من «نزهة الألباء في طبقات الأدباء» لأبي البركات الأنباري (ت ٥٧٧هـ)
مؤرج بن عمرو السدوسي
وأما أبو فيد مؤرج بن عمرو السدوسي، فكان من كبار أهل اللغة والعربية، وأخذ عن أبي زيد الأنصاري، وصحب الخليل بن أحمد، وكان من أكابر أصحابه، وسمع الحديث عن شعبة بن الحجاج وأبي عمرو بن العلاء وغيرهما. وأخذ عنه أحمد [بن محمد] بن أبي محمد اليزيدي.
قال أبو عبد الله محمد بن العباس اليزيدي: أخبرني عمي أبو جعفر، قال: أخبرني مؤرج أنه قدم من البادية ولا معرفة له بالقياس في العربية، قال: فأول ما تعلمت القياس في حلقة أبي زيد الأنصاري بالبصرة.
وقال محمد بن العباس اليزيدي: حدثني عمي عبيد الله، قال: حدثني أخي أحمد بن محمد، قال: قال لنا مؤرج بن عمرو السدوسي: اسمي وكنيتي غريبان، اسمي مؤرج، والعرب تقول: أرجت بين القوم وأرشت؛ إذ حرشت، وأنا أبو فيد، والفيد ورد الزعفران. ويقال: فاد الرجل يفيد فيداً إذا مات.
ويقال: إن الأصمعي كان يحفظ ثلث اللغة، وكان الخليل يحفظ نصف اللغة، وكان أبو فيد يحفظ ثلثي اللغة، وكان أبو مالك الأعرابي يحفظ اللغة كلها؛ وكان الغالب على أبي مالك
حفظ الغريب والنوادر.
قال إسماعيل بن إسحاق، عن نصر بن علي، قال: كنت عند محمد بن المهلب، وإذا الأخفش قد جاء إليه، فقال له محمد بن المهلب: من أين جئت؟ فقال: من عند القاضي يحيى بن أكثم وقد سألني عن الثقة المقدم من غلمان الخليل من هو؟ فقلت له: النضر بن شميل وسيبويه ومؤرج السدوسي.
وقال محمد بن العباس اليزيدي: أهدى أبو فيد مؤرج السدوسي إلى جدي محمد بن أبي محمد كساء، فقال جدي فيه:
سأشكر ما أولى ابن عمرو مؤرجوأمنحه حسن الثناء مع الود
أغر سدوسي نماه إلى العلاأبٌ كان صبا بالمكارم والمجد
أتينا أبا فيد نؤمل سيبهونقدح زنداً غير كاب ولا صلد
فأصدرنا بالفضل والبذل والغنىومازال محمود المصادر والورد
كساني ولم استكسه متبرعاًوذلك أهنى ما يكون من الرفد
كساء جمال إن أردت جمالهوثوب شتاء إن خشيت أذى البرد
كسانيه فضفاضاً إذا ما لبستهتروحت مختالاً وجرت عن القصد
ترى حبكاً فيه كأن اطرادهافرند حديث صقله، سل من غمد
سأشكر ما عشت السدوسي برهوأوصي بشكر للسدوسي من بعدي
قال المصنف: ولو كانت هذه الأبيات في مقابلة حلة من سندس الجنة لوفت بشكرها؛ لما تضمنته من حسن ألفاظها ومعانيها، ولقد كسا اليزيدي مؤرجاً من ثياب ثنائه ما هو أنقى وأبقى من كسائه، فرحمة الله عليهما!.
النص من طبعة مكتبة المنار بالزرقاء (١٤٠٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع