من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
أحمد بن محمد الصخري أبو الفضل
: قتل في أواخر سنة ست وأربعمائة، هكذا ذكر أبو محمد ابن أرسلان في «تاريخ خوارزم» وقال: هو أحد مفاخر خوارزم، أديب كامل، وعالم ماهر، وكاتب بارع، وشاعر ساحر.
قال أبو منصور الثعالبي في كتابه: له ظرف حجازي، وخطّ عراقي، وبلاغة جزلة سهلة، ومروءة ظاهرة، ومحاسن متظاهرة، وله شعر كثير يجمع فيه بين الإسراع والإبداع، ويأخذ بطرفي الإتقان والإحسان، ثم هو في الارتجال فرد الرجال، لسرعة خاطره، وسلامة طبعه، وحصول أعنّة القوافي في يده. وكان في عنفوان شبابه ألمّ بحضرة الصاحب إسماعيل بن عباد، فاقتبس من نورها، واغترف من بحورها، وانخرط في سلك أعيان أهل الفضل بها، وتزود من ثمارها، فحسن أثره، وطاب خبره، ورجع إلى أوطانه، وأقام بحضرة سلطانه، في أجلّة الكتّاب، ووجوه العمال، وهو الآن من أخصّ جلساء الأمير وأقرب ندمائه، وأفضل كتّابه وأجلّ شعرائه، ولا تكاد تخلو منه مجالس أنسه، ولا تتقشع عنه سحائب جوده، وما أكثر ما يقترح عليه الأشعار في المعاني البديعة فيتكفّل بها ويفي، ويعلّقها في الوقت والساعة بين يديه، ويعرضها عليه. وعهدي بذلك المجلس العالي ليلة من الليالي وقد جرى فيه ذكر أبي الفضل الهمذاني بديع الزمان وإعجاز لطائفة وخصائصه في الارتجالات، وسرعة إتيانه وإثباته بالاقتراحات، وأنه كان يكتب الكتاب المقترح عليه ويبتدىء بآخر سطر ثم هلم جرّا إلى السطر الأول، حتى يخرجه مستوفى الألفاظ والمعاني، كأملح شيء وأحسنه، فانتدب الصخريّ لهذه البادرة، وضمن الاستقلال بهذه الغريبة الصعبة، فرسم له على لسان الشيخ أبي الحسين السهلي أن يكتب في معنى مؤلف الكتاب كتابا إلى الدهخداه أبي سعيد محمد بن منصور الحوالي يذكر فيه
أن أخبار فلان في محاسن أدبه وبديع تأليفاته لم تزل تأتينا، ثم تشوقنا إلى مشاهدته ... الفصل، فأخذ القلم والقرطاس، وكتب أولا السطر الذي يقع في آخره إن شاء الله تعالى، ثم لم يزل يمضي قدما في الكتاب ويرتفع من عجزه إلى صدره ومن سفله إلى علوه ويصل أواخره بأوائله حتى أتمّ المعنى المقترح عليه، مع جودة الألفاظ وسهولتها وحسن مطالعها، وفرغ من الكتاب في زمان قصير المدة، وقد أخذ منه الشراب وأثرت فيه الكاسات، فوقع ذلك أحسن موقع، وعدّ من محاسنه.
وله: كتاب رسائل مدونة. كتاب ديوان شعر، مجلد.
فمن منثور كلامه: الشيخ أصدق لهجة، وأبين في الكرم محجّة، من أن يخلف برق ضمانه، ولا يمطر سحاب إحسانه، فليت شعري ما الذي فعله في أمر وليّه القاصر عليه أمله، وهل بلغ الكتاب أجله، وقد استهل الشهر الثامن استهلالا، ولا بدا لأفق مواعده هلالا.
آخر: طبع كرمه أغلب من أن يحتاج إلى هزّ، وحسام فضله أقطع من أن يهزّ لحز.
آخر: أما إني لا أرضى من كرمه العدّ، أن تجرّ أولياؤه على شوك الردّ، فبحقّ مجده المحض، الذي فاق به أهل الأرض، أن يرفع عن حاجتي قناع الخجل، ولا يقبر أملي فيها قبل حلول الأجل. وهذا قسم أرجو أن يصونه عن الحنث، وعهد أظنّ أنه لا يعرّضه للنكث.
آخر: لا أدري أأهنّىء الشيخ بعوده إلى مركزه، ومستقرّ عزه، سالما في نفسه التي سلامتها سلامة المعالي والمكارم، وهي أجسم المتاع وأنفس الغنائم، أم أهنّىء الحضرة به، فقد عاد إليها ماؤها، ورجع برجوعه حسنها وبهاؤها، أم أهنّىء الملك- ثبت الله أركانه، كما نضر بمكانه منه زمانه- فقد آب إليه رونقه، وزوال عن أمره رنقه، أم أهنّىء الفضل فقد كان ذوى عوده ثم اخضرّ وأورق، وهوى نجمه ثم أنار وأشرق، أم أهنّىء جماعة الأولياء والخدم وكافة أنشاء الكتّاب فقد عاشوا، وانتعشوا وارتاشوا، وارتفعت نواظرهم بعد الانخفاض، وانشرحت صدورهم غبّ الانقباض.
وأنا أعدّ نفسي من جملتهم، ولا أنحرف مع طول العهد عن قبلتهم.
وله: كتابي وقد عرتني علّة منعتني من استغراق المعاني واستيعابها، وإشباع
الكلم في وجوهها وأبوابها. فاختصرت وقصرت، وعلى النّبذ القصير اقتصرت، وما أعرف هذه العلة إلا من عوادي فراقه، ودواعي اشتياقه، ولئن كانت النعمة بمكانه خارجة عن القياس، غير خافية من جميع الناس، إنها ازدادت الآن ظهورا، وإن لم يكن قدرها مستورا، وقدر النعمة لا يعرف إلا بعد الزوال، ولا يتحقق إلا مع الانتقال. أهّلنا الله لعودها، لنحسن جوارها بالشكر لها وحمدها. وأصحبه السلامة حالّا ومرتحلا، ومقيما ومنتقلا، إنه خير صاحب، يصحب كلّ غائب.
وله: وصل كتاب الشيخ فيما حلّاني به من صفاته التي هو بها حال، وأنا منها خال، وقد كان أعارني منها عارية، وجدت نفسي منها عارية، لكنه نظر إليّ بعين رضاه، وشهد لي بقلب هواه. فلا ينظرنّ بعين الرضى فنظرتها ربما تجنح، ولا يشهدنّ بقلب الهوى فإنها شهادة تجرح.
وله: كلّ من ورد جناب الشيخ من أمثالي إنما ورد بأمل منفسح، ثم صدر بصدر منشرح، إذ ما امتدت إليه يد فارتدت عاطلا، ولا توجّه تلقاءه رجاء فعاد باطلا. وأنا أجلّه أن يفسخ من بينهم ذريعة رجائي، وينسخ شريعة ولائي، بل أظنّ إن لم يفضّلني عليهم في المراتب، لم ينقصني عنهم في الواجب، ثم ليس طمعي في ماله، فكفاني ما شملني من إفضاله، بل كفاه ما تكلّفه في هذا الوقت من كلفة المروّة، التي تنوء بالعصبة أولي القوّة، ولكن طمعي في جاهه ومن ضنّ به ملوم، إذ البخل به لوم.
ومن أشعاره يمدح أبا العباس خوارزمشاه:
أشبه البدر في السنا والسناءوحوى رقة الهوى والهواء
وأتى الشيب بعدها منذرا ليعن يد الدهر بالبلى والبلاء
وإذا شاء بالندى الملك العادل في المجد والعلا والعلاء
أبدل الشين منه سينا وأوطاني الثريا من الثرى والثراء
ومن شعره أيضا في الهجاء:
أيا ذا الفضائل واللام حاءوياذا المكارم والميم هاء
ويا أنجب الناس والباء سينويا ذا الصيانة والصاد خاء
ويا أكتب الناس والتاء ذالويا أعلم الناس والعين ظاء
تجود على الكلّ والدال راءفأنت السخيّ ويتلوه فاء
لقد صرت عيبا لداء البغاءومن قبل كان يعاب البغاء
وله يستهدي ماء الورد:
يا من حكى الورد الجنيّ بعرفهوبظرفه وبلطفه وبهائه
إن شئت والإفضال منك سجيةأهديت لي قارورة من مائه
وله من قصيدة في أبي الفتح البستي:
نسب كريم فاضل أنسى بهمن كان معتمدا على أنسابه
قد كنت في نوب الزمان وصرفهإذ عضّني صرف الزمان بنابه
فاليوم جانبت الحوادث جانبيإذ قد نسبت إلى كريم جنابه
ومن قصيدة في أبي الحسين السهلي:
نفس مصدّقة جميع عداتهالكن مكذّبة ظنون عداتها
همّاته حكمت على هاماتهاأن أصبحت للوحش من أقواتها
يا أحمد بن محمد يا خير منولي الوزارة عند خير ولاتها
ما دامت الأيام في الغفلات عنعرصات مجدك فاغتنم غفلاتها
وله من قصيدة:
لئن بخلت بإسعادي سعادفإني بالفؤاد لها جواد
وإن نفد اصطباري في هواهافدمع العين ليس له نفاد
أرى ثلجا بوجنتها ونارالتلك النار في قلبي اتقاد
فهب من نارها كان احتراقيفلم بالثلج ما برد الفؤاد
لاجتهدنّ في طلب المعاليبسعي ما عليه مستزاد
فإن أدركت آمالي وإلافليس عليّ إلا الاجتهاد
وله في بعض الصدور:
جمعت إلى العلا شرف الأبوهوحزت إلى الندى فضل المروه
أتيتك خادما فرفعت قدريإلى حال الصداقة والأخوه
فما شبّهتني إلا بموسىرأى نارا فشرّف بالنبوه
وله من قصيدة:
أسمعت يا مولاي دهري بعد بعدك ما صنع
أخنى عليّ بصرفهفرأيت هول المطّلع
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع