تجاوز إلى المحتوى

من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)

أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد المقرىء أبو بكر

: قال الخطيب:

كان شيخ القرّاء في وقته، والمقدم منهم على أهل عصره، مات فيما ذكره الخطيب في شعبان سنة أربع وعشرين وثلاثمائة، ودفن في مقبرة باب البستان من الجانب الشرقي، ومولده في ربيع الآخر سنة خمس وأربعين ومائتين.

قال الخطيب: وحدث عن عبد الله بن أيوب المخرمي ومحمد بن الجهم السمري وخلق غيرهما. وحدث عنه الدارقطني وأبو بكر الجعابي وأبو بكر ابن شاذان وأبو حفص ابن شاهين وغيرهم. وكان ثقة مأمونا يسكن بالجانب الغربي نحو مربعة الخرسي.

حدث أبو بكر الخطيب قال، قال ثعلب النحوي في سنة ست وثمانين ومائتين:

ما بقي من عصرنا هذا أعلم بكتاب الله من أبي بكر ابن مجاهد.

وحدث أبو بكر المحبري قال: صليت خلف أبي بكر ابن مجاهد صلاة الغداة فاستفتح بقراءة الحمد، ثم سكت، ثم استفتح ثانية ثم سكت، ثم ابتدأ بالقراءة فقلت: أيها الشيخ رأيت اليوم منك عجبا، فقال لي: شهدت المكان؟ فقلت:

نعم، فقال: أشهدك الله إن حدثت به عني إلى أن أوارى تحت أطباق الثرى، ثم قال لي: يا بني ما هو إلا أن كبّرت تكبيرة الإحرام حتى كأني بالحجب قد انكشفت ما بيني وبين ربّ العزة تعالى سرّا بسرّ، ثم استفتحت بقراءة الحمد فاستجمع كلّ حمد لله في كتابه ما بين عينّي فلم أدر بأيّ الحمدلة ابتدىء.

وحدث عيسى بن علي بن عيسى الوزير قال: أنشدني أبو بكر ابن مجاهد، وقد

جئته عائدا، وأطال عنده قوم كانوا قد حضروا لعيادته، فقال لي: يا أبا القاسم عيادة ثم ماذا؟ فصرف من حضر، ثم هممت بالانصراف معهم فأمرني بالرجوع إليه، ثم أنشدني عن محمد بن الجهم السمري:

لا تضجرنّ مريضا جئت عائدهإنّ العيادة يوم إثر يومين
بل سله عن حاله وادع الإله لهواقعد بقدر فواق بين حلبين
من زار غبّا أخا دامت مودتهوكان ذاك صلاحا للخليلين

وحدث الحسين بن محمد بن خلف المقرىء قال: سمعت أبا الفضل الزهري يقول: انتبه أبي في الليلة التي مات فيها أبو بكر ابن مجاهد فقال: يا بني ترى من مات الليلة؟ فإني قد رأيت في منامي كأنّ قائلا يقول: قد مات الليلة مقوّم وحي الله منذ خمسين سنة. فلما أصبحنا إذا ابن مجاهد قد مات، آخر ما نقلناه من «تاريخ الخطيب».

وذكره محمد بن إسحاق في كتابه فقال: كان ابن مجاهد مع ما عرف به من الفضل واشتهر عنه من العلم والنبل كثير المداعبة طيّب الخلق، وله من الكتب:

كتاب القراءات الكبير. كتاب القراءات الصغير. كتاب الياءات. كتاب الهاءات.

كتاب قراءة أبي عمرو. كتاب قراءة ابن كثير. كتاب قراءة عاصم. كتاب قراءة نافع.

كتاب قراءة حمزة. كتاب قراءة الكسائي. كتاب قراءة ابن عامر. كتاب قراءة النبي ﷺ. كتاب السبعة. كتاب انفرادات القراء السبعة. كتاب قراءة علي بن أبي طالب ﵁.

قال ابن مجاهد: سألني الوزير علي بن عيسى عن الحجة في اظهار الميم عند قوله: لهم فيها، فقلت: ليس الحجة عليّ، أنا رأيت ميما وفاء فنطقت بهما، الحجة عليّ حين أدغم.

نقلت من خط أبي سعد السمعاني واختياره لتاريخ يحيى بن منده، سمعت الإمام أبا المظفر عبد الله بن شيث المقرىء يقول، سمعت أحمد بن منصور المذكّر

يقول، سمعت أبا الحسن ابن سالم البصري الصوفيّ يقول- وهو صاحب سهل بن عبد الله التستري- قال سمعت أبا بكر محمد بن مجاهد المقرىء يقول: رأيت رب العزة في المنام، فختمت عليه ختمتين، فلحنت في موضعين فاغتممت، فقال: يا ابن مجاهد الكمال لي الكمال لي.

قرأت في «تاريخ خوارزم» في ترجمة أبي سعيد أحمد بن محمد بن حمديج الحمديجي قال: كنت أختلف إلى أبي بكر ابن مجاهد المقرىء البغدادي، فكان يكرمني لفقهي، فاشتهيت أن أقرأ عليه لما رأيت من ولوع الناس بالقراءة عليه، فقلت له: إني أريد أن أقرأ عليك القرآن، فقال: نعم إن كنت تريد القراءة فاجلس مجلس التلامذة، قال: فتحولت من جنبه إلى بين يديه، فلما افتتحت القراءة على رسم العامة وقلت: بسم الله الرحمن الرحيم قال: أو كذا تقرأ اذهب إلى ذلك الفتى حتى يرشدك ثم اقرأ عليّ فخجلت من ذلك وترك إكرامي كما كان يكرمني قبل ذلك لما عرف بضاعتي في القراءة.

وقال التنوخي: بلغني عن أبي بكر ابن مجاهد أنه قال: الناس أربعة: مليح يتبغض لملاحته فيحتمل، وبغيض يتملّح فذاك الحمى والداء الذي لا دواء له، وبغيض يتبغض فيعذر لأنه طبعه، ومليح يتملح فتلك الحياة الطيبة.

قرأت بخط ابن مختار العلوي قال ابن خالويه: كنت عند أبي عمر الزاهد فجاء شابّ مقرىء من أهل باب الشام فقال: سمعت ابن مجاهد يقول: رأيت رسول الله في النوم فقرأت عليه سورة الأنعام، فلما بلغت إلى رأس خمس وثلاثين إنما يستجيب الذين يسمعون

(الأنعام:) أومأ بيده إليّ أن قف، فوقفت فقلت:

لو كان [ابن] مجاهد على مائة فرسخ وجب أن أصير إليه لأسمع هذه الحكاية منه، فصرت إليه من جامع المدينة إلى سوق العطش فسألته فقال: لا والله ما كان من هذا شيء، وهذا بالحقيقة وقف حسن.

ومن تاريخ ابن بشران: كان ابن مجاهد كثيرا ما ينشد:

إذا عقد القضاء عليك أمرافليس يحلّه إلّا القضاء
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «إذا عقد القضاء عليك أمرا»

قال: وذكر عن ابن مجاهد أنه حضر وجماعة من أهل العلم في بستان، وداعب وقال وقد لاحظه بعضهم: التعاقل في البستان كالتخالع في المسجد.

وروي عن أبي طالب الهاشمي صهر أبي بكر ابن مجاهد قال: كنت عند ابن مجاهد وقد حضرته الوفاة، فقال لي: أخرج من ها هنا من أهلنا، قال: ففعلت ذلك، ثم قال لي: وتباعد أنت أيضا، فوقفت عنه بعيدا فاستقبل القبلة وأقبل يتلو آيات من القرآن ثم خفت صوته فلم يزل يتشاهد إلى أن طفي.

قال: وكان له جاه عريض عند السلطان، وسأله بعض أصحابه كتابا إلى هلال بن بدر في حاجة له، فكتب إليه كتابا وختمه ولم يقف عليه فلما صار إلى هلال وسلّم إليه الكتاب قضى حوائجه وبلغ له فوق ما أراد، فلما أراد أن ينصرف قال له:

تدري ما في كتابك؟ قال: فأخرجه وفيه بسم الله الرحمن الرحيم حامل كتابي إليك حامل كتاب الله عني، والسلام، وصلى الله على سيدنا محمد وآله أجمعين.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجم الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.