أبي الْعَبَّاس لِأَنَّهُ كَانَ يقوم إِذا جَاءَت عَلَيْهِ الشَّمْس ويظله فَقَالَ

قَامَت تظللني من الشَّمْسنفس أعز عَليّ من نَفسِي
قَامَت تظللني وَمن عجبشمس تظللني من الشَّمْس
لمَّا رَأيْتُ الشمسَ بارزةًستَّرتُ عين الشمسِ بالْخَمْسِ
ثمَّ اسْتَعنتُ على الَّتِي اختلستمنى الْفُؤَاد بِآيةِ الكرْسي

وَقَالَ ياقوت فِي مُعْجم الأدباء كَانَ أَبُو إِسْحَاق الصابي وَاقِفًا بَين يَدي عضد الدولة وعَلى رَأسه غُلَام تركي جميل فَكَانَ إِذا رأى الشَّمْس عَلَيْهِ حجبها عَنهُ فَقَالَ للصابي هَل قلت شَيْئا يَا إِبْرَاهِيم فَقَالَ

وَقَفتْ لتحجبُني عَن الشَّمْسنفسٌ أعز عَليّ من نَفْسي
للشاعر أبو إسحاق الصابي، اقرأ القصيدة
ظلَّتْ تظللني وَمن عجبشمس تُغيِّبني عَن الشَّمْس

فسُرَّ بذلك

وَالشَّاهِد فيهمَا أَن إِطْلَاق الْمُشبه بِهِ على الْمُشبه إِنَّمَا يكون بعد ادِّعَاء دُخُوله فِي جنس الْمُشبه بِهِ وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَيكون اسْتِعْمَال الِاسْتِعَارَة فِي الْمُشبه

اسْتِعْمَالا فِيمَا وضعت لَهُ فَهُنَا لَوْلَا أَنه ادّعى لَهُ معنى الشَّمْس الْحَقِيقِيّ وَجعله شمساً لما كَانَ لهَذَا التَّعَجُّب معنى إِذْ لَا تعجب فِي أَن إنْسَانا حسانا يظلل إنْسَانا آخر

وَقَرِيب من معنى الْبَيْتَيْنِ مَا حكى أَن سيماء التركي غُلَام المعتصم كَانَ أحسن تركي على وَجه الأَرْض فِي وقته وَكَانَ المعتصم لَا يُفَارِقهُ وَلَا يصبر عَنهُ محبَّة لَهُ ووجداً بِهِ فاتفق أَن المعتصم دَعَا أَخَاهُ الْمَأْمُون ذَات يَوْم إِلَى دَاره فأجلسه فِي بَيت على سقفه جامات فَوَقع ضوء الشَّمْس من وَرَاء تِلْكَ الجامات على وَجه سيماء فصاح الْمَأْمُون لِأَحْمَد بن مُحَمَّد اليزيدي فَقَالَ انْظُر وَيلك إِلَى ضوء الشَّمْس على وَجه سيماء أَرَأَيْت أحسن من هَذَا قطّ وَقد قلت

قد طَلَعت شمسٌ على شَمْسوزَالَتِ الوحشة بالأنس) // السَّرِيع //

فأجز فَقَالَ البزيدي بعده

قد كُنْتُ أشنْا الشَّمْسَ من قبل ذَافصِرْتُ أرتاحُ إِلَى الشَّمْس

قَالَ وفطن المعتصم فعض شَفَتَيْه لِأَحْمَد قَالَ أَحْمد لِلْمَأْمُونِ وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَئِن لم يعلم الْأَمِير حَقِيقَة الْأَمر مِنْك لأقعن مِنْهُ فِيمَا أكره فَدَعَاهُ الْمَأْمُون فَأخْبرهُ الْخَبَر فَضَحِك المعتصم فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون كثر الله يَا أخي فِي غلمانك مثله

وَيقرب من هَذَا مَا حُكيَ أَن الْمُعْتَمد بن عباد صَاحب إشبيلية جلس يَوْمًا وَبَين يَدَيْهِ جَارِيَة تسقيه فخطف الْبَرْق فارتاعت مِنْهُ فَقَالَ ابْن عباد فِي ذَلِك

روَّعها البرقُ وَفِي كفِّهابرقٌ من الْقَهْوةَ لَمَّاعُ
عجبت مِنْهَا وهْيَ شمس الضُّحَىمن مثل مَا تحمل ترتاعُ) // السَّرِيع //

ثمَّ أنْشد الأول لعبد الْجَلِيل بن وهبون المرسي واستجازه فَقَالَ

ولَنْ ترى أعجب من آنسٍمن مثل مَا يُمْسِكُ يرتاع
للشاعر ابن وهبون الأندلسي، اقرأ القصيدة

وَابْن العميد هُوَ أَبُو الْفضل مُحَمَّد بن الْحُسَيْن عين الْمشرق ولسان الْجَبَل وعماد ملك آل بويه وَصدر وزرائهم قَالَ فِي حَقه أَبُو مَنْصُور الثعالبي كَانَ أوحد الْعَصْر فِي الْكِتَابَة وَكَانَ يدعى الجاحظ الآخر والأستاذ والرئيس وَيضْرب بِهِ الْمثل فِي البلاغة وَيَنْتَهِي إِلَيْهِ فِي الْإِشَارَة بالفصاحة والبراعة مَعَ حسن الترسل وجزالة الْأَلْفَاظ وسلاستها مَعَ براعة الْمعَانِي ونفاستها وَمَا أحسن وأصدق مَا قَالَه الصاحب وَقد سَأَلَهُ عَن بَغْدَاد عِنْد مُنْصَرفه عَنْهَا بَغْدَاد فِي الْبِلَاد كالأستاذ فِي الْعباد وَكَانَ يُقَال بدئت الْكِتَابَة بِعَبْد الحميد وختمت بِابْن العميد وَقد أجْرى ذكرهمَا مَعًا أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن أَحْمد الخازن فِي قصيدة مدح بهَا الصاحب بن عباد حَيْثُ وصف بلاغته فَقَالَ

دعوا الأقاصيصَ والأنباء نَاحيَةفَمَا على ظهرهَا غير ابْن عبَّادِ
وَإِلَى بَيانٍ مَتى يُطْلق أعِنَّتَهيدَعْ لِسَان إِيادٍ رهْنَ أقْيادِ
ومُورِدٌ كَلمَاتِ عَطَّلَتْ زهراًعلى رياضٍ ودرَّاً فوقَ أجْيادِ
وتاركٌ أَولا عبدَ الحميدِ بهَاوابنَ العميد أخيراً فِي أبي جاد) // الْبَسِيط //

وَلم يَرث ابْن العميد الْكِتَابَة عَن كَلَالَة بل كَانَ كَمَا قَالَ ذُو الرمة فِي وصف صائد حاذق

(أَلفى أَبَاهُ بِذَاكَ الْكسْب يكْتَسب ...) // الْبَسِيط //

لِأَن أَبَاهُ أَبَا عبد الله الملقب بكله كَانَ فِي الرُّتْبَة الْكُبْرَى من الْكِتَابَة وَكَانَ قد تقلد ديوَان الرسائل للْملك نوح بن نصر وَكَانَ يحضر ديوَان الرسائل فِي محفة لسوء أثر النقرس فِي قدمه وَفِيه يَقُول أَبُو الْقَاسِم الإسكافي وَكَانَ يكْتب فِي ديوانه إِذْ ذَاك وَيرى نَفسه أَحَق مِنْهُ برتبته ويتمنى زَوَال أمره ليقوم مقَامه

يَا ذَا الَّذِي ركب المحفةجَامعا فِيهَا جهازهْ
أَتَرَى الإِله يُعِيشُنيحتَّى يرينيها جنازهْ) // الْكَامِل //

وَلم تطل الْأَيَّام حَتَّى أَتَت على أبي عبد الله منيته ووافت أَبَا الْقَاسِم أمْنِيته وَتَوَلَّى ديوَان الرسائل فَسبق من قبله وأتعب من بعده وَلم يزل أَبُو الْفضل هَذَا فِي حَيَاة أَبِيه وَبعد وَفَاته بِالريِّ وكورة الْجَبَل وَفَارِس يتدرج إِلَى الْمَعَالِي ويزداد فضلا وبراعة على الْأَيَّام والليالي حَتَّى بلغ مَا بلغ وَاسْتقر فِي الذرْوَة من وزارة ركن الدولة ورياسة الْجَبَل وخدمة الكبراء وانتجعه الشُّعَرَاء وَورد عَلَيْهِ أَبُو الطّيب المتنبي عِنْد صدوره من حَضْرَة كافور الأخشيدي فمدحه بِتِلْكَ القصيدة الْمَشْهُورَة الَّتِي مِنْهَا يَقُول

من مبلغ الأعرابِ أنيَ بَعدهاشاهدت رسطاليس والاسكندرا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «باد هواك صبرت أم لم تصبرا»
ومللت نحر عشارها فأضافنيمن ينْحَر البِدَرَ النُّضار لمن قرى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «باد هواك صبرت أم لم تصبرا»
وسمعتُ بطليموس دَارِسَ كتبِهِمُتملكاً متبدياً متحضرَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «باد هواك صبرت أم لم تصبرا»
ولقيتُ كلَّ الفاضلين كَأَنَّمَارَدَّ الإِلهُ نُفُوسهم والأعصرا) // الْكَامِل //
للشاعر المتنبي، من قصيدة «باد هواك صبرت أم لم تصبرا»

وَمِنْهَا

نسقوا لنا نسق الْحساب مقدماوأنى فَذَلِك إِذْ أتيت مؤخَّرَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «باد هواك صبرت أم لم تصبرا»
بِأبي وَأمي ناطقٌ فِي لفظهِثمن تباعُ لَهُ الْقُلُوب وتشترَى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «باد هواك صبرت أم لم تصبرا»
قطفَ الرجالُ القولَ قبلَ نَّبَاتهِوقطفتَ أنتَ القَوْل لما نوَّرَا) // الْكَامِل //
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

ومدحه الصاحب بن عباد بقصائد كَثِيرَة استفرغ فِيهَا جهده فَمِنْهَا قَوْله فِيهِ

من الْقلب يهيم فِي كل وَاديوقتيلٍ للحب من غير وَادي

(إِنَّمَا أذكر الغوانيَ والمقصدُ سعدى تكثُّراً للسوَادِ ...)

وَإِذا مَا صدقتُ فَهْيَ مراميومُرَادي وَرَوْضتي ومَرَادي
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «من لقلب يهيم في كل وادي»
ونَدَى ابنِ العميد إِنِّي عميدٌمن هَواهَا أليةَ الأمجادِ
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «من لقلب يهيم في كل وادي»
لوْ دَرَى الدَهرُ أَنه من بنيهِلازَدْرى قدرَ سَائِر الْأَوْلَاد
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «من لقلب يهيم في كل وادي»
أورأي الناسُ كَيفَ يهتزُّ للجودلما عدَدوهُ فِي الأطواد) // الْخَفِيف //

وَله أَيْضا

قَالُوا رَبيعك قد قَدِمْفلكَ البشارةُ بالنَّعَمْ
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «قالوا ربيعك قد قدم»
قلتُ الربيعُ أَخُو الشتَاءأم الرّبيع أَخُو الْكَرم
قَالُوا الَّذِي بنوالهيَغْنَي المقلّ من العَدَمْ
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «قالوا ربيعك قد قدم»

(قلتُ الرئيسُ ابنُ العميد إِذا فَقَالُوا لي نعم ...) // الْكَامِل //

ولبعضهم فِيهِ عِنْد انْتِقَاله إِلَى قصر جَدِيد قد بناه وَهُوَ مستبدع

لَا يعجبنَّكَ حسنُ الْقصر تنزلهُفَضِيلَة الشَّمْس ليستْ فِي منازلها
للشاعر مسكويه، اقرأ القصيدة
لَو زِيدتِ الشمسُ فِي أبراجها مائَةمَا زَاد ذَلك شَيْئا فِي فضائلها
للشاعر مسكويه، اقرأ القصيدة

وَهَذِه نبذة من محَاسِن نثره

فصل من رِسَالَة كتب بهَا إِلَى أبي الْعَلَاء السروي كتابي جعلني الله تَعَالَى فدَاك وَأَنا فِي جد وتعب مُنْذُ فَارَقت شعْبَان وَفِي جهد وَنصب من رَمَضَان وَفِي الْعَذَاب الْأَدْنَى دون الْعَذَاب الْأَكْبَر من ألم الْجُوع وَوَقع الصَّوْم ومرتهن بتضاعف حر لَو أَن اللَّحْم يُصَلِّي بِبَعْضِه غريضا أَتَى أَصْحَابه وَهُوَ منضج وممتحن بهواجر يكَاد أوراها يذيب دماغ الضَّب وَيصرف وَجه الحرباء عَن التحنف ويزويه عَن التنصر وَيقبض يَده عَن إمْسَاك سَاق وإرسال سَاق

وَيتْرك الجأبَ فِي شغل عَن الحقبويقدح النارَ بَين الْجلد والعصب

ويغادر الْوَحْش قد مَالَتْ هواديها

سجوداً لدَى الأرطي كأنَّ رؤسهاعَلَاها صداعٌ أَو فواقٌ يصورها) // الطَّوِيل //

كَمَا قَالَ الفرزدق

ليَوْم أَتَى دون الظلال شموسهتظل المها صُوراً جماجمُهَا تغلى) // الطَّوِيل //

وكما قَالَ مِسْكين الدَّارمِيّ

وهاجِرَةٍ ظلت كأنَّ ظباءهاإِذا مَا اتقتها بالقُرون سجودُ
للشاعر مسكين الدرامي، من قصيدة «إن أدع مسكينا فاني ابن معشر»
تلوذ بشؤْبوب من الشَّمْس فَوْقهَاكَمَا لاذَ من وَخْزِ السنان طريد) // الطَّوِيل //

وممنو بأيام تحاكي ظلّ الرمْح طولا وليال كإبهام القطاة قصرا ونوم كلا وَلَا قلَّة وكحسو الطَّائِر من المَاء الثماد دقة وكتصفيقة الطَّائِر المستحرخفة

كَمَا أبرقت قوما عِطَاشاً غَمَامَةٌفلمَّا رَأها أقشعتْ وَتجلتِ

وكنقر العصافير وَهِي خائفة من النواطير يَانِع الْعِنَب وَأحمد الله تَعَالَى على كل حَال وأسأله أَن يعرفنِي بركته ويلقيني الْخَيْر فِي أَيَّامه وخاتمته وأرغب إِلَى الله أَن يقرب على الْقَمَر دوره وَيقصر سيره ويخفف حركته ويعجل نهضته وَينْقص مَسَافَة فلكه ودائرته ويزيل بركَة الطول من ساعاته وَيرد على غرَّة شَوَّال فَهِيَ أسر سَائِر الْغرَر عِنْدِي وأقرها لعَيْنِي ويسمعني النعرة فِي قفا شهر رَمَضَان ويعرض عَليّ هلاله أخْفى من السِّرّ وأظلم من الْكفْر وأنحف من مَجْنُون بني عَامر وأضنى من قيس

ابْن ذريح وأبلى من أَسِير الهجر ويسلط عَلَيْهِ الْحور بعد الكور وَيُرْسل على رقاقته الَّتِي يغشى الْعُيُون ضوءها ويحط من الْأَجْسَام نوءها كلفا يغمرها وكسوفاً يَسْتُرهَا ويرينيه مغمور النُّور مقمور الظُّهُور قد جمعه وَالشَّمْس برجٌ وَاحِد ودرجة مُشْتَركَة وَينْقص من أَطْرَافه كَمَا تنقص النَّار من أَطْرَاف الزند وَيبْعَث إِلَيْهِ الأرضة وَيهْدِي إِلَيْهِ السوس ويغري بِهِ الدُّود ويبليه بالفأر ويخترمه بالجراد ويبيده بالنمل ويجتحفه بالذر ويجعله من نُجُوم الرَّجْم وَيَرْمِي بِهِ مسترق السّمع ويخلصنا من معاودته ويريحنا من دوره ويعذبه كَمَا عذب عباده وخلقه وَيفْعل بِهِ فعله بالكتان ويصنع بِهِ صَنِيعه بالألوان ويقابله بِمَا تَقْتَضِيه دَعْوَة السَّارِق إِذا افتضح بضوئه وتهتك بطلوعه وَيرْحَم الله عبدا قَالَ آمينا وَأَسْتَغْفِر الله جلّ وَجهه مِمَّا قلته إِن كرهه وأستعفيه من توفيقي لما يذمه وأسأله صفحاً يفيضه وعفواً يسبغه وحالي بعد مَا شَكَوْت صَالِحَة وعَلى مَا تحب وتهوى جَارِيَة وَللَّه الْحَمد تقدست أسماؤه وَالشُّكْر

وَمن فصوله الْقصار الْجَارِيَة مجْرى الْأَمْثَال قَوْله مَتى خلصت للدهر حَال من اعتوار أَذَى وَصفا فِيهِ شرب من اعْتِرَاض قذى خير القَوْل مَا أَغْنَاك جده وألهاك هزله الرتب لَا تبلغ إِلَّا بتدرج وتدرب وَلَا تدْرك إِلَّا بتجشم كلفة وتصعب الْمَرْء أشبه شئ بِزَمَانِهِ وَصفه كل زمَان منتسخة من سجايا سُلْطَانه الْمَرْء يبْذل مَاله فِي إصْلَاح أعدائه فَكيف يذهل الْعَاقِل عَن حفظ

أوليائه هَل السَّيِّد إِلَّا من يهابه إِذا حضر وتغتابه إِذا أدبر اجْتنب سُلْطَان الْهوى وَشَيْطَان الْميل المرح والهزل بَابَانِ إِذا فتحا لم يغلقا إِلَّا بعد الْعسر وفحلان إِذا لقحا لم ينتجا غير الشَّرّ

وَمِمَّا أخرج لَهُ من الشّعْر قَوْله

آخ الرجالَ من الأباعدوالأقاربَ لَا تُقَارب
للشاعر أبو الفضل بن العميد، من قصيدة «آخ الرجال من الأباعد»
إِن الْأَقَارِب كالعقارببل أضرّ من العقارب) // الْكَامِل //

وَكتب إِلَى الْعلوِي

يَا من تخلى وَولىوصدّ عني وملَاّ
للشاعر أبو الفضل ابن العميد، اقرأ القصيدة
وأوسع الْعَهْد نَكْثاًوأتبع العقد حلَا
للشاعر أبو الفضل ابن العميد، اقرأ القصيدة
مَا كَانَ عَهْدك إِلَّاعهد الشبيبة ولى
للشاعر أبو الفضل ابن العميد، اقرأ القصيدة
أوْ طَائِفًا منْ خيالٍألَمَّ ثُمَّ تَولَّى
للشاعر أبو الفضل ابن العميد، اقرأ القصيدة
أَو عَارضاً لاحَ حَتّىإِذا دَنا فتَدلى
للشاعر أبو الفضل ابن العميد، اقرأ القصيدة
ألوَتْ بهِ نَسماتمن الصِّبا فَتجلَّى
للشاعر أبو الفضل ابن العميد، اقرأ القصيدة
أهْلاً بِما تَرْتضيهِفِي كلّ حالٍ وسَهلَا
للشاعر أبو الفضل ابن العميد، اقرأ القصيدة
ليَجزيَنّكَ وُدّيبمثْل فعْلِكَ فعْلَا
للشاعر أبو الفضل ابن العميد، اقرأ القصيدة
إنْ شِئتَ هَجْراً فهَجراًأَو شئتَ وَصْلاً فوَصلا
للشاعر أبو الفضل ابن العميد، اقرأ القصيدة
صَبَرْتَ عنَّيَ فانظْرظفرِتَ بالصَّبر أمْ لَا
للشاعر أبو الفضل ابن العميد، اقرأ القصيدة
إِني إِذا الخِلُّ ولَّىولَّيْتُهُ مَا تولى) // المقتضب //

وَكتب إِلَى أبي الْحسن بن هندو وأرسلها إِلَيْهِ صَبِيحَة عرسه

أنعمْ أَبَا حَسَن صباحاًوازْدَدْ بَزوْجتِكَ ارتياحَا
للشاعر أبو الفضل بن العميد، من قصيدة «أنعم أبا حسن صباحا»
قَدْ رضْتَ طرْفَكَ خَالِيافَهل استَلنتَ لَهُ جِمَاحَا
للشاعر أبو الفضل ابن العميد، اقرأ القصيدة
وقدَحتَ زَنْدَك جاهِداًفَهل استبَنْتَ لهُ انقِدَاحَا
للشاعر أبو الفضل بن العميد، من قصيدة «أنعم أبا حسن صباحا»
وطَرَقتَ منغَلقاً فهلْسَنَّ الآله لَهُ انْفِتَاحَا
للشاعر أبو الفضل ابن العميد، اقرأ القصيدة
قَدْ كنت أرْسلت الْعُيُونصَباحَ يوْمِكَ والرَّوَاحَا
للشاعر أبو الفضل بن العميد، من قصيدة «أنعم أبا حسن صباحا»
وبعَثتُ مُصغيةً تبيتلدَيْكَ تَرْتقِبُ النَّجَاحا
فَغَدْت عليّ بجُملةٍلم تُولني إِلَا افتِضاحَا
للشاعر أبو الفضل ابن العميد، اقرأ القصيدة
وشَكتْ إِليّ خلاخلاًخرْساً وأوشجةً فِصاحا
للشاعر أبو الفضل ابن العميد، اقرأ القصيدة
مَنعت وساوسُها المسامعمَعَ أَن تُحسَّ لكم صباحا) // الْكَامِل //

وللصاحب ابْن عباد فِي هَذَا الْمَعْنى إِلَّا أَنه أقرب فِي التَّصْرِيح

قلبِي على الجمرَة يَا أَبَا الْعلَافَهَل فتَحتَ الموْضع المقفلا
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «قلبي على الجمرة يا أبا العلا»
وَهل فَككت الْخَتْم عَن كيسهوَهل كحلت النَّاظر الأكحلا
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «قلبي على الجمرة يا أبا العلا»
إِن قُلت يَا هَذَا نعم صَادِقاأبْعث نثاراً يمْلَأ المنْزلا
وإنْ تُجبني مِنْ حياءَ بِلَاأبعَثْ إليْكَ الْقطن والمغزلا) // السَّرِيع //

وَلابْن العميد فِي المغنى الْقرشِي

إِذا غناني الْقرشِي يَوْمًاوعنَّاني برؤيتهِ وضربهْ
للشاعر أبو الفضل ابن العميد، اقرأ القصيدة
وَدِدْتُ لَوَ أنّ أُذني مثْلُ عَيْنيهنَاكَ وأنّ عيْني مثلُ قلبِهْ) // الوافر //

وللوزير المهلبي فِيهِ أَيْضا

إِذا غناني الْقرشِيدعوْتُ الله بالطَّرش
للشاعر الوزير المهلبي، اقرأ القصيدة
وَإِنْ أبصرْتُ طَلعتهُفَوالهفي على العَمَش) // من مجزوء الوافر //

وَاجْتمعَ عِنْد ابْن العميد يَوْمًا أَبُو مُحَمَّد بن هندو وَأَبُو الْقَاسِم بن أبي الْحُسَيْن وَأَبُو الْحُسَيْن بن فَارس وَأَبُو عبد الله الطَّبَرِيّ وَأَبُو الْحسن البديهي فحياه بعض الزائرين بأترجة حَسَنَة فَقَالَ لَهُم تَعَالَوْا نتجاذب أهداب وصفهَا فَقَالُوا إِن رأى سيدنَا أَن يَبْتَدِئ فعل فابتدأ وَقَالَ

(وأَتُرجَّةٍ فِيهَا طبائعُ أَربع ...) // الطَّوِيل //

فَقَالَ أَبُو مُحَمَّد

(وفيهَا فُنونُ اللَّهْو وَالشرب أجْمَعُ ...) فَقَالَ أَبُو الْقَاسِم

(يُشبهُها الرَّائي سبيكةَ عَسجَدٍ ...)

فَقَالَ أَبُو الْقَاسِم بن أبي الْحُسَيْن

(على أَنَّهَا منْ فَأرةِ المِسْكِ أضْوَعُ ...)

فَقَالَ أَبُو عبد الله

(وَمَا اصفَرَّ منْها اللَّوْنُ للْعشق والهوى ...)

فَقَالَ أَبُو الْحسن

(وَلَكِن أَرَاهَا لِلْمحبِّين تجْمَعُ ...)

وَكَانَ ابْن العميد متفلسفاً مُتَّهمًا بِرَأْي الْأَوَائِل وَيُقَال إِنَّه كَانَ مَعَ فنونه لَا يدْرِي الشَّرْع فَإِذا تكلم أحد بِحَضْرَتِهِ فِي أَمر الدّين شقّ عَلَيْهِ وخنس ثمَّ

قطع على الْمُتَكَلّم فِيهِ وَكَانَ قد ألف كتابا سَمَّاهُ الْخلق والخلق وَلم يبيضه وَلم يكن الْكتاب بِذَاكَ وَلَكِن جعس الرؤساء خبيص وصنان الْأَغْنِيَاء ند

وَتُوفِّي فِي سنة ثلثمِائة وَسِتِّينَ

وَقَامَ ابْنه عَليّ أَبُو الْفَتْح ذُو الكفايتين مقَامه إِذْ هُوَ ثَمَرَة تِلْكَ الشَّجَرَة وشبل ذَلِك القسوره وَحقّ على ابْن الصَّقْر أَن يشبه الصقرا وَمَا أصدق قَول الشَّاعِر

إِنَّ السَّرىّ إِذا سراره فبنَفْسِهوابُن السَّرىِّ إِذا سرا أسراهما) // الْكَامِل //

وَكَانَ نجيباً ذكياً لطيفاً سخياً رفيع الهمة كَامِل الْمُرُوءَة تأنق أَبوهُ فِي تأديبه وتهذيبه وجالس بِهِ أدباء عصره وفضلاء وقته وَخرج حسن الترسل مُتَقَدم الْقدَم فِي النّظم آخِذا من محَاسِن الْأَدَب بأوفر الْحَظ وَلما قَامَ مقَام أَبِيه قبل الاستكمال وعَلى مدى بعيد من الاكتهال وَجمع تَدْبِير السَّيْف والقلم لركن الدولة بن بويه لقب بِذِي الكفايتين وَعلا شَأْنه وارتفع قدره وطاب ذكره وَجرى أمره أحسن مجْرى إِلَى أَن توفّي ركن الدولة وأفضت حَال أبي الْفَتْح إِلَى مَا سَيذكرُ إِلَى قَرِيبا بِمَشِيئَة الله تَعَالَى وعونه

وَمن طرف أخباره أَن أَبَاهُ كَانَ قد قيض جمَاعَة من ثقاته فِي السِّرّ يشرفون على وَلَده الْأُسْتَاذ أبي الْفَتْح فِي منزله ومكتبه ويشاهدون أَحْوَاله ويعدون أنفاسه وأفعاله وَينْهَوْنَ إِلَيْهِ جَمِيع مَا يَأْتِيهِ ويذره ويقوله ويفعله

فَرفع إِلَيْهِ بَعضهم أَن أَبَا الْفَتْح اشْتغل لَيْلَة بِمَا يشْتَغل بِهِ الْأَحْدَاث المترفون من عقد مجْلِس أنس واتخاذ الندماء وتعاطي مَا يجمع شَمل اللَّهْو فِي خُفْيَة شَدِيدَة واحتياط تَامّ وَأَنه فِي تِلْكَ الْحَال كتب رقْعَة إِلَى بعض أصدقائه فِي استهداء الشَّرَاب فَحمل إِلَيْهِم مَا يصلح لَهُم من المشروب وَالنَّقْل والمشموم فَدس أَبوهُ إِلَى ذَلِك الْإِنْسَان من أَتَاهُ بالرقعة فَإِذا فِيهَا بِخَطِّهِ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم قد اغتنمت اللَّيْلَة أَطَالَ الله بقاك يَا سَيِّدي ومولاي رقدة من عين الدَّهْر وانتهزت فرْصَة من فرص الْعُمر وانتظمت مَعَ أَصْحَابِي فِي سمط الثريا فَإِن لم تحفظ علينا النظام باهداء المدام عدنا كبنات نعش وَالسَّلَام فاستطير الْأُسْتَاذ فَرحا وإعجاباً بِهَذِهِ الرقعة البديعة وَقَالَ الْآن ظهر لي أَمر براعته ووثقت بجريه فِي طريقي ونيابته منابي وَوَقع لَهُ بألفي دِينَار

وَحكى أَبُو الْحُسَيْن بن فَارس قَالَ كنت عِنْد الْأُسْتَاذ أبي الْفَتْح فِي يَوْم شَدِيد الْحر فرمت الشَّمْس بجمرات الهاجرة فَقَالَ لي مَا قَول الشَّيْخ فِي قلبه فَلم أحر جَوَابا لِأَنِّي لم أفطن لما أَرَادَ وَلما كَانَ بعد هنيَّة أقبل رَسُول وَالِده الْأُسْتَاذ يستدعيني إِلَى مَجْلِسه فَلَمَّا مثلت بَين يَدَيْهِ تَبَسم ضَاحِكا إِلَيّ وَقَالَ مَا قَول الشَّيْخ فِي قلبه فبهت وَسكت وَمَا زلت متفكراً حَتَّى تنبهت أَنه يُرِيد الخيش وَكَأن من يشرف على أبي الْفَتْح من جِهَة أَبِيه أَتَاهُ بِتِلْكَ اللَّفْظَة فِي تِلْكَ السَّاعَة فأفرط اهتزازه لَهَا وقرأت صحيفَة السرُور فِي وَجهه ثمَّ أخذت أتحفه بنكت نظمه ونثره فَكَانَ مِمَّا أعجب بِهِ واستضحك لَهُ رقْعَة لَهُ وَردت عَليّ وصدرها وصلت رقْعَة الشَّيْخ أَصْغَر من عنفقة بقة وأقصر من أُنْمُلَة نملة

قَالَ أَبُو الْحُسَيْن وَجرى فِي بعض أيامنا ذكر أَبْيَات اسْتحْسنَ الرئيس الْأُسْتَاذ وَزنهَا واستحلى رويها وَأنْشد كل من الْحَاضِرين مَا حَضَره على ذَلِك وَهُوَ قَول الْقَائِل

لَئِن كَفَفْتَ وَإلَاّشققتُ مِنْك ثِيَابِي) // المقتضب //

فأصغى الْأُسْتَاذ أَبُو الْفَتْح ثمَّ أنْشد فِي الْوَقْت وَقَالَ

يَا مولَعاً بعذابيأما رحمتَ شَبَابِي
تركت قلبِي قريحاًنهب الأسى والتصابي
إِن كنتَ تُنْكِر مَا بِيمن ذِلّتي واكتئابي
فارفعْ قَلِيلا قَلِيلاعَن العظامِ ثِيَابِي

وَله من نوروزيه

أبْشر بنورُوزٍ أتاكَ مبشراًبسعادةٍ وزيادةٍ ودوامِ
واشرَبْ فقد حلَّ الربيعُ نقابَهُعَن منظرٍ متهللٍ بَسَّامِ
وهديَّتي شعر عَجِيب نظمُهُومديحهُ يبْقى على الأيامِ
فاقبلْهُ وَأَقْبل عذرَ منْ لم يستطعْإهداءَ غير نتيجة الأفهام) // الْكَامِل //

وَمن بدائعه الْمَشْهُورَة قَوْله من قصيدة

عُودي وماءُ شبيبتي فِي عوديلَا تَعمدي لِمقَاتِل المعمودِ
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «عودي وماء شبيبتي في عودي»
وِصليهِ مَا دامتْ أَصائلُ عيشهِتُؤويه فِي ظلٍّ لهَا ممدودِ
مَا دَامَ من ليلِ الصِّبا فِي فاحمٍرجل الذرى متهدلِ العُنقودِ
قبلَ المشيب وطارقاتُ جنُودِهيُبْدِلْنَهُ يَققا بسحم سود) // الْكَامِل //

وَمن شعره

أَيْن لي من يَفِي بشكر اللَّيَالِيإِذْ أضافتْ خيالهَا وخيالي
لم يكنْ لي على الزمانِ اقتراحٌغيرَها منية فجاد بهَا لِي) // الْخَفِيف //

وَمِنْه

إِذا أَنا بُلِّغتُ الَّذِي كنت أشتهيوأضعافَهُ ألفا فكِلْنِي إِلَى الْخمر
وَقل لنديمي قمْ إِلَى الدَّهْر واقترحعَلَيْهِ الَّذِي يهوى وكلني إِلَى الدَّهْر) // الطَّوِيل //

يحْكى أَنه سر يَوْمًا وَطلب الندماء وهيأ مَجْلِسا عَظِيما بآلات الذَّهَب وَالْفِضَّة والمغاني والفواكه وَشرب بَقِيَّة يَوْمه وَعَامة ليلته ثمَّ عمل شعرًا وغنوه بِهِ وَهُوَ هَذَا

دعوتُ الغِنا ودعوت المنىفَلَمَّا أجابا دعوتُ القَدَحْ
إِذا بلغ المرءُ آمالَهُفَلَيْسَ لَهُ بعْدهَا مقترح) // المتقارب //

وَكَانَ ذَلِك بعد تَدْبيره على الصاحب وإبعاده عَن ركن الدولة وانفراده بالدست كَمَا سَنذكرُهُ ثمَّ طرب بالشعر وَشرب إِلَى أَن سكر وَقَالَ غطوا الْمجْلس لأصطبح عَلَيْهِ غَدا وَقَالَ لندمائه باكروني ثمَّ نَام فَدَعَاهُ مؤيد الدولة فِي السحر وَقبض عَلَيْهِ وَأخذ مَا يملكهُ ثمَّ قَتله وَكَانَ من خبر ذَلِك أَنه لما توفّي ركن الدولة وَقَامَ بعده وَلَده مؤيد الدولة مقَامه خَليفَة لِأَخِيهِ عضد الدولة أقبل من أَصْبَهَان إِلَى الرّيّ وَمَعَهُ الصاحب أَبُو الْقَاسِم بن عباد فَخلع على أبي الْفَتْح هَذَا خلع الوزارة وَألقى إِلَيْهِ مقاليد المملكة والصاحب على حَالَته فِي الْكِتَابَة لمؤيد الدولة والاختصاص بِهِ وَشدَّة الحظوة لَدَيْهِ فكره أَبُو الْفَتْح مَكَانَهُ وأساء بِهِ الظَّن فَبعث الْجند على أَن يشغبوا عَلَيْهِ وهموا بِمَا لم ينالوا مِنْهُ فَأمره مؤيد الدولة بمعاودة أَصْبَهَان وَأسر فِي نَفسه الموجدة على أبي الْفَتْح وانضاف إِلَى ذَلِك تغير عضد الدولة واحتقاده عَلَيْهِ أَشْيَاء كَثِيرَة فِي أَيَّام أَبِيه وَبعدهَا مِنْهَا ممايلته عز الدولة بختيار وَمِنْهَا ميل القواد إِلَيْهِ بل غلوهم فِي موالاته ومحبته وَمِنْهَا ترفعه عَن التَّوَاضُع لَهُ فِي مكاتباته وَاجْتمعَ رَأْي الْأَخَوَيْنِ على اعتقاله وَأخذ أَمْوَاله وَلما قبض عَلَيْهِ بدرت مِنْهُ كَلِمَات

أَيْضا نقلت إِلَى عضد الدولة فزادت فِي استيحاشه مِنْهُ وأنهض من حَضرته من طَالبه بالأموال وعذبه بأنواع الْعَذَاب وَيُقَال إِنَّه سمل إِحْدَى عَيْنَيْهِ وَقطع أَنفه وجز لحيته

وَفِي تِلْكَ الْحَال يَقُول وَقد أيس من نَفسه وَاسْتَأْذَنَ فِي صَلَاة رَكْعَتَيْنِ ودعا بِدَوَاةٍ وَقِرْطَاس وَكتب

بدِّلَ من صُورَتيَ المنظَرُلكنَّهُ مَا غُيرَ المخبرُ
ولسْتُ ذَا حُزْنٍ على فائتٍلَكِن على من باتَ يَسْتَعْبِرُ
وواله الْقلب لما مسنيمُسْتَخبرٌ عني وَلَا يخبر) // السَّرِيع //

وَحدث أَبُو جَعْفَر الْكَاتِب قَالَ كَانَ أَبُو الْفَتْح قبل النكبة الَّتِي أَتَت على نَفسه قد لهج بإنشاد هذَيْن الْبَيْتَيْنِ فِي أَكثر أوقاته وَلست أَدْرِي أهماله أم لغيره وهما

سكنَ الدُّنيا أناسٌ قبلنَارَحلوا عَنْهَا وخلوها لنا
ونزلناها كَمَا قد نزلُواونُخَلِّيهَا لقومٍ بَعدنَا) // الرمل //

وَلما تَيَقّن بهلاكه وَأَنه لَا ينجو مِنْهُم ببذل المَال مد يَده إِلَى جيب جُبَّة كَانَت عَلَيْهِ ففتقه عَن رقْعَة فِيهَا مَكْتُوب مَا لَا يُحْصى من ودائعه وكنوز أَبِيه وذخائره وَأَلْقَاهَا فِي كانون كَانَ بَين يَدَيْهِ ثمَّ قَالَ للْمُوكل بِهِ الْمَأْمُور بقتْله اصْنَع مَا أَنْت صانع فوَاللَّه لَا يصل من أَمْوَالِي المستورة إِلَى صَاحبك الدِّرْهَم الْوَاحِد فَمَا زَالَ يعرضه على الْعَذَاب ويمثل بِهِ حَتَّى تلف

وَفِيه يَقُول بعض الشُّعَرَاء المتعصبين لَهُ

آلَ العميدِ وَآل برمك مالكمقَلّ المُعينُ لكُمْ وقَلّ النَاصِرُ
كَانَ الزَّمَان يحبكم فبدالهإِنَّ الزَّمَان هُوَ المحبُّ الغادرُ

ورثاه كثير من الشُّعَرَاء بغرر القصائد

لَا تْعَجبوا مِنْ بلَى غِلَالَتهِقَدْ زُرَّ أزْرارهُ عَلَى القَمرِ
للشاعر علي الغراب الصفاقسي، اقرأ القصيدة

الْبَيْت لأبي الْحسن بن طَبَاطَبَا الْعلوِي من المنسرح وَقَبله

يَا منْ حكى فرطَ رِقَّتِهِوقلبهُ فِي قساوة الحجرِ
يَا ليتَ حظي كحظِّ ثوبكَ منْجسمكَ يَا وَاحِدًا من الْبشر) // المنسرح //

وَبعده الْبَيْت ورأيته بِلَفْظ

(قد زُرّ كِتَّانُهَا علىَ القمرِ ...)

وَلَعَلَّه أبلغ فِي المُرَاد والغلالة بِكَسْر الْغَيْن الْمُعْجَمَة شعار يلبس تَحت الثَّوْب

وَالشَّاهِد فِيهِ مَا فِي الْبَيْت الَّذِي قبله لِأَنَّهُ لَو لم يَجعله قمرا حَقِيقِيًّا لما كَانَ للنَّهْي عَن التَّعَجُّب معنى لِأَن الْكَتَّان إِنَّمَا يسْرع إِلَيْهِ البلى بِسَبَب ملازمته للقمر الْحَقِيقِيّ لَا بِسَبَب مُلَابسَة إِنْسَان كَالْقَمَرِ حسنا ورد كَون الِاسْتِعَارَة مجَازًا عقلياً بَان ادِّعَاء دُخُول الْمُشبه فِي جنس الْمُشبه بِهِ لَا يَقْتَضِي كَونهَا مستعملة فِيمَا وضعت لَهُ للْعلم الضَّرُورِيّ بِأَنَّهَا مستعملة فِي الرجل الشجاع مثلا والموضوع لَهُ هُوَ السَّبَب الْمَخْصُوص وَأما التَّعَجُّب وَالنَّهْي عَنهُ فِي الْبَيْت وَالَّذِي قبله فللبناء على تناسي التَّشْبِيه قَضَاء لحق الْمُبَالغَة وَدلَالَة على أَن الْمُشبه بِحَيْثُ لَا يتَمَيَّز عَن الْمُشبه بِهِ أصلا حَتَّى إِن كل مَا يَتَرَتَّب على الْمُشبه بِهِ من التَّعَجُّب وَالنَّهْي عَنهُ يَتَرَتَّب على الْمُشبه أَيْضا

وَأَبُو الْحسن ابْن طَبَاطَبَا اسْمه مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن إِبْرَاهِيم طَبَاطَبَا بن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن الْحسن بن الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم وَهُوَ شَاعِر مفلق وعالم مُحَقّق مولده بأصبهان وَبهَا مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وثلاثمائة وَله عقب كثير بأصبهان فيهم عُلَمَاء

وأدباء ومشاهير وَكَانَ مَذْكُورا بالفطنة والذكاء وصفاء القريحة وَصِحَّة الدّهن وجودة الْمَقَاصِد

وَله من المصنفات كتاب عيار الشّعْر وَكتاب تَهْذِيب الطَّبْع وَكتاب الْعرُوض وَلم يسْبق إِلَى مثله

وَمن شعره قصيدة تِسْعَة وَثَلَاثُونَ بَيْتا لَيْسَ فِيهَا رَاء وَلَا كَاف أَولهَا

يَا سيداً دَانتْ لهُ السادَاتُوَتَتَابَعَتْ فِي فعله الحسناتُ) // الْكَامِل //

يَقُول مِنْهَا فِي وصف القصيدة

ميزانها عندَ الخليلِ مُعَدَّلٌمتفاعلنْ متفاعلن فَعَلَاتٌ
للشاعر ابن طباطبا العلوي، اقرأ القصيدة
لَو واصلُ بنُ عطاءِ الْبَانِي لَهَاتُليَتْ تُوُهِّم أَنَّهَا آياتُ
للشاعر ابن طباطبا العلوي، اقرأ القصيدة
وَمن شعره يهجو أَبَا عَليّ الرستمي ويرميهبالدعوة والبرص

(أنتَ أعطيتَ من دَلَائِل رُسل الله آياً بهَا علوتَ الرُّؤسَا ...)

جئتَ فردَاً بِلَا أَب وبيمناكبياضٌ فأنتَ عِيسَى ومُوسَى) // الْخَفِيف //

وَمَا أحسن قَول أبي المطاوع نَاصِر الدولة ابْن حمدَان فِي معنى الْبَيْت المستشهد بِهِ

ترَى الثيابَ من الْكَتَّان يلمحهانُورٌ من الْبَدْر أَحْيَانًا فيُبْليها
للشاعر وجيه الدولة الحمداني، اقرأ القصيدة
فكيفَ تُنْكر أَن تَبْلَى معاجرُهاوالبدرُ فِي كل وقتٍ طالعٌ فِيهَا) // الْبَسِيط //

وَقَالَ مَنْصُور البستي الْمَعْرُوف بالغزال فِيهِ من قصيدة يصف الساقي

وَمَشى بكتانٍ فخلتُ عناكبانسجت على الْيَاقُوت ثوب قَتَامٍ
للشاعر الغزال البستي، اقرأ القصيدة
أعجِبْ ببدرٍ سالمٍ كتانُهُوَبِه يحرق أنفس الأقوام) // الْكَامِل //

وَمثله قَول الآخر

كيفَ لَا تَبْلَي غلائلهُوَهْوَ بَدْرٌ وَهِي كتَّان) // المديد //
فَإِن تعافُوا العدلَ والإِيمانَافإنَّ فِي إيمَانِنَا نِيرَاناً
للشاعر النجاشي الحارثي، اقرأ القصيدة

قَائِله بعض الْعَرَب من الرجز

وَالشَّاهِد فِيهِ ذكر الْقَرِينَة فِي الِاسْتِعَارَة لِأَنَّهَا مجَاز وَلَا بُد لَهَا من قرينَة مَانِعَة من إِرَادَة الْمَعْنى الْمَوْضُوع لَهُ وَهِي إِمَّا أَمر وَاحِد أَو أَكثر وَهُوَ هُنَا قَوْله تعافوا فَإِن تعلقه بِكُل من الْعدْل وَالْإِيمَان قرينَة دَالَّة على أَن المُرَاد بالنيران السيوف أَي سيوفاً تلمع كشعل النيرَان لدلالته على أَن جَوَاب هَذَا الشَّرْط تحاربون وتلجئون إِلَى الطَّاعَة بِالسُّيُوفِ

وصاعقةٍ من نَصْله تَنْكَفي بهَاعلى أرْؤُسِ الأقران حمسُ سَحائِبِ

الْبَيْت للبحتري من قصيدة من الطَّوِيل أَولهَا

هَبِيهِ لمنهلِّ الدُّمُوع السواكِبِوهَبَّاتِ شوقٍ فِي حَشَاه لَوَاعِبِ
للشاعر البحتري، من قصيدة «هبيه لمنهل الدموع السواكب»

(وَإِلَّا فَرُدِّى نَظرَة فِيهِ تَعْجَبِي ... لما فِيهِ أَولا تحفلي بالعجائب) // الطَّوِيل // وَهِي طَوِيلَة وَالرِّوَايَة فِيهِ وصاعقة فِي كَفه كَمَا فِي الدِّيوَان وَبعده

يكَاد الندى مِنْهَا يفِيض على العدَالَدَى الْحَرْب فِي ثنيتي قِنَا وقَوَاضبِ

والصاعقة الْمَوْت وكل عَذَاب مهلك وصيحة الْعَذَاب والمحراق الَّذِي بيد الْملك سائق السَّحَاب وَلَا يَأْتِي على شَيْء إِلَّا أحرقه أَو نَار تسْقط من السَّمَاء والانكفاء الانقلاب والأرؤس جمع رَأس والأقران جمع قرن وَهُوَ الْكُفْء

وَالشَّاهِد فِيهِ مَجِيء الْقَرِينَة مَعَاني ملتئمة مربوطة بَعْضهَا بِبَعْض يكون الْجَمِيع قرينَة لَا كل وَاحِد فههنا أَرَادَ بِخمْس سحائب أنامل الممدوح الْخمس الَّتِي هِيَ فِي الْجُود وَعُمُوم الْعَطاء سحائب أَي يصبهَا على أكفائه فِي الْحَرْب فيهلكهم بهَا وَأَرَادَ بأرؤس الأقران جمع الْكَثْرَة بِقَرِينَة الْمَدْح لِأَن كلا من صِيغَة جمع الْقلَّة وَالْكَثْرَة يستعار للْآخر فههنا لما اسْتعَار السحائب لأنامل الممدوح ذكر أَن هُنَاكَ صَاعِقَة وَبَين أَنَّهَا من نصل سَيْفه ثمَّ قَالَ على أرؤس الأقران ثمَّ قَالَ خمس فَذكر الْعدَد الَّذِي هُوَ عدد الأنامل فَظهر من جَمِيع ذَلِك أَنه أَرَادَ بالسحائب الْخمس الأنامل

(وإذَا احْتَبَى قَرَبُوسهُ بِعِنَانِهِ ...)

قَائِله يزِيد بن مسلمة بن عبد الْملك بن مَرْوَان من قصيدة من الْكَامِل يصف فرسا لَهُ بِأَنَّهُ مؤدب وَأَنه إِذا نزل عَنهُ وَألقى عنانه فِي قربوس سَرْجه وقف مَكَانَهُ إِلَى أَن يعود إِلَيْهِ وَتَمَامه

(عَلكَ الشَّكيم إِلَى انْصِرَافِ الزائِرِ ...)

والقربوس بِفَتْح الرَّاء وَلَا تسكن إِلَّا فِي ضَرُورَة الشّعْر وَهُوَ حنو السرج وهما قربوسان والعنان بِكَسْر الْعين سير اللجام الَّذِي تمسك

بِهِ الدَّابَّة والشكيم والشكيمة الحديدة المعترضة فِي فَم الْفرس فِيهَا الفأس وَأَرَادَ بالزائر نَفسه بِدَلِيل مَا قبله وَهُوَ

عودته فِيمَا أَزور حبائبيإهماله وكذاك كل مخاطر) // الْكَامِل //

وَالشَّاهِد فِيهِ الِاسْتِعَارَة الْخَاصَّة وَهِي الغريبة والغرابة قد تكون فِي نفس الشّبَه كَمَا فِي الْبَيْت فَإِنَّهُ شبه هَيْئَة وُقُوع الْعَنَان فِي موقعه من قربوس السرج ممتداً إِلَى جَانِبي فَم الْفرس بهيئة وُقُوع الثَّوْب موقعه من ركبة المحتبي ممتداً إِلَى جَانِبي ظَهره وساقيه بِثَوْب أَو غَيره كوقوع الْعَنَان فِي قربوس السرج فَجَاءَت الِاسْتِعَارَة غَرِيبَة كغرابة الْمُشبه

وَمن الاستعارات الغريبة قَول طفيل الغنوي

وجَعَلْتُ كُوري فَوقَ ناجِيةٍيقْتَاتَ شَحْمَ سنامها الرحل) // الْكَامِل //

وَكَذَا قَول الْأُسْتَاذ ابْن المعتز

حَتَّى إِذا مَا عَرَفَ الصَّيْدَ انْصَارْوأذنَ الصُّبحُ لنا بالأبصار) // الرجز //

وَقَول جرير

تُحْيِي الرَّوَامِسُ رَبْعَهَا فَتُجِدُّهُبعدَ البِلَى وتميته الأمطار) // الْكَامِل //
للشاعر جرير، من قصيدة «لولا الحياء لعادني استعبار»

وَقَول أبي نواس

بِصَحْنِ خد لم يغض مَاؤُهُوَلم تخضه أعين النَّاس) // السَّرِيع //

وَقَوله أَيْضا

فَإِذا بدا اقتادت محاسنهقسرا إِلَيْهِ أعنه الحدق) // الْكَامِل //

(وسالت بأعناق الْمطِي الأباطِحُ ...)

قَائِله كثير عزة من قصيدة من الطَّوِيل وصدره

(أَخذنَا بأطراف الْأَحَادِيث بينَنَا ...)

وَقَبله

وَلما قضينا من منى كل حَاجَةوَمسح بالأركان من هُوَ ماسحُ
وشُدَّتْ على حُدْبِ المَهَارى رحالُنَاوَلم ينظر الغادي الَّذِي هُوَ رائحُ

وَقيل الأبيات لِابْنِ الطثرية وَذكر الشريف الرضي فِي كِتَابه غرر الفرائد قَالَ أَنْشدني ابْن الْأَعرَابِي للمضرب وَهُوَ عقبَة بن كَعْب بن زُهَيْر بن أبي سلمى رَحِمهم الله تَعَالَى

وَمَا زلْتُ أَرْجُو نَفْعَ سَلْمى ووُدَّهاوتبْعُدُ حَتَّى ابْيَضَّ مني المسائحُ
وَحَتَّى رأيْتُ الشَّخْصَ يَزْدَادُ مِثْلُهُإليهِ وَحَتَّى نصْفُ رأسيَ واضحُ
للشاعر كعب بن زهير، من قصيدة «ما برح الرسم الذي بين حنجر»
عَلَا حاجبَيَّ الشيبُ حَتَّى كأنُهُظباءٌ جَرَتْ مِنْهَا سَنيحٌ وبارحُ
للشاعر كعب بن زهير، من قصيدة «ما برح الرسم الذي بين حنجر»
وهَزَّةَ أظْعَانٍ علَيهِنَّ بهجَةٌطَلَبْتُ ورَيْعَانُ الصِّبَا بِي جامحُ
للشاعر كعب بن زهير، من قصيدة «ما برح الرسم الذي بين حنجر»
فَلَمَّا قضينا من منى كل حَاجَةوَمسح بالأركان من هُوَ ماسح
أَخذنَا بأطراف الْأَحَادِيث بَيْننَاوسالت بأعناق الْمطِي الأباطحُ
وشُدِّت على حُدْبِ المَهَارى رِحَالهَاوَلم ينظر الغادي الَّذِي هُوَ رائحُ
للشاعر كعب بن زهير، من قصيدة «ما برح الرسم الذي بين حنجر»
قَفَلْنا على الخوصِ الْمَرَاسِيل وارْتَمَتْبِهِنَّ الصَّحَارى والصِّفَاح الصَّحَاصحُ

والأباطح جمع بطح وَهُوَ مسيل وَاسع فِيهِ دقاق الْحَصَى

وَالْمعْنَى لما فَرغْنَا من أَدَاء مَنَاسِك الْحَج ومسحنا أَرْكَان الْبَيْت الشريف عِنْد طواف الْوَدَاع وشددنا الرّحال على المطايا وارتحلنا وَلم ينظر السائرون فِي الْغَدَاة السائرين فِي الرواح للاستعجال أَخذنَا فِي الْأَحَادِيث وَأخذت المطايا فِي سرعَة السّير

وَالشَّاهِد فِيهِ حُصُول الغرابة فِي الِاسْتِعَارَة العامية بِتَصَرُّف فِيهَا فَإِنَّهُ اسْتعَار سيلان السُّيُول الْوَاقِعَة فِي الأباطح لسير الْإِبِل سيراً عنيفاً حثيثاً فِي غَايَة السرعة الْمُشْتَملَة على لين وسلاسة والشبه فِيهَا ظَاهر عَامي لكنه تصرف فِيهِ بِمَا أَفَادَ اللطف والغرابة حِين أسْند الْفِعْل وَهُوَ سَالَتْ إِلَى الأباطح دون الْمطِي أَو أعناقها حَتَّى أَفَادَ أَنه امْتَلَأت الأباطح من الْإِبِل وَأدْخل الْأَعْنَاق فِي السّير لِأَن السرعة والبطء فِي سير الْإِبِل يظهران غَالِبا فِي الْأَعْنَاق ويتبين أَمرهمَا فِي الهوادي وَسَائِر الْأَجْزَاء يسْتَند إِلَيْهَا فِي الْحَرَكَة ويتبعها فِي الثّقل والخفة

وَمثل هَذِه الِاسْتِعَارَة فِي الْحسن وعلو الطَّبَقَة فِي هَذِه اللَّفْظَة بِعَينهَا قَول ابْن المعتز رَحمَه الله تَعَالَى حَيْثُ يَقُول

سَالَتْ عَلَيْهِ شِعَابُ الحيِّ حِين دَعَاأنصارهُ بوُجوهٍ كالدَّنانيرِ) // الْبَسِيط //

أَرَادَ أَنه مُطَاع فِي الْحَيّ وَأَنَّهُمْ يسرعون إِلَى نصرته كالسيل وكما أَن إِدْخَال الْأَعْنَاق فِي السّير أكد كلا من الرقة والغرابة فِي الأول أكده هُنَا تَعديَة الْفِعْل إِلَى ضمير الممدوح بعلى لِأَنَّهُ يُؤَكد مَقْصُوده من كَونه مُطَاعًا فِي الْحَيّ

وَكثير عزة هُوَ كثير بن عبد الرَّحْمَن بن أبي جُمُعَة الْأسود بن عَامر ابْن عُوَيْمِر أَبُو صَخْر الْخُزَاعِيّ الشَّاعِر الْمَشْهُور أحد عشاق الْعَرَب وَإِنَّمَا صغروه لِأَنَّهُ كَانَ شَدِيد الْقصر حدث الوقاصي قَالَ رَأَيْت كثيرا يطوف بِالْبَيْتِ فَمن حَدثَك أَنه يزِيد على ثَلَاثَة أشبار فَلَا تصدقه وَكَانَ إِذا دخل على عبد الْملك ابْن مَرْوَان أَو أَخِيه عبد الْعَزِيز رحمهمَا الله تَعَالَى يَقُول لَهُ طأطئ رَأسك لِئَلَّا يُصِيبهُ السّقف وَكَانَ يلقب زب الذُّبَاب

وَعَن أبي عُبَيْدَة قَالَ كَانَ الحزين الْكِنَانِي قد ضرب على كل رجل من قُرَيْش دِرْهَمَيْنِ فِي كل شهر مِنْهُم ابْن أبي عَتيق فَجَاءَهُ لأخذ درهميه على حمَار لَهُ أعجف قَالَ وَكثير مَعَ ابْن أبي عَتيق فَأمر ابْن أبي عَتيق للحزين بِدِرْهَمَيْنِ فَقَالَ الحزين لِابْنِ أبي عَتيق من هَذَا الَّذِي مَعَك قَالَ أَبُو صَخْر كثير بن أبي جُمُعَة قَالَ وَكَانَ قَصِيرا دميماً فَقَالَ لَهُ الحزين أتأذن لي فِي أَن أهجوه بِبَيْت من الشّعْر قَالَ لعمري لَا آذن لَك أَن تهجو جليسي وَلَكِنِّي أَشْتَرِي عرضه مِنْك بِدِرْهَمَيْنِ ودعا لَهُ بهما فَأَخذهُمَا وَقَالَ لَا بُد لي من هجائه بِبَيْت قَالَ وأشترى ذَلِك مِنْك بِدِرْهَمَيْنِ آخَرين فَدَعَا لَهُ بهما فَأَخذهُمَا أَيْضا وَقَالَ مَا أَنا بتاركه حَتَّى أهجوه قَالَ وأشترى ذَلِك مِنْك بِدِرْهَمَيْنِ أَيْضا فَقَالَ لَهُ كثير

ايذن لَهُ وَمَا عَسى أَن يَقُول فِي بَيت وَاحِد قَالَ فَأذن لَهُ ابْن عَتيق فَقَالَ

قَصيرُ القَميصِ فاحِشٌ عندَ بَيْتِهِيَعَضُّ القُرَادُ باسْتِهِ وَهُوَ قَائِم) // الطَّوِيل //

قَالَ فَوَثَبَ إِلَيْهِ كثير فلكزه فَسقط عَن الْحمار فخلص ابْن أبي عَتيق بَينهمَا وَقَالَ لكثير قبحك الله أتأذن لَهُ وتسفه عَلَيْهِ فَقَالَ كثير وَأَنا مَا ظَنَنْت أَن يبلغ بِي فِي بَيت وَاحِد هَذَا كُله

وَكَانَ كثير يَقُول بتناسخ الْأَرْوَاح وَكَانَ يدْخل على عمَّة لَهُ يزورها فتكرمه وتطرح لَهُ وسَادَة يجلس عَلَيْهَا فَقَالَ لَهَا يَوْمًا لَا وَالله مَا تعرفينني وَلَا تكرمينني حق كَرَامَتِي قَالَت بلَى وَالله إِنِّي لأعرفك قَالَ فَمن أَنا قَالَت فلَان بن فلَان وَابْن فُلَانَة وَجعلت تمدح أَبَاهُ وَأمه فَقَالَ قد علمت أَنَّك لَا تعرفينني قَالَت فَمن أَنْت قَالَ أَنا يُونُس بن مَتى وَكَانَ يقْرَأ ﴿فِي أَي صُورَة مَا شَاءَ ركبك﴾ وَكَانَ يُؤمن بالرجعة وَدخل عَلَيْهِ عبد الله بن حسن بن حسن ين عَليّ بن أبي طَالب ﵃ يعودهُ فِي مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ فَقَالَ لَهُ كثير أبشر فكأنك بِي بعد أَرْبَعِينَ لَيْلَة قد طلعت عَلَيْك على فرس عَتيق فَقَالَ لَهُ عبد الله بن حسن ﵁ مَالك عَلَيْك لعنة الله فوَاللَّه لَئِن مت لَا أشهدك وَوَاللَّه لَا أعودك وَلَا أُكَلِّمك أبدا وَكَانَ شِيعِيًّا غالياً فِي التَّشَيُّع وَكَانَ يَأْتِي ولد حسن بن حسن ﵃ إِذا أَخذ الْعَطاء فيهب لَهُم الدَّرَاهِم وَيَقُول بِأبي الْأَنْبِيَاء

النص من طبعة عالم الكتب ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معاهد التنصيص على شواهد التلخيص»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.