تجاوز إلى المحتوى

من «نزهة الألباء في طبقات الأدباء» لأبي البركات الأنباري (ت ٥٧٧هـ)

أبو زيد الأنصاري

وأما أبو زيد سعيد بن أوس الأنصاري، فكان عالماً بالنحو واللغة، أخذ عن أبي عمرو بن العلاء، وأخذ عنه أبو عبيد القاسم بن سلاّم، وأبو حاتم السجستاني، وأبو العيناء محمد بن القاسم، وغيرهم.

وكان ثقة من أهل البصرة، وكان سيبويه إذا قال: "سمعت الثقة" يريد أبا زيد الأنصاري.

وقال صالح بن محمد: أبو زيد النحوي ثقة.

ويروى عن أبي عبيدة والأصمعي أنهما سئلا عن أبي زيد الأنصاري فقالا: قل ما شئت من عفاف وتقوى وإسلام.

وقال أبو عثمان المازني: كنا عند أبي زيد، فجاء الأصمعي وأكب على رأسه وجلس، وقال: هذا عالمنا ومعلمنا منذ عشرين سنة.

وقال الأصمعي: رأيت خلفاً الأحمر في حلقة أبي زيد.

ويحكى عن أبي زيد أنه قال: كنت ببغداد فأردت انحدر إلى البصرة، فقلت لابن أخي: اكتر لنا، فجعل ينادي، "يا معشر الملاحون"، فقلت [له]: ويلك! ما تقول؟ فقال: جعلت فداك! أنا مولع، بالرفع لا بالنصب.

وحكى أبو حاتم السجستاني قال: حدثني أبو زيد قال: قلت لأعرابي: ما المتكأكئ؟ قال: المتأزف، قلت: وما المتأزف؟ قال المحبنطئ، قلت: وما المحبنطئ؟ قال: أنت أحمق، ومضى وتركني؛ قال السيرافي: وذلك كله القصير.

وقال أبو العباس المبرد: كان أبو زيد عالماً بالنحو، ولم يكن مثل الخليل وسيبويه، وكان يونس من باب أبي زيد في العلم باللغات، وكان يونس أعلم من أبي زيد بالنحو، وكان أبو زيد أعلم من الأصمعي وأبي عبيدة بالنحو.

وحكى أبو زيد من شواهد النحو عن العرب ما ليس لغيره، وكان يروى عن علماء الكوفة ولا يعلم أحد من علماء البصريين بالنحو واللغة أخذ عن أهل الكوفة إلا أبا زيد، فإنه روى عن المفضل الضبي، قال أبو زيد في أول كتاب النوادر: أنشدني المفضل لضمرة بن ضمرة النهشلي:

بكرت تلومك بعد وهن في الندىبسل عليك ملامتي وعتابي
للشاعر ضَمرَةُ النَهشَلي، اقرأ القصيدة
أأصرها وبني عمي ساغبفكفاك من إبة علي وعاب
للشاعر ضَمرَةُ النَهشَلي، اقرأ القصيدة
هل تخمشن إبلي علي وجوههاأو تعصبن رؤوسها بسلاب
للشاعر ضَمرَةُ النَهشَلي، اقرأ القصيدة

بكرت، أي قدمت في الوقت. بعد وهن، أي ساعة من الليل. وبسل،

أي حرام. وأصرها، أي أشد أخلافها، ومنه المصراة. وساغب، أي جائع. وإبة، أي عيب. وسلاب أي عصابة سوداء تلبسها المرأة في المصيبة؛ وعامة كتاب النوادر لأبي زيد عن المفضل الضبي.

وقال أبو عثمان المازني: كان أبو زيد يقول لأصحابه إذا أخطئوا: أخطأتم وأسوأتم، من قولهم أسوأ: الرجل، مهموز، إذا أحدث.

وقال روح بن عبادة: كنت عند شعبة، فضجر من الحديث فرمى بطرفه، فرأى أبا زيد بن أوس في أخريات الناس فقال: يا أبا زيد:

واستعجمت دار مي ما تكلمناوالدار لو كلمتنا ذات أخبار

إلى يا أبا زيد؛ فجعلا يتناشدان الأشعار، فقال بعض أصحاب الحديث لشعبة: يا أبا بسطام، نقطع إليك ظهور الإبل، لنسمع منك حديث رسول الله ﷺ فتدعنا، وتقبل على الأشعار! قال: فرأيت شعبة قد غضب غضباً شديداً، ثم قال: يا هؤلاء أنا أعلم بالأصلح لي! أنا والذي لا إله إلا هو في هذا أسلم مني في ذلك.

ويروى أن أعرابياً وقف على حلقة أبي زيد، فظن أبو زيد أنه قد جاء يسأل عن مسألة في النحو، فقال أبو زيد: سل يا أعرابي، فقال على البديهة: د

لست للنحو جئتكملا ولا فيه أرغب
أنا ما لي ولامرئأبد الدهر يضرب
خل زيد لشأنهأينما شاء يذهب
واستمع قول عاشققد شجاه التطرب
همه الدهر طفلةفهو فيها يشبب

وقال أبو عثمان المازني: سمعت أبا زيد رحمه الله تعالى يقول: لقيت أبا حنيفة رحمه الله تعالى، فحدث بحديث فيه: "يدخل الجنة قوم حفاة عراة منتنين قد أحشتهم النار"، قال: "منتنون قد محشتهم النار"، فقال: ممن أنت؟ قلت: من أهل البصرة، فقال: كل أصحابك مثلك؟ فقلت: أنا أخسهم حظاً في العلم؟ فقال: طوبى لقوم تكون أخسهم.

وقال محمد بن يونس: توفي أبو زيد الأنصاري سنة أربع عشرة ومائتين.

وقال الرياشي وأبو حاتم: توفي أبو زيد سنة خمس عشرة ومائتين.

قال المصنف: وكان ذلك في خلافة المأمون.

وحكى أبو بكر الخطيب أن وفاته كانت بالبصرة.

النص من طبعة مكتبة المنار بالزرقاء (١٤٠٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نزهة الألباء في طبقات الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.