من «شرح شواهد المغني» لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)
شواهد إن المكسورة الخفيفة
وأنشد:
شلّت يمينك إن قتلت لمسلما
أخرج الحاكم في المستدرك بسند صحيح من طريق هشام بن عروة عن أبيه قال:
قالت عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل ترثي زوجها الزبير بن العوام:
غدر ابن جرموز بفارس بهمةيوم اللّقاء وكان غير معرّد
يا عمرو لو نبّهته لوجدتهلا طائشا رعش البنان ولا اليد
شلّت يمينك إن قتلت لمسلماحلّت عليك عقوبة المتعمّد
إنّ الزّبير لذو بلاء صادقسمح سجيّته كريم المشهد
كم غمرة قد خاضها لم يثنهعنها طرادك يا ابن فقع القردد
فاذهب فما ظفرت يداك بمثلهفيما مضى فيما تروح وتغتدي
وقال ابن سعد في طبقاته: انا أبو عامر العقدي: حدثنا الأسود بن شيبان، عن خالد بن سميرة قال: خرج الزبير بن العوام يوم الجمل، وهو يوم الخميس لعشر خلون من جمادي الآخرة، سنة ست وثلاثين، بعد القتال على فرس له
يقال له ذو الخمار، منطلقا يريد الرجوع إلى المدينة، فلقيه رجل من بني تميم يقال له العقد بن زمّام المجاشعي، فقال له: يا حواري رسول الله، إليّ فأنت في ذمّتي أن لا يصل إليك أحد من الناس، فاقبل معه، وأقبل رجل من بني تميم إلى الأحنف بن قيس فقال: هذا الزبير في وادي السباع! فقال: ما أصنع إن كان الزبير لف بين غارين من المسلمين، قتل أحدهما الآخر، ثم هو يريد اللحاق بأهله، فسمعه عمرو بن جرموز، وفضالة بن حابس ونفيع بن كعب، فركبوا في طلبه، فحمل عليه ابن جرموز فطعنه طعنة خفيفة، فحمل عليه الزبير فلحقوه، فقال:
الله الله يا زبير، فكف عنه، ثم سار وأغفى الزبير فطعنه ابن جرموز طعنة أثبته فوقع فأخذ رأسه وسيفه فحمله حتى أتى عليا ﵁ فأخبروه أنه قاتل الزبير، فقال: بشروا قاتل ابن صفيّة بالنار! وأخد عليّ السيف منه وقال: سيف طالما فرج الغماء عن وجه رسول الله ﷺ. ودفن الزبير بوادي السباع.
فقالت عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل، وكانت تحت الزبير، وكان أهل المدينة يقولون: من أراد الشهادة فليتزوّج عاتكة، كانت تحت عبد الله بن أبي بكر الصدّيق فقتل عنها من سهم رميه في الطائف، فتزوّجها زيد بن الخطاب فقتل عنها باليمامة، ثم كانت تحت عمر بن الخطاب فقتل عنها، ثم كانت عنده فقتل عنها، فقالت: غدر ابن جرموز ... الأبيات. زاد صاحب الحماسة البصرية: ثم كانت تحت الحسين بن علي فقتل عنها.
قولها: بفارس بهمة: في الصحاح: البهمة الفارس الذي لا يدري من أين يؤتى من شدة بأسه، ويقال أيضا للجيش بهمة. ومنه قولهم: فارس بهمة وليث غابة.
قال المصنف: وهو المراد هنا. والمعرد، بالمهملة: الفارّ يقال: عرد الرجل تعريدا:
أي فرّ. والطائش: الخفيف. والرعشة: الارتعاد. ورجل رعش: أي جبان.
ويروى: رعش الجنان أي القلب. وشلت: بفتح المعجمة، وأصله: شللت: بكسر العين، والمضارع يشل بالفتح، والسمح: السهل. والسجية: الخلق والطبيعة.
والمشهد: محضر الناس. والغمرة، بفتح الغين المعجمة: الشدّة، والجمع، استعارة من الماء الكثير، ولذا قرنت بالخوض. ويقال: ثناه يثنيه إذا صرفه عن حاجته. وطراد الاقران في الحرب: حمل بعضهم على بعض. والفقع بفتح الفاء وسكون القاف وعين مهملة الضراط قال في الصحاح ويشبه به الرجل الذليل يقال هو فقع فدفد لأن الدواب تحمله بأرجلها. والقردد: بقاف وراء ودالين مهملتين، المكان الغليظ المرتفع. ويروى: الفدفد، بفاءين ودالين، وهو الأرض المستوية. وعاتكة المذكورة من الصحابيات المبايعات المهاجرات، وأخوها سعيد بن زيد أحد العشرة المشهود لهم بالجنة. وأبوها الذي تحنف في الجاهلية ومات قبل بعثة النبي ﷺ بخمس سنين. وأخبر النبي ﷺ أنه في الجنة وأنه يأتي يوم القيامة أمة وحده.
تنبيه:
عزا المصنف في شواهده هذا البيت لصفية زوجة الزبير بن العوام، وتبعه عليه طائفة. والأسانيد الصحيحة تردّه.
النص من طبعة لجنة التراث العربي (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع