تجاوز إلى المحتوى

من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)

أحمد بن علي بن المأمون النحوي اللغوي

القاضي صاحب الخط المليح والنقل الصحيح: مات في تاسع عشر شعبان سنة ست وثمانين وخمسمائة ومولده في ذي القعدة سنة تسع وخمسمائة. سألت ولده أبا محمد عبد الله بن أحمد عنه فأعطاني جزءا بخط والده هذا، وقد ضمّنه ذكر نفسه وذكر ولده، فنقلت منه جميع ما أذكره في هذ الترجمة إلا ما أبينه.

قال: «أنا أحمد بن علي بن هبة الله بن علي الزوال (وأصله الزول، وإنما غيره المتكلمون به وزادوا ألفا، والزول الرجل الشجاع، وقد ذكر ذلك في «كتاب الألفاظ» لابن السكيت) ابن محمد بن يعقوب بن الحسين بن عبد الله المأمون بالله الخليفة، ابن هارون الرشيد بالله الخليفة، ابن محمد المهدي بالله الخليفة، ابن عبد الله المنصور بالله الخليفة، ابن محمد الكامل بن علي السجاد بن عبد الله حبر الأمة، ابن العباس سيد العمومة، ابن عبد المطلب شيبة الحمد، ابن هاشم عمرو العلى، ابن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر، هو قريش، بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن

مضر بن نزار بن معد بن عدنان بن أد بن أدد بن اليسع بن الهميسع بن سلامان بن ثبت بن جميل بن قيدار بن إسماعيل بن إبراهيم الخليل بن آزر بن تارح بن ناحور بن ساروغ بن أرغو بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ، وهو إدريس، بن ليارد بن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم أبي البشر، فطرة الله ﷿. ومولدي في ضحى نهار الثلاثاء ثالث عشر ذي القعدة سنة تسع وخمسمائة، ولدت بدرب فيروز في الدار المعروفة الآن بورثة ابن الثقفي القاضي عز الدين، قاضي القضاة ﵀، وكان والدي يومئذ كاتب الزمام في الأيام المستظهرية وبعد ذلك في الأيام المسترشدية مدة. وكنت منذ نشأت ختمت القرآن وقرأته للعشرة على المرزوقي ﵀ الأمين أبي بكر، أنا وحجة الإسلام أبو محمد إسماعيل بن الجواليقي وفقه الله، وكنا نترافق حين الحداثة في القراءة على الشيوخ، ويتكثر بعضنا ببعض ونتعاضد في القراءة. وكتبت الخطّ على أبي سعيد الحسن بن منصور أبي الحسن الجزري ﵀، وكان صالحا أديبا صائم الدهر عالما في فنون من العلم فقيها، وكان والدي يؤثرني من دون إخواني لما يراه من اشتغالي بالعلم، فإنني منذ انفصلت من المكتب رجعت بقراءة النحو واللغة إلى شيخنا أوحد الزمان أبي منصور ابن الجواليقي ﵀، وصحبته إحدى عشرة سنة، وقرأت عليه كتبا كثيرة من حفظي وغير حفظي، حتى توليت القضاء سنة أربع وثلاثين وخمسمائة».

«وكان الحكم والقضاء على دجيل إلى والدي المقدم ذكره مضافا إلى الخطابة، فحين ولي أمر ديوان الزمام ببغداد ردّ القضاء إلى ولده هبة الله الملقب بتاج العلى، وكان يخاطب من الديوان العزيز مجّده الله بالأجلّ الأوحد زين الإسلام نجم الكفاة تاج العلى جمال الشرف مجد القضاة عين الكفاة، وكان بعد ذلك أضيف إليه نظر دجيل أجمع مع المخزنيات، وكان ذا سطوة وشجاعة، وثروة كبيرة، ومماليك من الأتراك والاماء والعبيد، والقرايا والأملاك، والرياسة التامة، والصيت والذكر الجميل بين العرب والعجم، وكان له معروف كبير ودار مضيف بحربيّ يجتمع إليها أمراء

العجم على طبقاتهم وغيرهم من الغرباء، وكان له نواب في القضاة بحربي والحظيرة وغيرهما، وكانت ولايته من قاضي القضاة الدامغاني إلى أن درج بالموصل مسموما مخافة منه لما شوهد من رئاسته وتبع العرب والتركمان له وحمل السلاح والجند والاستطالة العظيمة، ونفذ ميتا في شفارة حتى دفن بحربي في أواخر سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة، وانحدار ولده علي بن هبة الله بن علي طالبا مكانه ببذل المال الجمّ، وكان وزير الزمان يومئذ شرف الدين علي بن طراد الزينبي في أوائل الأيام المقتفوية، فترك مع بذله، ووليت بعد أن أحضرت، وقيل لي قد رسم توليك من غير قربة لتميزك بالعلم، وكان لي من العمر يومئذ أربع وعشرون سنة».

«واعتزى ابن أخي بعد ذلك إلى ديوان السلطنة، وخاطب الديوان العزيز في ذلك فلم يجب، ودخل في النوبة جماعة من الأهل والأكابر من ولاة الأمر، فتوسط الحال على أن يكون لولده مجلس وساطة وحكم بحربي في المداينات، وما عداها إليّ مع الخطابة وذلك نصر يقين، فكتبت رسالة إلى المواقف المقدّسة النبوية المقتفوية قدّسها الله، ومنها: «ومعاذ الله أن يقارن هذا الفتى بالعبد ولا يعرف قبيلا من دبير، ولا يؤلّف بين كلمتين في تعبير، لو سيم قراءة الفاتحة أخجلته، أو ريم منه التماس حاجة في التطهر أخفرته، وعدّ عن أسباب لا يمكن بسطها، ولا يروق خطّها. وأما العبد فطرائقه معلومة، ومآخذه مفهومة، ومحلّ الشيء عنده قابل، والجمهور إليه مائل، وسحاب الاستحقاق لما أهّل له في أرضه هاطل، ومعاذ الله أن يتغير من كريم الآراء الشريفة في حقّه رأي، أو ينفصم من تلك الوعود فيما أهّل له وأي، والوعود كالعهود، ومواقع الكلم الشريفة كالترتق في الجلمود، وهو واثق من الانعام، بما سار بين الأنام، ليغدو مستحكم الثقة بالإكرام، والأمر أعلى والسلام».

فبرز التوقيع الأشرف المقتفوي يؤمر فيه بالعمل بسابق التوقيع، وخرجت إلى العمل، وبقيت مدة. فتولى القضاء بمدينة السلام وفاء بن المرخّم وكان على حالة جليلة من الاختصاص واستخدام قضاة الأطراف من جانبه، فأبيت ذلك وخاطبت في الخروج عن

يده وإضافة باقي دجيل مع ما والاه وقاربه من لدن تكريت إلى الانبار وإلى الجبل وما والاه من بلد خانقين وروشن قبادوا إلى الحربية من الجانب الغربي ببغداد».

«وكنت أحكم في ذلك أجمع، حتى ولي المستنجد بالله ﵁ وقصر القضاة وغيرهم، وأنا في الجملة، وبقيت إحدى عشرة سنة مقصورا إلى أن توفي إلى رحمة الله بعد أن استوعب ما كنت أملكه سائره فلم أضيّع من زماني شيئا، وكتبت في الحبس ثمانين مجلدة منها «الجمهرة» لأبي بكر ابن دريد مجلدتان، «وشرح سيبويه» ثلاث مجلدات، و «إصلاح المنطق» محشّى مجلدة واحدة، و «الغريبان» للهروي مجلدة واحدة، و «أشعار الهذليين» ثلاث مجلدات، و «شعر المتنبي» مجلدة، و «غريب الحديث» لأبي عبيد مجلدتان، وأشياء يطول شرحها من الكتب الكبار، وحفّظت أولادي الختمة، وأيضا حفظتهم كتبا كثيرة في علم العربية والتفاسير وغريب القرآن والخطب والأشعار، وشرحت لهم «كتاب الفصيح»، وجمعت لهم كتابا سميته «أسرار الحروف» يبين فيه مخارجها ومواقعها من الزوائد والمنقلب والمبدل والمتشابه والمضاعف وتصريفها في المعاني الموجودة فيها والمعاني الداخلة عليها، وذكرت فيه من اشتقاق الأسماء كلّ ما تكلمت به علماء البصريين والكوفيين وغيرهم من أهل اللغة، وهو مجلدة ضخمة تحتوي على عشرين كراسة في كلّ وجهة عشرون سطرا».

«ولما درج الإمام المستنجد بالله وأتاح الله الخروج من ذلك الضيق، وولي بعده الإمام العادل الرحيم المستضيء بالله أمير المؤمنين، وشملت رحمته من كان في السجن من الأمة حتى لم يبق فيه أحدا إلّا أفرج عنه، ومن وجد له بخزانته المعمورة من ماله شيئا عليه اسمه أعاده عليه، وكل من كان في ولاية أعاده إليها، ومن وجد من ملكه شيئا تحت الاعتراض أفرج عنه وأعاده إليه، وأنا ممن أنعم في حقه بإعادة خرقة كان ختمها باقيا عليها واسمي، فيها ثلاثمائة دينار إمامية صحاح من جملة ما أخذ من مالي، فأعادها عليّ، وأعاد عليّ سهاما في ثلاث قرايا بالراذان، وقراحا ببلدة الحظيرة، وما كان فات وبيع لم يرجع، وأنعم في حقي بإعادة ولايتي عليّ وتقريبي

واستخدامي في مهامّ عدة، وكان الوسيط في ذلك كله الوزير عضد الدولة أبو الفرج ابن رئيس الرؤساء وكان محبا لاسداء العوارف والاصطناع وجذب الأتباع، وإدخال المكارم عند الرجال، وكان كريما رحب الفناء لأرباب الحوائج بعيدا ما ينفصل من بابه محروم». هذا آخر ما نقلته من خطه. واجتمعت بولده قوام الدين أبي محمد عبد الله ابن أحمد، وقد أفردت له ترجمة في هذا الكتاب، فأنشدني لوالده من حفظه:

فؤاد المشوق كثير العناومن كتم الوجد أبدى الضنا
وكم مدنف في الهوى بعدهموكانوا الأماني له والمنى
لقد خلّفوه أخا لوعةمولّه شوق يعاني المنا
ينادي من الشوق في إثرهمإذا آده ما به قد منا
بيا جسدا ناحلا بالعراقمقيما وقلبا بوادي منى
تحرّقه زفرات الحنينويغدو بهنّ الشجى ديدنا

وهي طويلة قالها في زعيم الدين ابن جعفر عند عوده من مكة.

وقرأت على ظهر كتاب ما صورته لأحمد بن المأمون:

قد كنت أركب للخيل العتاق فماأبقى لي الدهر لا بغلا ولا فرسا
وكنت أنهض بالعبء الثقيل فقدأصدّني الدهر عن نهضي به فرسا
وكم فرست أسودا عنوة عرضاوعضّني الدهر حتى خلته فرسا
فأفّ من دهرنا أفّ له فلقدأضاع حرا كريما بئسما فرسا

وله:

أهديت درجا مليحاكمثل خطّ ابن مقله
العين فيه كعينوالميم فيه كمقله
والنون فيه كنونما بين صدغ ومقله

-

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجم الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.