من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
أحمد بن أبي طاهر أبو الفضل واسم أبي طاهر طيفور
: مروروذي الأصل أحد البلغاء الشعراء الرواة، من أهل الفهم المذكورين بالعلم، وهو صاحب «كتاب تاريخ بغداد في أخبار الخلفاء والأمراء وأيامهم» مات سنة ثمانين ومائتين ودفن بباب الشام ببغداد، ومولده سنة أربع ومائتين مدخل المأمون بغداد من خراسان، ذكر ذلك ابنه عبيد الله فيما ذيله على تاريخ والده وحكاه عنه، قال: وروى عن عمر بن شبة، روى عنه ابنه عبيد الله ومحمد بن خلف بن المرزبان.
وحدث جعفر بن حمدان صاحب «كتاب الباهر» كان أحمد بن أبي طاهر مؤدّب كتّاب عاميّا ثم تخصّص وجلس في سوق الوارقين في الجانب الشرقي. قال:
ولم أر ممن شهر بمثل ما شهر به من التصنيف للكتب وقول الشعر أكثر تصحيفا منه ولا أبلد علما ولا ألحن، ولقد أنشدني شعرا يعرضه عليّ في إسحاق بن أيوب لحن في بضعة عشر موضعا منه، وكان أسرق الناس لنصف بيت وثلث بيت، قال: وكذا قال لي البحتريّ فيه، وكان مع هذا جميل الأخلاق ظريف المعاشرة حلوا من الكهول.
وحدث أبو هفّان قال: كنت أنزل في جوار المعلّى بن أيوب صاحب العرض والجيش في أيام المأمون، وكان أحمد بن أبي طاهر ينزل عندي، فأضقنا إضاقة شديدة تعذّرت علينا وجوه الحيلة، فقلت لابن أبي طاهر: هل لك في شيء لا بأس به، تدعني حتى أسجّيك وأمضي إلى منزل المعلى بن أيوب فأعمله أنّ صديقا لي قد توفي فآخذ منه ثمن كفن فننفقه، فقال: نعم، وجئت إلى وكيل المعلى فعرّفته خبرنا، فصار معي إلى منزلي، فتأمل ابن أبي طاهر ثم نقر أنفه فضرط، فقال لي: ما هذا؟ فقلت: هذه بقية من روحه كرهت نكهته فخرجت من استه، فضحك وعرّف المعلّى خبرنا فأمر لنا بجملة دنانير.
والمعلّى هذا هو الذي يقول فيه دعبل وقيل أبو علي البصير:
لعمر أبيك ما نسب المعلّىإلى كرم وفي الدنيا كريم
ولكنّ البلاد إذا اقشعرّتوصوّح نبتها رعي الهشيم
وحدّث الجهشياريّ في كتاب الوزراء قال: مدح أحمد بن أبي طاهر الحسن بن مخلد وزير المعتمد فأمر له بمائة دينار وقال: إيت رجاء الخادم فخذها منه
فلقي أحمد رجاء فقال له: لم يأمرني بشيء، فكتب إلى الحسن:
أما رجاء فأرجا ما أمرت بهفكيف إن كنت لم تأمره يأتمر
بادر بجودك مهما كنت مقتدرافليس في كلّ حال أنت مقتدر
فأمر باضعافها له.
وذكره محمد بن اسحاق النديم وقال له من الكتب: كتاب المنثور والمنظوم أربعة عشر جزءا، والذي بيد الناس ثلاثة عشر جزءا. كتاب سرقات الشعراء. كتاب بغداد. كتاب الجواهر. كتاب المؤلفين. كتاب الهدايا. كتاب المشتق المختلف من المؤتلف. كتاب أسماء الشعراء الأوائل. كتاب الموشّى. كتاب ألقاب الشعراء ومن عرف بالكنى ومن عرف بالاسم. كتاب المعرقين من الأنبياء. كتاب المعتذرين.
كتاب اعتذار وهب من ضرطته. كتاب من أنشد شعرا وأجيب بكلام. كتاب الحجاب. كتاب تربية هرمز بن كسرى أنو شروان. كتاب خبر الملك العاتي في تدبير المملكة والسياسة. كتاب الملك المصلح والوزير المعين. كتاب الملك البابلي والملك المصري الباغيين والملك الحكيم الرومي. كتاب المزاح والمعاتبات. كتاب مفاخرة الورد والنرجس. كتاب مقاتل الفرسان. كتاب مقاتل الشعراء. كتاب الخيل كبير. كتاب الطرد. كتاب سرقات البحتري من أبي تمام. كتاب جمهرة [نسب] بني هاشم. كتاب رسالته إلى إبراهيم بن المدبر. كتاب الرسالة في النهي عن الشهوات.
كتاب الرسالة إلى علي بن يحيى. كتاب الجامع في الشعراء وأخبارهم. كتاب فضل العرب على العجم. كتاب لسان العيون. كتاب أخبار المتظرفات. كتاب اختيار أشعار الشعراء. كتاب اختيار شعر بكر بن النطاح. كتاب المؤنس. كتاب الغلة
والغليل. كتاب اختيار شعر العتابي. كتاب اختيار شعر منصور النمري. كتاب اختيار شعر أبي العتاهية. كتاب أخبار بشار واختيار شعره. كتاب أخبار مروان وآل مروان واختيار أشعارهم. كتاب أخبار ابن مناذر. كتاب أخبار ابن هرمة ومختار شعره. كتاب اختيار شعر ابن الدمينة. كتاب أخبار وشعر عبيد الله بن قيس الرقيات.
وأنشد له ابنه عبيد الله في كتابه:
وما الشعر الا السيف ينبو وحدهحسام ويمضي وهو ليس بذي حدّ
ولو كان بالإحسان يرزق شاعرلأجدى الذي يكدي وأكدى الذي يجدي
ومن قوله أيضا:
قد كنت أصدق في وعدي فصيّرنيكذابة ليس ذا في جملة الأدب
يا ذاكرا حلت عن عهدي وعهدكمفنصرة الصدق أفضت بي إلى الكذب
حدث المرزباني في «كتاب المقتبس» عن عبد الله بن محمد الحليمي قال: أنشدني أحمد بن أبي طاهر لنفسه في أبي العباس المبرد:
كملت في المبرّد الآدابواستقلّت في عقله الألباب
غير أنّ الفتى كما زعم الناس دعيّ مصحّف كذاب
وحدّث عن الصولي عن أبي علي ابن عينويه الكاتب قال: حدثني أحمد بن أبي طاهر قال: خرجت من منزل أبي الصقر نصف النهار في تموز فقلت: ليس بقربي منزل أقرب من منزل المبرد إذ كنت لا أقدر أصل إلى منزلي بباب الشام، فجئته فأدخلني إلى حويشة له، وجاء بمائدة فأكلت معه لونين طيبين، وسقاني ماء باردا وقال لي: أحدثك إلى أن تنام، فجعل يحدثني أحسن حديث، فحضرني لشؤمي وقلة شكري بيتان فقلت: قد حضر بيتان أنشدهما؟ فقال: ذاك إليك، وهو يظن أني قد مدحته، فأنشدته:
ويوم كحرّ الشوق في صدر عاشقعلى أنه منه أحرّ وأومد
ظللت به عند المبرد قائلافما زلت في ألفاظه أتبرد
فقال لي: قد كان يسعك إذا لم تحمد ألّا تذم، وما لك عندي جزاء الا إخراجك، والله لا جلست عندي بعد هذا، فأخرجني فمضيت إلى منزلي بباب الشام، فمرضت من الحرّ الذي نالني مدة، فعدت باللوم على نفسي.
قال الخالدي: حدثنا جحظة عن أحمد بن أبي طاهر قال: قصدت سرّ من رأى زائرا بعض كتّابها بشعر مدحته به، فقبلني وأحسن إليّ وأجزل صلتي ووهب لي غلاما روميا حسن الوجه، ورحلت أريد بغداد سائرا على الظّهر ولم أركب الماء، فلما سرت نحو الفرسخ أخذتنا السماء بأمر عظيم من القطر، ونحن بالقرب من دير السّوسن فقلت للغلام: اعدل بنا يا بنيّ إلى هذا الدير نقيم فيه إلى أن يخفّ هذا المطر، ففعل، وازداد القطر واشتد، وجاء الليل، فقال الراهب: أنت العشية هاهنا، وعندي شراب جيّد فتبيت وتقصف، ويسكن المطر وتجفّ الطريق وتبكّر، فقلت:
أفعل، فأخرج إليّ شرابا ما رأيت قطّ أصفى منه ولا أعطر، فقلت: هات مدامك، وأمرت بحط الرحل، وبتّ والغلام يسقيني والراهب نديمي حتى متّ سكرا، فلما أصبحت رحلت وقلت:
سقى سرّ من را وسكّانهاوديرا لسوسنها الراهب
سحاب تدفّق عن رعده الصّفوق وبارقه الواصب
فقد بتّ في ديره ليلةوبدر على غصن صاحبي
غزال سقاني حتى الصباحصفراء كالذهب الذائب
على الورد من حمرة الوجنتينوفي الآس من خضرة الشارب
سقاني المدامة مستيقظاونمت ونام إلى جانبي
فكانت هناة لك الويل منجناها الذي خطّه كاتبي
فيا ربّ تب واعف عن مذنبمقرّ بزلته تائب
-
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع