من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
إسماعيل بن حماد الجوهري أبو نصر الفارابي
: ابن أخت أبي إسحاق الفارابي صاحب «ديوان الأدب»، وكان الجوهري هذا من أعاجيب الزمان ذكاء وفطنة وعلما، وأصله من بلاد الترك من فاراب، وهو إمام في علم اللغة والأدب، وخطّه يضرب به المثل في الجودة لا يكاد يفرّق بينه وبين خطّ أبي عبد الله ابن مقلة، وهو مع ذلك من فرسان الكلام في الأصول. وكان يؤثر السفر على الحضر، ويطوف الآفاق، واستوطن الغربة على ساق، دخل العراق فقرأ علم العربية على شيخي زمانه ونور عين أوانه: أبي علي الفارسي وأبي سعيد السيرافي، وسافر إلى أرض الحجاز، وشافه باللغة العرب العاربة، وقد ذكر هو ذلك في مقدمه «كتاب الصحاح» من تصنيفه، وطوّف بلاد ربيعة ومضر، وأجهد نفسه في الطلب، ولما قضى وطره من التطواف عاد راجعا إلى خراسان، وتطرّف الدامغان، فأنزله أبو علي الحسين بن علي، وهو من أعيان الكتاب وأفراد الفضلاء، عنده، وأخذ عنه وسمع منه، ثم سرّحه إلى نيسابور، فلم يزل مقيما بها على التدريس والتأليف وتعليم الخط وكتابة المصاحف والدفاتر حتى مضى لسبيله عن آثار جميلة.
وذكره أبو الحسين الباخرزي فقال: هو صاحب «صحاح اللغة» لم يتأخر فيها عن شرط أقرانه، ولا انحدر عن درجة أبناء زمانه، أنشدني الأديب يعقوب بن أحمد قال، أنشدني الشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن صالح الوراق تلميذ الجوهري ﵀ له:
يا ضائع العمر بالأمانيأما ترى رونق الزمان
فقم بنا يا أخا الملاهينخرج إلى نهر بشتقان
لعلّنا نجتني سروراحيث جنى الجنتين دان
كأننا والقصور فيهابحافتي كوثر الجنان
والطير فوق الغصون تحكيبحسن أصواتها الأغاني
وراسل الورق عندليبكالزير والبمّ والمثاني
وبركة حولها أناختعشر من الدّلب واثنتان
فرصتك اليوم فاغتنمهافكلّ وقت سواه فان
وله من التصانيف: كتاب في العروض جيد بالغ سماه «عروض الورقة».
كتاب المقدمة في النحو. كتاب الصحاح في اللغة. وهذا الكتاب هو الذي بأيدي الناس اليوم وعليه اعتمادهم، أحسن تصنيفه، وجوّد تأليفه، وقرّب متناوله، وأبرّ في ترتيبه على من تقدمه، يدلّ وضعه على قريحة سالمة ونفس عالمة؛ فهو أحسن من «الجمهرة» وأوقع من «تهذيب اللغة» وأقرب متناولا من «مجمل اللغة»، فيه يقول الشيخ أبو محمد إسماعيل بن محمد بن عبدوس النيسابوري:
هذا كتاب الصحاح أحسن ماصنّف قبل الصحاح في الأدب
يشمل أبوابه ويجمع مافرّق في غيره من الكتب
هذا مع تصحيف فيه في مواضع عدة أخذها عليه المحققون وتتبعها العالمون، ومن ذا الذي ما ساء قط؟ ومن له الحسنى فقط؟ فإنه ﵀ غلط وأصاب، وأخطأ المرمى وأصاب، كسائر العلماء الذين تقدموه وتأخروا عنه، فإني لا أعلم في الدنيا كتابا سلّم إلى مؤلفه فيه، ولم يتبعه بالتتبع من يليه.
وذكره أبو الحسن علي بن فضال المجاشعي في كتابه الذي سماه «بحر الذهب في معرفة أئمة الادب» فقال: كان الجوهري قد صنف «كتاب الصحاح» للأستاذ أبي منصور عبد الرحيم بن محمد البيشكي، وسمعه منه إلى باب الضاد المعجمة، واعترى الجوهري وسوسة فانتقل إلى الجامع القديم بنيسابور، فصعد إلى سطحه وقال: أيها الناس إني عملت في الدنيا شيئا لم أسبق [إليه] فسأعمل للآخرة أمرا لم أسبق إليه، وضمّ إلى جنبيه مصراعي باب وسّطهما بحبل وصعد مكانا عاليا من الجامع وزعم أنه يطير، فوقع فمات، وبقي بقية الكتاب مسوّدة غير منقح ولا مبيض، فبيّضه أبو إسحاق إبراهيم بن صالح الوراق تلميذ الجوهري بعد موته، فغلط فيه في عدة مواضع غلطا فاحشا.
وكان الجوهري يجيد قول الشعر، فمن ذلك:
رأيت فتى أشقرا أزرقاقليل الدماغ كثير الفضول
يفضّل من حمقه دائبايزيد بن هند على ابن البتول
قال المؤلف: وكنت بحلب في سنة إحدى عشرة وستمائة في منزل القاضي الأكرم والصاحب الأعظم أبي الحسن علي بن يوسف بن إبراهيم الشيباني، فتجارينا أمر الجوهريّ وما وفّق له من حسن التصنيف، ثم قلت له: ومن العجب أني بحثت عن مولده ووفاته بحثا شافيا، وسألت عنهما الواردين من نيسابور فلم أجد مخبرا عن ذلك، فقال لي: لقد بحثت قبلك عن ذلك فلم أر مخبرا عنه، فلما كان من غد ذلك اليوم جئته فقال لي: ألا أخبرك بطريفة؟ إنني رأيت في بارحتنا في النوم قائلا يقول لي: مات إسماعيل بن حماد الجوهري في سنة ست وثمانين وثلاثمائة ولعمري وان كان المنام مما لا يقطع به ولا يعمل عليه فهذا بلا شك زمانه وفيه كان أوانه، لأن شيخيه أبا علي وأبا سعيد ماتا قبل هذه المدة بسنين يسيرة. ثم وجدت نسخة بديوان الأدب بخطّ الجوهري بتبريز وقد كتبها في سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة، ثم وقفت على
نسخة بالصحاح بخطّ الجوهري بدمشق عند الملك المعظم بن العادل بن أيوب صاحب دمشق وقد كتبها في سنة ست وتسعين وثلاثمائة.
وقد ذكره أبو منصور عبد الملك بن محمد الثعالبي في «كتاب يتيمة الدهر» وأنشد من شعره:
لو كان لي بدّ من الناسقطعت حبل الناس بالياس
العزّ في العزلة لكنّهلا بدّ للناس من الناس
وأنشد له:
وها أنا يونس في بطن حوتبنيسابور في ظلل الغمام
فبيتي والفؤاد ويوم دجنظلام في ظلام في ظلام
وأنشد له:
زعم المدامة شاربوها أنهاتنفي الهموم وتذهب الغما
صدقوا سرت بعقولهم فتوهمواأن السرور بها لهم تما
سلبتهم أديانهم وعقولهمأرأيت عادم ذين مغتمّا
ومن شعره:
يا صاحب الدعوة لا تجزعنفكلنا أزهد من كرز
فالماء كالعنبر في قومسمن عزّه يجعل في الحرز
فسقّنا ماء بلا منّةوأنت في حلّ من الخبز
قال مؤلف الكتاب: وذكر محمود بن أبي المعالي الحواري في «كتاب ضالة الأديب من الصحاح والتهذيب» - بعد أن ذكر قصة الجوهري كما ذكرها المجاشعي
سواء، من تصنيفه الكتاب للبيشكي، وقراءة الناس عليه إلى باب الضاد، وشدّه مصراعي الباب وطيرانه، ثم قال: وسألت الإمام سعيد ابن الامام أحمد بن محمد الميداني عن الخلل الواقع في هذا الكتاب فقال مثل ما ذكرناه: إن هذا الكتاب قرىء عليه إلى باب الضاد فحسب، وبقي أكثر الكتاب على سواده، ولم يقدّر له تنقيحه ولا تهذيبه، فلهذا يقول في باب السين: قيس أبو قبيلة من مضر، واسمه الياس بنقطتين تحتها، ثم يقول في فصل النون من هذا الباب: الناس بالنون اسم قيس عيلان، فالأول سهو والثاني صحيح. ثم قال: ومن زعم أنه سمع عن الجوهري شيئا من الكتاب زيادة على أول الكتاب إلى باب الضاد فهو مكذوب عليه. قال: ورأيت أنا نسخة السماع وعليها خطّه إلى باب الضاد، وهي الآن موجودة في بلادنا، والله أعلم بحقيقته. قال: والكتاب بخط مؤلفه عند أبي محمد إسماعيل بن محمد بن عبدوس النيسابوري وفيه يقول، وذكر البيتين المتقدمين. قال وقال الثعالبي في أثناء كتابه يعني «يتيمة الدهر»: إن تلك النسخة بيعت بمائة دينار نيسابورية وحملت إلى جرجان، والعلم عند الله في ذلك.
قال المؤلف: وأما البيشكي الذي صنّف له الكتاب فقد ذكره عبد الغافر الفارسي في «السياق» فقال: هو عبد الرحيم بن محمد البيشكي الأستاذ الامام أبو منصور بن أبي القاسم الأديب الواعظ الأصولي، من أركان أصحاب أبي عبد الله- يعني الحاكم بن عبد الله بن البيع- له المدرسة والأصحاب والأوقاف والأسباب والتدريس والمناظرة والنثر والنظم، توفي في جمادى الأولى سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة.
ووجدت على ظهر «كتاب الصحاح» وكانت مجلدة واحدة كاملة بخطّ الحسن بن يعقوب بن أحمد النيسابوري اللغوي الأديب ما صورته: قرأ عليّ هذا الكتاب من أوله إلى آخره، بما عليه من حواشيه من الفوائد، معارضا بنسختي
مصححا إياها، صاحبه الفقيه الفاضل السديد الحسين بن مسعود الصرام، بارك الله له فيه، وهو إجازة لي عن الاستاذ أبي منصور عبد الرحيم بن محمد البيشكي عن المصنف، وكتبه الحسن بن يعقوب بن أحمد في شهر الله الاصم سنة احدى وسبعين وأربعمائة؛ فهذا كما تراه مخالف لما تقدم من أنّ الجوهري لم يعمل من الكتاب إلا إلى باب الضاد.
ومن كتابه الموسوم ب «الصحاح»: النخيس: البكرة يتّسع ثقبها الذي يجري فيه المحور مما يأكله المحور فيعمدون إلى خشيبة فيثقبون وسطها ثم يلقمونها ذلك الثقب المتسع، ويقال لتلك الخشيبة النخاس، وسألت أعرابيا بنجد من بني تميم، وهو يستقي وبكرته نخيس، فوضعت إصبعي على النخاس فقلت: ما هذا؟
وأردت أن أتعرف منه الخاء من الحاء فقال: نخاس، بخاء معجمة، فقلت: أليس قال الشاعر:
وبكرة نحاسها نحاس
فقال: ما سمعنا بهذا في آبائنا الاولين.
ومن كتابه في باب بقّم: وقلت لأبي علي الفارسي: أعربيّ هو؟ فقال:
معرب، قال: وليس في كلامهم اسم على فعل الا خمسة خضّم بن عمرو بن تميم وبالفعل سمّي، وبقّم لهذا الصبغ، وشلّم موضع بالشام، وهما أعجميان وبذّر اسم ماء من مياه العرب، وعثّر موضع، ويحتمل أن يكونا سميا بالفعل، فثبت أنّ فعّل ليس من أصول أسمائهم وانما يختص بالفعل، فإذا سميت به رجلا لم ينصرف في المعرفة للتعريف ووزن الفعل، وينصرف في النكرة.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع