من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
إبراهيم بن محمد نفطويه
: هو إبراهيم بن محمد بن عرفة بن سليمان بن المغيرة بن حبيب بن المهلب بن أبي صفرة العتكي الأزدي من أهل واسط، وكنيته أبو عبد الله. قال الثعالبي: لقّب نفطويه تشبيها إياه بالنفط لدمامته وأدمته، وقدّر اللقب على مثال سيبويه، لأنه كان ينسب في النحو إليه ويجري في طريقته ويدرس شرح كتابه، وأنشدوا:
لو أنزل النحو على نفطويه
قال: وقد صيّره ابن بسام نفطويه- بضم الطاء وتسكين الواو وفتح الياء- فقال:
رأيت في النوم أبي آدماصلّى عليه الله ذو الفضل
فقال أبلغ ولدي كلّهممن كان في حزن وفي سهل
بأنّ حوّا أمّهم طالقإن كان نفطويه من نسلي
كان عالما بالعربية واللغة والحديث، أخذ عن ثعلب والمبرد وغيرهما، روى عنه أبو عبيد الله المرزباني وأبو الفرج الأصفهاني وابن حيويه وغيرهم.
ذكره المرزباني في «المقتبس» فقال ولد في سنة أربع وأربعين ومائتين، قال:
ومات ﵀ يوم الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة ثلاث
وعشرين وثلاثمائة، وحضرت جنازته عشاء، ودفن في مقابر باب الكوفة وصلّى عليه البربهاري. وكان يخضب بالوسمة.
قال: وكان من طهارة الأخلاق وحسن المجالسة والصّدق فيما يرويه على حال ما شاهدت عليها أحدا ممن لقيناه. وكان يقول: جلست إلى هذه الأسطوانة مذ خمسون- يعني محلّته بجامع المدينة- وكان حسن الحفظ للقرآن، أول ما يبتدىء به في مجلسه بمسجد الأنباريين بالغدوات إلى أن يقرىء القرآن على قراءة عاصم ثم الكتب بعده. وكان فقيها عالما بمذهب داود الأصبهاني رأسا فيه يسلّم له ذلك جميع أصحابه، وكان مسندا في الحديث من أهل طبقته، ثقة صدوقا لا يتعلّق عليه بشيء من سائر ما رووه، وكان حسن المجالسة للخلفاء والوزراء، متقن الحفظ للسير وأيام الناس وتواريخ الزمان ووفاة العلماء، وكانت له مروءة وفتوة وظرف. ولقد هجم علينا يوما ونحن في بستان كان له بالزبيدية في سنة عشرين أو إحدى وعشرين وثلاثمائة فرآنا على حال تبذّل، فانقبضت وذهبت أعتذر إليه فقال: في التعاقل على النبيذ سخف، ثم أنشدنا لنفسه:
لنا صديق غير عالي الهمميحصي على القوم سقاط الكلم
ما استمتع الناس بشيء كمايستمتع الناس بحسم الحشم
قال المرزباني: وكان يقول من الشعر المقطعات في الغزل وما يجري مجراها كما يقول المتأدبون، وسنورد من ذلك فيما بعد إن شاء الله حسب الكفاية.
وكان بين أبي عبد الله نفطويه وبين محمد بن داود الأصبهاني مودة أكيدة وتصاف تام، وكان ابن داود يهوى أبا الحسين محمد بن جامع الصيدلاني هوى أفضى به إلى التلف، قال ابن عرفة نفطويه: فدخلت عليه في مرضه الذي مات فيه فقلت: يا
سيدي ما بك؟ فقال: حبّ من تعلم أورثني ما ترى، فقلت: ما يمنعك من الاستمتاع به مع القدرة عليه؟ فقال: الاستمتاع نوعان محظور ومباح، أما المحظور فمعاذ الله منه، وأما المباح فهو الذي صيّرني إلى ما ترى. ثم قال: حدثني سويد بن سعيد الحدثاني عن أبي يحيى القتّات عن مجاهد عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال:
«من حبّ فعفّ وكتم ثم مات مات شهيدا»؛ ثم غشي عليه ساعة وأفاق ففتح عينيه، فقلت له: أرى قلبك قد سكن، وعرق جبينك قد انقطع، وهذا أمارة العافية، فأنشأ يقول:
أقول لصاحبّي وسلّيانيوغرّهما سكون حمى جبيني
تسلّوا بالتعزي عن أخيكموخوضوا في الدعاء وودّعوني
فلم أدع الأنين لضعف سقمولكنّي ضعفت عن الأنين
ثم مات من ليلته وذلك في سنة سبع وتسعين ومائتين، فيقال إن نفطويه تفجع عليه وجزع جزعا عظيما، ولم يجلس للناس سنة كاملة، ثم ظهر بعد السنة فجلس، فقيل له في ذلك فقال: إن أبا بكر ابن داود قال لي يوما وقد تجارينا حفظ عهود الأصدقاء، فقال: أقلّ ما يجب للصديق أن يتسلّب على صديقه سنة كاملة عملا بقول لبيد:
إلى الحول ثم اسم السلام عليكماومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر
فحزنّا عليه سنة كاملة كما شرط.
قال المؤلف لهذا الكتاب: وأخبار أبي بكر ابن داود كثيرة مليحة رائقة، وقد أفردنا له بابا في هذا الكتاب فقف عليه تطرب وتعجب.
قال المرزباني: ومما أنشدنا لنفسه في سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة:
غنج الفتور يجول في لحظاتهوالورد غضّ النبت في وجناته
وتكلّ ألسنة الورى عن وصفهأو أن تروم بلوغ بعض صفاته
لا يعرف الإسعاف إلا خطرةلكنّ طول الصدّ من عزماته
لا يستطيع «نعم» ولا يعتادهابل لا تسوغ «لعل» في لهواته
قال وأنشدنا لنفسه:
تشكو الفراق وأنت تزمع رحلةهلّا أقمت ولو على جمر الغضا
فالآن عذ بالصبر أو مت حسرةفعسى يردّ لك النوى ما قد مضى
قال وأنشدنا لنفسه:
أتخالني من زلة أتعتّبقلبي عليك أرقّ مما تحسب
قلبي وروحي في يديك وإنماأنت الحياة فأين منك المذهب
قال مؤلف الكتاب: ولم يورد أبو عبيد الله إلا هذين البيتين، وأنشدني بعض الأصدقاء البيت الأول منهما وأتبعه بما لا أعلم أهو من قول نفطويه أو غيره وهو:
لا يوحشنّك ما صنعت فتنثنيمتجنبا فهواك لا يتجنّب
أنت البريء من الإساءة كلّهاولك الرضى وأنا المسيء المذنب
وحياة وجهك وهو بدر طالعوسواد شعرك وهو ليل غيهب
ما أنت إلا مهجني وهي التيأحيا بها فترى على من أغضب
قال المرزباني، وأنشدني لنفسه:
كفى بالهوى بلوى وبالحبّ محنةوبالهمّ تعذيبا وبالعذل مغرما
أما والذي يقضي الأمور بأمرهفما شاء أمضاه وما شاء أحكما
لقد حمّلتني صبوتي وصبابتيمن الشوق ما أضنى الفؤاد وتيّما
قال وأنشدنا لنفسه:
تجلّ بلواي عن البلوىويذهل القلب عن الشكوى
يظلمني من لا أرى ظلمهوما عليه لي من عدوى
عذّبني الحبّ ولكننيلا أطلب الراحة بالسلوى
سلّط من أهوى عليّ الضنىلا واخذ الله الذي أهوى
قال وله:
لك خدّ تذيبه الأبصاريخجل الورد منه والجلّنار
لا تغيبن عن ناظريّ فإنيأنا من لحظتي عليك أغار
وكان بين نفطويه وابن دريد مماظّة، فقال فيه لما صنف «كتاب الجمهرة».
ابن دريد بقرهوفيه لؤم وشره
قد ادّعى بجهلهجمع كتاب الجمهره
وهو كتاب العىن إلّا أنه قد غيره
فبلغ ذلك ابن دريد فقال يجيبه:
لو أنزل الوحي على نفطويهلكان ذاك الوحي سخطا عليه
وشاعر يدعى بنصف اسمهمستأهل للصفع في أخدعيه
أحرقه الله بنصف اسمهوصيّر الباقي صراخا عليه
ضو حدث ابن شاذان قال: بكّر نفطويه يوما إلى درب الرواسين فلم يعرف الموضع، فتقدم إلى رجل يبيع البقل فقال له: أيها الشيخ، كيف الطريق إلى درب الرواسين؟ قال: فالتفت البقليّ إلى جار له فقال: يا فلان ألا ترى الى الغلام- فعل الله به وصنع- قد احتبس علي، فقال: وما الذي تريد منه؟ فقال عوّق السلق عليّ
فما عندي ما أصفع به هذا العاضّ بظر أمه، فانسلّ ابن عرفة ولم يجبه.
وأنشد الخطيب لنفطويه:
كم قد خلوت بمن أهوى فيمنعنيمنه الحياء وخوف الله والقدر
كم قد خلوت بمن أهوى فتقنعنيمنه الفكاهة والتحديث والنظر
أهوى الملاح وأهوى أن أجالسهموليس لي في حرام منهم وطر
كذلك الحبّ لا إتيان معصيةلا خير في لذة من بعدها سقر
ومنه:
أستغفر الله مما يعلم اللهإنّ الشقيّ لمن لم يرحم الله
هبه تجاوز لي عن كلّ مظلمةواسوءتا من حيائي يوم ألقاه
وذكره الزبيدي في كتابه فقال: كان بخيلا ضيقا في النحو واسع العلم بالشعر.
قال أبو هلال في «كتاب الأوائل» حدثني أبو أحمد قال: كنا في مجلس نفطويه وهو يملي، فدخل غلام وضيء الوجه [فقطع الاملاء] وقال: قال رجل من أهل عصرنا:
كم خاس ميعادك يا مخلفكم تخلف الوعد وكم تحلف
قد صرت لا أدعو على كاذبولا ظلوم الفعل لا ينصف
فما شكّ أحد ممن حضر أن الغلام كان وعده وأخلفه، وأن الشعر له.
وكان نفطويه، مع كونه من أعيان العلماء وعلماء الأعيان، غير مكترث
باصلاح نفسه، فكان يفرط به الصّنان فلا يغيّره، فحضر يوما مجلس حامد بن العباس وزير المقتدر فتأذى هو وجلساؤه بكثرة صنانه، فقال حامد: يا غلام أحضرنا مرتكا فجاء به، فبدأ الوزير بنفسه فتمرتك وأداره على الجلساء فتمرتكوا، وفطنوا ما أراد بنفطويه، وأنه أراد من نفطويه أن يتمرتك فيزول صنانه من غير أن يجبهه بما يكره، فقال نفطويه: لا حاجة بي إليه فراجعه فأبى، فاحتدّ حامد واغتاظ وقال له: يا عاضّ كذا من أمه إنما تمرتكنا جميعا لتأذينا بصنانك، قم لا أقام الله لك وزنا، ثم قال:
أخرجوه عني، أو أبعدوه إلى حيث لا أتأذى به.
وقال ابن بشران أبو محمد عبيد الله في تاريخه: ومن شعر نفطويه:
الجدّ أنفع من عقل وتأديبإن الزمان ليأتي بالأعاجيب
كم من أديب يزال الدهر يقصدهبالنائبات ذوات الكره والحوب
وآخر غير ذي دين ولا أدبمعمّر بين تأهيل وترحيب
ما الرزق من حيلة يحتالها فطنلكنّه من عطاء غير محسوب
قال: وكان كثير النوادر، ومن نوادره: قيل لبهلول في كم يوسوس الانسان فقال: ذاك إلى صبيان المحلة.
قال: وقيل لبعض الشيعة: معاوية خالك فقال: لا أدري أمي نصرانية والأمر إليه.
بخط الوزير المغربي: قال نفطويه: أما سائر العلوم فهاهنا من يشركنا فيها، وأما الشعر فإذا متّ مات على الحقيقة. وقال: من أغرب عليّ ببيت لجرير لا أعرفه فأنا عبده. وقال ابن خالويه، وقال لي يوما وقد حضرته الوفاة: قد جالستني فما رأيت منك إلا خيرا فادع لي، ثم قال: وضئوني. وقد كنت آخذ بيده فمرّ بمسجد هشام بن خلف البزار فقال: هذا مسجد هشام مقرىء أهل بغداد، والله ما كان بأعلم مني، ولكنه أطاع الله فرفع [منه] وعصيت الله فوضع مني.
قال الحسين بن أبي قيراط: انصرفت من عند أبي عبد الله نفطويه وقد كتبت عنه شيئا، فجئت إلى أبي إسحاق إبراهيم بن السري الزجاج فقال لي: ما هذا الكتاب؟ فأريته إياه، وكان على ظهره مقطوعتان أنشدنيهما نفطويه لنفسه، فلما قرأهما الزجاج استحسنهما وكتبهما بخطه على ظهر «كتاب غريب الحديث» وكان بحضرته:
تواصلنا على الأيام باقولكن هجرنا مطر الربيع
يروعك صوته لكن تراهعلى روعاته داني النزوع
كذا العشّاق هجرهم دلالومرجع وصلهم حسن الرجوع
معاذ الله أن نلفى غضاباسوى دلّ المطاع على المطيع
والأخرى:
وقالوا شانه الجدريّ فانظرإلى وجه به أثر الكلوم
فقلت ملاحة نثرت عليهوما حسن السماء بلا نجوم
وذكر الفرغاني أن نفطويه كان يقول بقول الحنابلة: إن الاسم هو المسمّى وجرت بينه وبين الزجاج مناظرة أنكر الزجاج عليه موافقته الحنابلة على ذلك.
قرأت في «تاريخ خوارزم» قال أبو سعيد الحمديجي، سمعت نفطويه يقول: إذا سلّمت على اليهوديّ والنصراني فقلت له: أطال الله بقاءك وأدام سلامتك وأتمّ نعمته عليك فإنما أريد به الحكاية أي أن الله قد فعل بك إلى هذا الوقت وأعتقد به الدعاء للمسلم.
قال الحمديجي، وأنشدنا نفطويه لنفسه:
إذا ما الأرض جانبها الأعاديوطاب الماء فيها والهواء
وساعد من تحبّ بها وتهوىفتلك الأرض طاب بها الثّواء
يرى الأحباب ضنك العيش وسعاولا يسع البغيضين الفضاء
وعقل المرء أحسن حليتيهوزين المرء في الدنيا الحياء
قال محمد بن إسحاق النديم: وله من الكتب: كتاب التاريخ. كتاب الاقتصارات. كتاب البارع. كتاب غريب القرآن. كتاب المقنع في النحو. كتاب الاستثناء والشرط في القراءة. كتاب الوزراء. كتاب الملح. كتاب الأمثال.
كتاب الشهادات. كتاب المصادر. كتاب القوافي. كتاب أمثال القرآن. كتاب الرد على من يزعم أن العرب يشتقّ كلامها بعضه من بعض. كتاب الردّ على من قال بخلق القرآن. كتاب الردّ على المفضّل بن سلمة في نقضه على الخليل. كتاب في أن العرب تتكلم طبعا لا تعلما.
-
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع