من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
الفصل الأول في فضل الأدب وأهله وذمّ الجهل وحمله
قال علي بن أبي طالب ﵁: كفى بالعلم شرفا أنه يدّعيه من لا يحسنه، ويفرح إذا نسب إليه من ليس من أهله، وكفى بالجهل خمولا أنه يتبرأ منه من هو فيه ويغضب إذا نسب إليه، فنظم بعض المحدثين ذلك فقال:
كفى شرفا للعلم دعواه جاهلويفرح أن يدعى إليه وينسب
ويكفي خمولا بالجهالة أننيأراع متى أنسب إليها وأغضب
وقال ﵁: قيمة كل إنسان ما يحسن، فنظمه شاعر وقال:
لا يكون الفصيح مثل العييّلا ولا ذو الذكاء مثل الغبيّ
قيمة المرء قدر ما يحسن المرء قضاء من الإمام عليّ
وقال كرم الله وجهه: كلّ شيء يعزّ إذا نزر ما خلا العلم فإنه يعز إذا غزر.
ومرّ عمر بن الخطاب ﵁ على قوم يسيئون الرمي فقرّعهم فقالوا: إنا قوم
متعلمين، فأعرض مغضبا وقال: والله لخطأكم في لسانكم أشدّ عليّ من خطأكم في رميكم، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «رحم الله امرءا أصلح من لسانه».
وروي أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ لما قرأ وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ
(الزخرف:) أنكر عليه عبد الله بن عباس فقال عليّ:
هذا من الترخيم في النداء، فقال ابن عباس: ما أشغل أهل النار في النار عن الترخيم في النداء، فقال علي: صدقت. فهذا يدل على تحقّق الصحابة بالنحو وعلمهم به.
استأذن رجل على إبراهيم النّخعيّ فقال: أبا عمران في الدار؟ فلم يجبه، فقال: أبي عمران في الدار؟ فناداه: قل الثالثة وادخل.
وكان الحسن بن أبي الحسن يعثر لسانه بشيء من اللحن فيقول: أستغفر الله، فقيل له فيه، فقال: من أخطأ فيها فقد كذب على العرب، ومن كذب فقد عمل سوءا وقال الله تعالى وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً
(النساء:).
وذكر أبو حيان في «كتاب محاضرات العلماء» حدثنا القاضي أبو حامد أحمد بن بشر قال: كان الفراء يوما عند محمد بن الحسن، فتذاكروا في الفقه والنحو، ففضّل الفراء النحو على الفقه، وفضّل محمد بن الحسن الفقه على النحو، حتى قال الفراء: قلّ رجل أنعم النظر في العربية وأراد علما غيره إلّا سهل عليه، فقال محمد بن الحسن: يا أبا زكريا قد أنعمت النظر في العربية وأسألك عن باب من الفقه، فقال:
هات على بركة الله تعالى، فقال له: ما تقول في رجل صلّى فسها في صلاته، وسجد سجدتي السهو فسها فيهما؟ فتفكر الفراء ساعة ثم قال: لا شيء عليه، فقال له محمد: لم؟ قال: لأن التصغير عندنا ليس له تصغير، وإنما سجدة السهو تمام الصلاة وليس للتمام تمام، فقال محمد بن الحسن: ما ظننت أن آدميا يلد مثلك.
وحكي عن بعض الفقهاء أنه كان يقول: حبّ من الناس حبّ من الله، وما صلح دين إلا بحياء، ولا حياء الا بعقل، وما صلح حياء ولا دين ولا عقل إلا بأدب.
وأنشد أبو الفضل الرياشي:
طلبت يوما مثلا سائرافكنت في الشعر له ناظما
لا خير في المرء إذا ما غدالا طالب العلم ولا عالما
وفي الخبر: ارحموا ثلاثة: عزيز قوم ذلّ، وغنيّ قوم افتقر، وعالما يلعب الجهال بعلمه؛ فنظمه شاعر فقال:
إني من النفر الثلاثة حقّهمأن يرحموا لحوادث الأزمان
مثر أقلّ وعالم مستجهلوعزيز قوم ذلّ للحدثان
ويقال: فقدان الأديب الطبع كفقدان ذي النجدة السلاح، ولا محصول لأحدهما دون الآخر. وقال:
نعم عون الفتى إذا طلبالعلم ورام الآداب صحة طبع
فإذا الطبع فاته بطل السعيوصار العناء في غير نفع
ومما يقارب ذلك قول بعضهم:
من كان ذا عقل ولم يك ذا غنىيكون كذي رجل وليس له نعل
ومن كان ذا مال ولم يك ذا حجىيكون كذي نعل وليس له رجل
وقال آخر:
أرى العلم نورا والتأدب حليةفخذ منهما في رغبة بنصيب
وليس يتمّ العلم في الناس للفتىإذا لم يكن في علمه بأديب
وأنشد أبو حاتم سهل بن محمد السجستاني:
إنّ الجواهر درّها ونضارهاهنّ الفداء لجوهر الآداب
فإذا اكتنزت أو ادّخرت ذخيرةتسمو بزينتها على الأصحاب
فعليك بالأدب المزيّن أهلهكيما تفوز ببهجة وثواب
فلربّ ذي مال تراه مبعداكالكلب ينبح من وراء حجاب
وترى الأديب وإن دهته خصاصةلا يستخفّ به لدى الأتراب
وقال آخر:
ما وهب الله لامرىء هبةأحسن من عقله ومن أدبه
هما جمال الفتى وإن فقداففقده للحياة أجمل به
وحدث أبو صالح الهروي قال: كان عبد الله بن المبارك يقول: أنفقت في الحديث أربعين ألفا، وفي الأدب ستين ألفا وليت ما أنفقته في الحديث أنفقته في الأدب، قيل له: كيف؟ قال: لأنّ النصارى كفروا بتشديدة واحدة خففوها، قال تعالى يا عيسى إني ولّدتك من عذراء بتول، فقال النصارى ولدتك.
شاعر:
ولم أر عقلا صحّ إلّا بشيمةولم أر علما صحّ إلّا على أدب
وقال آخر:
لكلّ شيء حسن زينةوزينة العالم حسن الأدب
قد يشرف المرء بآدابهفينا وإن كان وضيع النسب
وقال آخر:
من كان مفتخرا بالمال والنسبفإنما فخرنا بالعلم والأدب
لا خير في رجل حرّ بلا أدبلا لا وإن كان منسوبا إلى العرب
قالوا: والفرق بين الأديب والعالم أن الأديب من يأخذ من كلّ شيء أحسنه فيألفه، والعالم من يقصد لفنّ من العلم فيعتمله، ولذلك قال علي كرّم الله وجهه: العلم أكثر من أن يحصى فخذوا من كلّ شيء أحسنه.
شاعر:
ذخائر المال لا تبقى على أحدوالعلم تذخره يبقى على الأبد
والمرء يبلغ بالآداب منزلةيذلّ فيها له ذو المال والعقد
وحدث سفيان، قال سمعت الخليل بن أحمد يقول: إذا أردت أن تعلم العلم لنفسك فاجمع من كلّ شيء شيئا، وإذا أردت أن تكون رأسا في العلم فعليك بطريق واحد، ولذلك قال الشعبي: ما غلبني إلا ذو فنّ.
شاعر:
لا فقر أكبر من فقر بلا أدبليس اليسار بجمع المال والنّشب
ما المال إلا جزازات ملفّقةفيها عيون من الأشعار والخطب
ويقال: من أراد السيادة فعليه بأربع، العلم والأدب والعفة والأمانة.
شاعر:
كم من خسيس وضيع القدر ليس لهفي العزّ أصل ولا ينمى إلى حسب
قد صار بالأدب المحمود ذا شرفعال وذا حسب محض وذا نشب
وقال بزرجمهر: من كثر أدبه كثر شرفه وإن كان وضيعا، وبعد صوته وإن كان خاملا، وساد وإن كان غريبا، وكثرت الحاجة إليه وإن كان فقيرا.
ويقال: عليكم بالأدب فإنه صاحب في السفر، ومؤنس في الحضر، وجليس في الوحدة، وجمال في المحافل، وسبب إلى طلب الحاجة.
ويقال: مروءتان ظاهرتان: الفصاحة والرياش.
وكلم شبيب بن شيبة رجلا من قريش فلم يحمد أدبه وقال.
وكم من ماجد أضحى عديماله حسن وليس له بيان
وما حسن الرجال لهم بزينإذا لم يسعد الحسن اللسان
وقال أبو نواس: ما استكثر أحد من شيء إلّا ملّه وثقل عليه، إلا الأدب فإنه كلما استكثر منه كان أشهى له وأخفّ عليه.
وقال: الشّره في الطعام دناءة، وفي الأدب مروءة.
ويقال: الأديب نسيب الأديب، قال أبو تمام:
إن يكد مطّرف الإخاء فإننانسري ونغدو في إخاء تالد
أو نفترق نسبا يؤلف بينناأدب أقمناه مقام الوالد
أو يختلف ماء الوصال فماؤناعذب تحدّر من غمام بارد
وقال ابن السكيت: خذ من الأدب ما يتعلق بالقلوب وتشتهيه الآذان، وخذ من النحو ما تقيم به الكلام، ودع الغوامض، وخذ من الشعر ما يشتمل على لطيف المعاني، واستكثر من أخبار الناس وأقاويلهم وأحاديثهم ولا تولعنّ بالغثّ منها.
وقال أبو عمرو بن العلاء: قيل لمنذر بن واصل: كيف شهوتك للأدب؟ فقال أسمع الحرف منه لم أسمعه فتودّ أعضائي أنّ لها أسماعا تتنعم مثل ما تنعمت الآذان؛ قيل: وكيف طلبك له؟ قال: طلب المرأة المضلّة ولدها وليس لها غيره؛ قيل:
وكيف حرصك عليه؟ قال: حرص الجموع المنوع على بلوغ لذته في المال.
وقال الأصمعي، قال لي أعرابي: ما حرفتك؟ قلت: الأدب، قال: نعم الشيء، فعليك به فإنه ينزل المملوك في حد الملوك.
وقال أرسطاطاليس: ليت شعري أيش فات من أدرك الأدب، وأي شيء أدرك من فاته الأدب.
وقال البحتري:
رأيت القعود على الإقتصادقنوعا به ذلة في العباد
وعزّ بذي أدب أن يضيقبعيشته وسع هذي البلاد
إذا ما الأديب ارتضى بالخمولفما الحظّ في الأدب المستفاد
وقال عمر ﵁: تعلموا العربية فإنها تثّبت العقل، وتزيد في المروءة.
وقال عبد الملك: ما الناس إلى شيء من العلوم أحوج منهم إلى إقامة ألسنتهم التي بها يتحاورون الكلام، ويتهادون الحكم، ويستخرجون غوامض العلم من
مخابئها، ويجمعون ما تفرّق منها. إن الكلام قاض يجمع بين الخصوم، وضياء يجلو الظلام، وحاجة الناس إلى موادّه كحاجتهم إلى موادّ الأغذية.
وقال الزهري ما أحدث الناس مروءة أحبّ إليّ من تعلم النحو.
وقال شاعر يصف النحو:
اقتبس النحو ونعم المقتبسوالنحو زين وجمال ملتمس
صاحبه مكرّم حيث جلسمن فاته فقد تعمّى وانتكس
كأنما فيه من العيّ خرسشتّان ما بين الحمار والفرس
وقال آخر:
لولاكم كان يلقى كلّ ذي خطلللنحو مدعيا بين النحارير
لم لا أشدّ على من لا يقوم بهامن وقعة السّمر والبيض المآثير
قرع رجل على الحسن البصري الباب وقال: يا أبو سعيد فلم يجبه، فقال:
أبي سعيد، فقال الحسن: قل الثالثة وادخل.
وحدث النضر بن شميل قال، أخبرنا الخليل بن أحمد قال: سمعت أيوب السختياني يحدّث بحديث فلحن فيه، فقال: استغفر الله، يعني أنه عد اللحن ذنبا.
وكان ابن سيرين يسمع الحديث ملحونا فيحدث به على لحنه، وبلغ ذلك الأعمش فقال: إن كان ابن سيرين يلحن فإن النبي ﷺ لم يكن يلحن فقوّمه.
قال: وكان عمر بن الخطاب ﵁ يضرب أولاده على اللحن ولا يضربهم على الخطأ، ووجد في كتاب عامل له لحنا فأحضره وضربه درة واحدة.
ودخل أعرابي السوق فسمعهم يلحنون فقال: العجب يلحنون ويربحون.
وكان معاوية بن بجير عامل البصرة لا يلحن فمات بجير بالبصرة ومعاوية بفارس خليفة أبيه، فقال الفيج الذي جاء بنعيه مات بجيرا، فقال له لحنت لا أم لك، فقال
أخوه عبد الله بن بجير:
ألم تر أنّ خير بني بجيرمعاوية المحقق ما ظننتا
أتاه مخبر ينعى بجيراعلانية فقال له لحنتا
وقال الجاحظ: عيوب المنطق التصحيف وسوء التأويل والخطأ في الترجمة، فالتصحيف يكون من وجوه من التخفيف والتثقيل ومن قبل الإعراب ومن تشابه صور الحروف، وسوء التأويل من الأسماء المتواطئة أي أنك تجد اسما لمعان فتتأول على غير المراد، وكذلك سوء الترجمة. واعلم أنّ مذاكرة العلم عون على أدائه وزيادة في الفهم، ولا بد للعالم من جهل أي أن يجهل كثيرا مما يسأل عنه، إما لأنه ما سمعه أو نسيه. وقد قال بعض الفرس: ليس يحسن الأشياء كلّها إنسان، ولكن يحسن كلّ إنسان شيئا.
ومن الأدب قول القائل:
إذا ما روى الراوي حديثا فلا تقلسمعنا بهذا قبل أن يتتمما
ولكن تسمّع للحديث موهّمابأنك لم تسمعه فيما تقدّما
وقال الأصمعي: من حق من يقبسك علما أن ترويه عنه.
قال أبو عمرو ابن العلاء: إنما سمي النحويّ نحويا لأنه يحرّف الكلام إلى وجوه الإعراب، واللحن مخالفة الاعراب.
واللحن على جهة أخرى أن يكلّم الرجل صاحبه بالكلام يعرفانه بينهما ولا يعرفه سواهما.
وأنشد الكلبيّ لمالك ابن أسماء:
منطق صائب وتلحن أحيانا وخير الحديث ما كان لحنا
أمغطّى مني على بصري بالحبّ أم أنت أكمل الناس حسنا
وحديث ألذّه هو ممّاينعت الناعتون يوزن وزنا
وقد روي أن عبد الله بن مسعود ﵁ كان لحنا أي فطنا.
وفي حديث أبي الزناد أن رجلا قرأ عند رسول الله ﷺ فلحن، فقال رسول الله ﷺ: أرشدوا صاحبكم.
وحدث أبو العيناء عن وهب بن جرير أنه قال لفتى من باهلة: يا بني اطلب النحو فإنك لن تعلم منه بابا إلّا تدرّعت من الجمال سربالا.
وفي حديث سعيد بن العاص قال قال رسول الله ﷺ: ما نحل والد ولده أفضل من أدب حسن.
وعن ابن شهاب أنه قال: ما أحدث الناس مروءة أعجب إليّ من تعلّم الفصاحة.
وحدث يحيى بن عتيق قال: سألت الحسن فقلت: يا أبا سعيد الرجل يتعلم العربية يلتمس بها حسن المنطق ويقيم بها قراءته، قال: حسن يا بني، فتعلمها فإنّ الرجل يقرأ الآية فيعيا بوجهها فيهلك فيها.
وعن سعيد بن سلم قال: دخلت على الرشيد فبهرني هيبة وجمالا فلما لحن خفّ في عيني.
وعن الشعبي قال: حلي الرجال العربية وحلي النساء الشحم.
وحدث التاريخي بإسناد رفعه إلى سلم بن قتيبة قال: كنت عند ابن هبيرة الأكبر قال: فجرى الحديث حتى ذكر العربية فقال: والله ما استوى رجلان دينهما واحد وحسبهما واحد ومروءتهما واحدة، أحدهما يلحن والآخر لا يلحن، إن أفضلهما في الدنيا والآخرة الذي لا يلحن، قال فقلت: أصلح الله الأمير هذا أفضل في الدنيا لفضل فصاحته وعربيته، أرأيت الأخرة ما باله فضّل فيها؟ قال: إنه يقرأ كتاب الله على ما أنزله الله، والذي يلحن يحمله لحنه على أن يدخل في كتاب الله ما ليس فيه، ويخرج منه ما هو فيه، قلت: صدق الأمير وبرّ.
وحدث عن أبي توبة عن عمرو بن أبي عمرو الشيباني عن أبيه قال: تكلم أبو جعفر المنصور في مجلس فيه أعرابيّ فلحن، فصرّ الأعرابي أذنيه، فلحن مرة أخرى أعظم من الأولى، فقال الأعرابي: أفّ لهذا ما هذا؟ ثم تكلم فلحن الثالثة، فقال الأعرابي. أشهد لقد وليت هذا الأمر بقضاء وقدر.
وحدث بإسناد رفعه إلى الواقدي قال: صلى رجل من آل الزبير خلف أبي جعفر المنصور وقرأ أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ
(التكاثر:) فلحن في موضعين، قال: فلما سلم التفت الزبيري إلى رجل كان إلى جانبه فقال له: ما كان أهون هذا القرشيّ على أمله.
وقال بعض الشعراء:
النحو يبسط من لسان الألكنوالمرء نعظمه إذا لم يلحن
وإذا طلبت من العلوم أجلّهافأجلّها عندي مقيم الألسن
وقال آخر:
إما تريني وأثوابي مقاربةليست بخزّ ولا من حرّ كتّان
فإنّ في المجد همّاتي وفي لغتيعلويّة ولساني غير لحان
وحدث قال: قدم طاهر بن الحسين والعباس بن محمد بن موسى على الكوفة، فرادّه طساسيج من سوادها، فوجّه العباس كاتبه إليه، فلما دخل على طاهر قال له: أخيك أبي موسى يقرأ عليك السلام، قال: وما أنت منه؟ قال: كاتبه الذي يطعمه الخبز، قال: نعم عليّ بعيسى بن عبد الرحمن، قال: فجاء- وكان عيسى كاتب طاهر- فقال: اكتب وأنت قائم بصرف العباس بن محمد بن موسى عن
الكوفة إذ لم يتخذ كاتبا يحسن الأداء عنه.
وحدث في ما أسنده إلى الضحاك بن زمل السكسكي، وكان من أصحاب المنصور، قال: كنا مع سليمان بن عبد الملك بدابق إذ قام إليه الشحاج الأزدي الموصلي فقال: يا أمير المؤمنين إنّ أبينا هلك وترك مال كثير، فوثب أخانا على مال أبانا فأخذه، فقال سليمان: فلا رحم الله أباك ولا نيّح عظام أخيك، ولا بارك الله لك فيما ورثت، أخرجوا هذا اللحّان عني، فأخذ بيده بعض الشاكرية وقال: قم فقد آذيت أمير المؤمنين، فقال: وهذا العاضّ بظر أمه اسحبوا برجله.
وحدث قال، قال رجل للحسن: يا أبا سعيد ما تقول في رجل مات وترك أبيه وأخيه؟ فقال له الحسن: ترك أباه وأخاه، فقال له: فما لأباه وأخاه فقال له الحسن: إنما هو فما لأبيه وأخيه، قال يقول الرجل للحسن: يا أبا سعيد ما أشدّ خلافك عليّ، قال: أنت أشدّ خلافا عليّ أدعوك إلى الصواب وتدعوني إلى الخطأ.
وحدث فيما رفعه عبد الله بن المبارك قال: بعث الحجاج إلى والي البصرة أن اختر لي عشرة ممن عندك فاختار رجالا منهم كثير بن أبي كثير، قال: وكان رجلا عربيا، قال كثير: وقلت في نفسي لا أفلت من الحجاج إلا باللحن، قال: فلما دخلنا عليه دعاني ما اسمك؟ قلت: كثير قال: ابن من؟ فقلت في نفسي: إن قلتها بالواو لم آمن أن يتجاوزها قال قلت: أنا ابن أبا كثير، فقال عليك لعنة الله وعلى من بعث بك، جؤوا في قفاه، قال: فأخرجت.
وحدث في ما أسنده إلى الأصمعي قال: سمعت مولى لعمر بن الخطاب
يقول: أخذ عبد الملك بن مروان رجلا كان يرى رأي الخوارج، رأي شبيب، فقال له: ألست القائل:
ومنا سويد والبطين وقعنبومنا أمير المؤمنين شبيب
قال: إنما قلت أمير المؤمنين أي يا أمير المؤمنين، فأمر بتخلية سبيله.
قال التاريخي: حدثنا أبو بكر الدولابي حدثنا أبو مسهر قال: سألت سعيد بن عبد العزيز التنوخي عن حديث إذا سمعته ملحونا فقال: اللحن يفسد الحديث، وذلك أنه يغيّر معناه، ولم يلف أحد من العلماء إلا مقوّم اللسان.
قال: وقد كان عمر بن عبد العزيز أشدّ الناس في اللحن على ولده وخاصته ورعيته وربما أدّب عليه.
قال وقال نافع مولى ابن عمر: كان ابن عمر يضرب ولده على اللحن كما يضربهم على تعليم القرآن.
وحدث في ما أسنده إلى شريك عن جابر قال: قلت للشعبي أسمع الحديث بغير إعراب فأعربه؟ قال: نعم لا بأس به.
قال: قال حماد بن سلمة: مثل الذي يكتب الحديث ولا يعرف النحو مثل الحمار عليه مخلاة ولا شعير فيها.
وروي عن الشعبي أنه قال: لأن أقرأ وأسقط أحبّ إلي من أن أقرأ وألحن.
وقال محمد بن الليث: النحو في الأدب كالملح في الطعام فكما لا يطيب الطعام إلا بالملح لا يصلح الأدب إلّا بالنحو.
وروي عن عبد الله بن المبارك أنه قال: تعلموا العلم شهرا والأدب شهرين.
وقال رجل لبنيه: يا بني أصلحوا من ألسنتكم فإن الرجل تنوبه النائبة يحتاج أن يتجمل فيها فيستعير من أخيه دابة ومن صديقه ثوبا ولا يجد من يعيره لسانا.
لما قال الفرزدق:
إن الذي سمك السماء بنى لنابيتا دعائمه أعزّ وأطول
فقال الحاضرون: أعزّ وأطول من ماذا؟ فتفكر الفرزدق فوافق ذلك قول المؤذن في الأذان: الله أكبر، فرفع الفرزدق رأسه فقال: يا فلان أكبر من ماذا؟
وقال الخطفى جد جرير:
عجبت لإزراء العييّ بنفسهوصمت الذي قد كان بالقول أعلما
وفي الصمت ستر للعييّ وإنماصحيفة لبّ المرء ان يتكلما
وحدّث عن الأصمعي أنه قال: أخوف ما أخاف على طالب العلم إذا لم يعرف النحو أن يدخل في جملة قول النبي ﷺ: «من كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار»، لأنه لم يكن يلحن فمهما رويت عنه ولحنت فقد كذبت عليه.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع