من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
أبو أحمد النهرجوري الشاعر العروضي
: له في العروض تصانيف، وهو به عارف حاذق يجري مجرى أبي الحسن العروضي والعمراني وغيرهما فيه، وهو مع ذلك شاعر متوسط الطبقة، وهو من أهل البصرة. حدثني أبو الحسن علي بن محمد بن نصر الكاتب قال: اجتمعت به بالبصرة في سنة تسع وتسعين وثلاثمائة وأنا في جملة أبي العباس ابن ماسرجيس وسافرنا عنها إلى أرّجان [مع] بهاء الدولة، وخرج النهرجوري معنا وأقام في مصاحبته إلى أن تقلد أبو الفرج محمد بن علي الخازن البصرة في أواخر سنة اثنتين وأربعمائة فعاد معه إليها، ثم وردتها في ذي القعدة
سنة ثلاث وأربعمائة متصلا بخدمة شاهنشاه الأعظم جلال الدولة ابن بهاء الدولة وقد مات النهرجوري قبل ذلك بشهور بعلة طريفة لحقته من ظهور القمل في جسمه عند حكه إياه إلى أن مات. وكان شيخا قصيرا شديد الأدمة سخيف اللبسة وسخ الجملة سيّء المذهب متظاهرا بالإلحاد غير مكاتم له، ولم يتزوج قط ولا أعقب، وكان قويّ الطبقة في الفلسفة وعلوم الأوائل، ومتوسطا في علوم العربية وعلمه بها أكثر من شعره. وكان ثلّابة للناس هجاء قليل الشكر لمن يحسن إليه غير مراع لجميل يسدى إليه. وأنشدني أشياء كثيرة من شعره ومنه:
من عاذري من رئيسيعدّ كسبي حسبي
لما انقطعت إليهحصلت منقطعا بي
فسمع ذلك أبو العباس ابن ماسرجيس فقال: هذا تدليس منه وأنا المقصود بالهجو، وإنما قال: من عاذري من وزير، وقد راقبني في تعبيره، فلما توفي النهرجوري حمل إلى أبي العباس مسوّداته، فوجد فيها القطعة منسوبة إليه فأخرجها ووقفني عليها وعرفني صحّة حدسه فيه.
ومن شعره في أبي الوفاء ابن الصيقل:
ما استخرج المال بمثل العصالطالبيه من أبي الغدر
أليس قد أخرج موسى بهالقومه الماء من الصخر
وله أيضا:
صاح نديمي وشفّه الطربيا قومنا إنّ أمرنا عجب
نار إذا الماء مسها زفرتكأنها لالتهابها حطب
وله يهجو طبيبا من أهل الأبلّة يعرف بابن غسان، وكان قد أغري بهجائه:
يا طبيبا داوى كساد ذوي الأكفان حتى أعادهم في نفاق
إن تكن قد وصلت رزقهم فيها فكم قد قطعت من أرزاق
وقّع الله في جبينك للأرزاق أن ودّعي وداع الفراق
وله فيه أيضا:
يا ابن غسان أنت ناقضت عيسىفهو يحيي الموتى وأنت تميت
يشهد القلب أنه يقدم الغاسلأو أنّ دسته تابوت
وقال في أبي إسحاق الصابىء يمدحه وهو بالبصرة بقصيدة أولها:
لا يذهبنّ عليك في العوّادضعف القوى وتفتت الأكباد
لا تسألي عني سواك فإنماذكراك أنفاسي وحبّك زادي
يا سمحة بدمي على تحريمهفيما يظنّ أصادق وأعادي
حاشاك أن ألقاك غير بخيلةأو أن أرى ما لا يزين رشادي
وله يهجو امرأة:
تموت من شهوة الضراط ولايسعدها دبرها بتصويت
كأنها إذ تناك خابيةتغسل ملقيّة لتزفيت
وله أيضا:
لو كان يورث بالمشابه ميّتلملكت بالأعضاء ما لا يملك
نغل مخايله تخبّر أنهفي الناس من نطف الجميع مشبّك
قالوا: ولم يكن وسخه وقذارته عن فقر، فإن حاله كانت مستقيمة حسنة، بل كانت لعادة سيئة فيه، وكان الناس يتقون لسانه وكثرة هجائه.
قال ابن نصر: ومدح أبو أحمد النهرجوري أبا الفرج منصور بن سهل المجوسي عامل البصرة، فأعطاه صلة حاضرة هنية والتفّ به الحواشي فطالبوه، فكتب رقعة ودفعها إلى بعض الداخلين إليه وقال: تسلّم هذه إلى الأستاذ، وكان فيها:
أجازني الأستاذ عن مدحتيجائزة كانت لأصحابه
ولم يكن حظي منها سوىجهبذتي يوما على بابه
فلما وصلت إليه الرقعة خرّج في الحال من صرف الحواشي عنه، وصار معه حتى دخل منزله.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع