تجاوز إلى المحتوى

من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)

أحمد بن إبراهيم بن أبي عاصم اللؤلؤي

[قال] أبو بكر الزبيدي: ومن نحاة القيروان ابن أبي عاصم وكان من العلماء النقاد في العربية والغريب والنحو والحفظ والقيام بشرح أكثر دواوين العرب. مات فيما ذكره الزبيدي سنة ثماني عشرة وثلاثمائة وله ست وأربعون سنة. وكان كثير الملازمة لأبي محمد المكفوف النحوي وعنه أخذ، وكان صادقا في علمه وبيانه لما يسأل عنه، وله تأليف في الضاد والظاء حسن بين، وكان شاعرا مجيدا، وكان أبوه موسرا فلم يكن يمدح أحدا لمجازاة، وترك الشعر في آخر عمره وأقبل على طلب الحديث والفقه، وهو القائل:

أيا طلل الحيّ الذين تحملوابوادي الغضا كيف الأحبّة والحال
وكيف قضيب البان والقمر الذيبوجنته ماء الملاحة سيّال
كأن لم تدر ما بيننا ذهبيةعبيريّة الأنفاس عذراء سلسال
ولم أتوسّد ناعما بطن كفّهولم يحو جسمينا مع الليل سربال
فبانت به عنّي ولم أدر بغتةطوارق صرف البين والبين مغتال
فلما استقلّت ظعنهم وحدوجهمدعوت ودمع العين في الخدّ هطال
«حرمت مناي منك إن كان ذا الذيتقوّله الواشون عني كما قالوا»

وهذا البيت الأخير تضمين من أبيات لها قصة أنا ذاكرها: ذكر أبو الفرج علي بن الحسين في كتابه قال: كان عبد الله بن محمد القاضي المعروف بالخلنجي ابن أخت علويه المغني، وكان تيّاها صلفا، فتقلّد في خلافة الأمين قضاء الشرقية، وكان يجلس إلى أسطوانة من أساطين الجامع فيستند إليها بجميع بدنه ولا يتحرك، فإذا تقدّم إليه الخصمان أقبل عليهما بجميع جسده، وترك الاستناد حتى يفصل بينهما ثم يعود لحاله، وعمد بعض المجّان إلى رقعة من الرقاع التي تكتب فيها الدعاوى فألصقها في موضع دنيّته بالدّبق، فلما جلس الخلنجي إلى السارية وتمكّن منها وتقدم إليه الخصوم وأقبل إليهم بجميع جسده كما كان يفعل انكشف رأسه وبقيت الدنيّة موضعها مصلوبة ملتصقة، فقام الخلنجي مغضبا وعلم أنها حيلة عليه وقعت، فغطّى رأسه بطيلسانه وتركها مكانها حتى جاء بعض أصحابه فأخذها، فقال بعض شعراء عصره:

إن الخلنجيّ من تتايههأثقل باد لنا بطلعته
ما تيه ذي نخوة مناسبهبين أخاوينه وقصعته
يصالح الخصم من يخاصمهخوفا من الجور في قضيته
لو لم تدبّقه كفّ قانصهلطار فيها على رعيته

واشتهرت الأبيات والقصة ببغداد، وعمل لها علويه حكاية أعطاها الزفّانين والمخنثين فأخرجوه فيها، وكان علويه يعاديه لمنازعة كانت بينهما ففضحه، واستعفى الخلنجي من القضاء ببغداد، وسأل أن يولّى بعض الكور البعيدة، فولّي جند دمشق أو حمص، فلما ولي المأمون الخلافة غناه علويه بشعر الخلنجي وهو:

برئت من الإسلام إن كان ذا الذيتقوّله الواشون عنّي كما قالوا
ولكنّهم لما رأوك غريّةبهجري تساعوا بالنميمة واحتالوا
فقد صرت أذنا للوشاة سميعةينالون من عرضي ولو شئت ما نالوا

فقال له المأمون: من يقول هذا الشعر؟ قال: قاضي دمشق، فأمر المأمون بإحضاره فكتب إلى والي دمشق بإحضاره فأشخص، وجلس المأمون للشرب، وأحضر علويه ودعا بالقاضي. فقال له: أنشدني قولك:

برئت من الإسلام إن كان ذا الذيتقوّله الواشون عنّي كما قالوا

فقال: يا أمير المؤمنين هذا شيء قلته منذ أربعين سنة وأنا صبي، والذي أكرمك بالخلافة وورّثك ميراث النبوة ما قلت شعرا منذ أكثر من عشرين سنة إلا في زهد أو عتاب صديق، فقال له: اجلس فجلس، فناوله قدحا من نبيذ كان في يده، فقال: يا أمير المؤمنين ما غيّرت الماء بشيء قطّ مما يختلف في تحليله، فقال: لعلك تريد نبيذ التمر أو الزبيب، فقال: لا والله يا أمير المؤمنين ما أعرف شيئا منها، فأخذ القدح من يده وقال: أما والله لو شربت هذا لضربت عنقك، ولقد ظننت أنك صادق في قولك كلّه، ولكن لا يتولى لي [القضاء] أبدا رجل بدأ في قوله بالبراءة من الإسلام، انصرف إلى منزلك، وأمر علويه أن يغير ذلك ويقول:

حرمت مناي منك إن كان ذا الذي

-

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجم الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.