من «الروضة الفيحاء في أعلام النساء» لياسين الخطيب العمري (ت ١٢٣٣هـ)
حفصة رضي الله عنها
أم المؤمنين بنت أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وهي شقيقة عبد الله، أمها زينب بنت مظعون، تزوجها رسول الله ﷺ سنة ثلاث على راس ثلاثين شهراً من الهجرة، وقيل: سنة لاثنتين، وكانت قبله عند خميس بن حذافة ﵁ فمات بجراحات أصابته في بدر، وكانت ولادة حفصة قبل النبوة بخمس سنين، وروي عن عمر ﵁ أنه قال: لما تأيمت حفصة من خنيس لقيت عثمان ﵁ بن عفان فعرضت عليه حفصة، فقال: سأنظر في ذلك، فليثبت ليالي، فلقيني فقال: ما أريد أن أتزوج يومي هذا، قال عمر ﵁ فلقيت أبا بكر له فقلت له ما قلت لعثمان، فلم يرجع علي شيئاً، فكنت أوجد عليه مني على عثمان، فلبثت ليالي فخطبها ﷺ فأنكحتها إياه، فلقيني أبو بكر فقال: لعلك وجدت علي حين لم أرجع عليك شيئاً؟ فقلت: نعم. قال: ذاك لأني سمعت رسول الله [صلى الله] عليه وسلم، يذكرها فلم أكن لأفشي سر رسول الله ﷺ، فلو تركها لنكحتها، أخرجه البخاري، كذا في كتاب "شرح ذات الشفا" وذكر في "المعالم". قالت عائشة ﵂: كان ﷺ يحب الحلواء ويحب العسل، وكان ذا صلى العصر دخل على نسائه فيدنو منهن، فدخل على حفصة فاحتبس عندها أكثر مما كان يحتبس، فسألت عن ذلك فقيل لي: أهدت لها امرأة من قومها عكة عسلاً، فسقت رسول الله ﷺ [منها] شربة، فقلت: أما والله لنحتالن له، فذكرت ذلك لسودة وقلت: إذا دخل عليك رسول الله فقولي له: أكلت مغافير؟ فإن قال لا، فقولي له: ما هذه الريح. ثم قلت لصفية كذلك، فلما دخل ﷺ على سودة قالت له: أكلت مغافير؟ قال: لا.
قالت. فما بال هذه الريح؟ قال ﷺ: سقتني حفصة شربة عسل، قالت: جرست نحلة العرفط فلما دخل علي ﷺ قلت له مثل ذلك، فلما دخل علي صفية قالت له مثل ذلك. فلما دخل على حفصة قالت له: ألا أسقيك منه؟ قال: لا حاجة لي به.
مغافير: صمغ العوسج، له رائحة كريهة، وحرم [على نفسه] ﷺ العسل، فأنزل الله تعالى عليه: (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك) وذكر في "شرح ذات الشفا" أنه ﷺ شرب عسلاً عند زينب بنت جحش، فغارت حفصة وعائشة، وقالتا له: أكلت مغافير؟ وفي "المعالم": كان ﷺ يقسط بين نسائه. فلما كان يوم حفصة ﵂ استأذنت في زيارة أبيها فأذن لها. فلما خرجت دعا ﷺ جاريته مارية وأدخلها بيت حفصة وواقعها، فعادت حفصة ووجدت الباب مغلقاً فجلست تبكي، فخرج ﷺ فقال لها: ما يبكيك؟ قالت: إنما أذنت لي من أجل هذا، أدخلت أمتك بيتي ثم واقعتها في يومي على فراشي! فقال لها: "اسكتي فهي علي حرام فلا تخبري بهذا امرأة منهن" فلما خرج ﷺ أخبرت حفصة عائشة ﵂ أنه ﷺ حرم على نفسه مارية، وذلك قوله تعالى: (وغذ اسر النبي إلى بعض أزواجه) إلى قوله تعالى: (.. أظهره الله) فعند ذلك طلق حفصة ﵂ فلما بلغ عمر ﵁ قال: لو كان خيراً في آل الخطاب ما طلقك رسول الله ﷺ فجاءه جبرائيل وأمره بمراجعتها، وذكر في "شرح ذات الشفاء": أن حفصة ﵂ لما عادت من عند أبيها أبصرت مارية في بيتها مع النبي ﷺ فلم تدخل حتى خرجت مارية ثم دخلت وقالت له: إني رأيت من كان معك في البيت، وغضبت وبكت وقالت: يا رسول الله في يومي وفي بيتي وعلى فراشي جئت إلي بشيء ما جئت به إلى أحد من أزواجك؟ ورأى الغيرة في وجهها، فقال: اسكتي فهي علي حرام، ابتغي بذلك رضاك، ثم أخبرها بخلافة أبيها بعد أبى بكر ﵁ واستكتمها ذلك، فأخبرت به عائشة ﵂ فقالت: أراحنا الله من مارية، وقصت عليها القصة. فغضب حين أطلعه الله على ذلك، ونزلت: (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك) وطلقها طلقة رجعية جبرائيل وأمره بمراجعتها، وقال: إنها صوامة قوامة، وإنها زوجتك في الجنة.
وقيل: إن سبب نزول الآية ما ذكره في "المعالم": حين حرم على نفسه العسل. وفي رواية: أن عمر، ﵁، لما سمع غضب النبي على حفصة وطلاقها حثا على رأسه التراب، وقال: ما يعبأ الله بعمر وابنته بعدها، فجاء جبرائيل من الغد، فقال: إن الله يأمرك أن تراجع حفصة رحمة لعمر، وقيل: إنه لم يطلقها ولكنه هم بطلاقها. وتوفيت حفصة، ﵂ في شعبان سنة خمس وأربعين بالمدينة، وعمرها ثلاث وستون سنة. وصلى عليها مروان بن الحكم، أمير المدينة يومئذ، وحمل سريرها، وحمله أبو هريرة، ودفنت بالمدينة، وقيل: توفيت سنة إحدى وأربعين لما بويع معاوية بالخلافة، والله أعلم.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع