تجاوز إلى المحتوى

من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)

إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد بن درهم

أبو إسحاق الأزدي مولى آل جرير بن حازم: من أهل البصرة، مات فيما ذكره الخطيب سنة اثنتين وثمانين ومائتين ومولده سنة مائتين، مات فجأة.

قال التنوخي، حدثني أبو الفرج الأصبهاني أن القاضي إسماعيل لبس سواده ليخرج إلى الجامع فيحكم، ولبس أحد خفّيه وأراد أن يلبس الآخر فمات، وهو قاض على جانبي بغداد جميعا. سمع محمد بن عبد الله الأنصاري ومسدد بن مسرهد وعلي بن المديني وغيرهم. روى عنه موسى بن هارون الحافظ وعبد الله بن أحمد بن حنبل ويحيى بن صاعد وكثيرون. وكان فاضلا عالما متقنا فقيها على مذهب مالك بن أنس، شرح مذهبه ولخصه واحتج له، وصنّف المسند وكتبا عدة في علوم القرآن، وجمع كتاب حديث مالك وكتاب يحيى بن سعيد الأنصاري وكتاب أيوب السختياني، واستوطن بغداد قديما وولي القضاء بها ولم يزل يتقلده إلى حين وفاته.

قال الخطيب، قال طلحة بن محمد بن جعفر الشاهد: إسماعيل بن إسحاق

منشأه البصرة، وأخذ الفقه على مذهب مالك عن أحمد بن المعذّل، وتقدم في هذا المذهب حتى صار علما فيه، ونشر من مذهب مالك وفضله ما لم يكن بالعراق في وقت من الأوقات، وصنّف في الاحتجاج لمذهب مالك والشرح له ما صار لأهل هذا المذهب مثالا يحتذونه وطريقا يسلكونه، وانضاف إلى ذلك علمه بالقرآن فإنّه صنّف في القرآن كتبا تتجاوز كثيرا من الكتب المصنفة فيه، فمنها كتاب في أحكام القرآن، وهو كتاب لم يسبقه أحد من أصحابه إلى مثله. وكتاب في القراءات، وهو كتاب جليل القدر عظيم الخطر. وكتاب في معاني القرآن، وهذان الكتابان يشهد بفضله فيهما واحد زمانه، ومن انتهى إليه العلم في النحو واللغة في أوانه، وهو المبرد.

ورأيت أبا بكر ابن مجاهد يصف العلم بهذين الكتابين، وسمعته مرّات لا أحصيها يقول: القاضي إسماعيل أعلم مني بالتصريف. وبلغ من العمر ما صار به واحدا في عصره في علوّ الإسناد، لأن مولده في سنة تسع وتسعين ومائة، فحمل الناس عنه من الحديث الحسن ما لم يحمل عن كثير أحد، وكان الناس يصيرون إليه فيقتبس منه كلّ فريق علما لا يشاركه فيه الآخر فمن قوم يحملون الحديث، ومن قوم يحملون علم القرآن والقراءات والفقه إلى غير ذلك مما يطول شرحه، فأما سداده في القضاء، وحسن مذهبه فيه، وسهولة الأمر عليه فيما كان يلتبس على غيره، فشيء شهرته تغني عن ذكره. وكان في أكثر أوقاته وبعد فراغه من الخصوم متشاغلا بالعلم لأنه اعتمد على كاتبه أبي عمر محمد بن يوسف فكان يحمل عنه أكثر أمره من لقاء السلطان وينظر في كلّ أمره، وأقبل هو على الحديث والعلم. قال أبو العباس محمد بن يعقوب الأصمّ: كان إسماعيل بن إسحاق نيفا وخمسين سنة على القضاء ما عزل عنه إلا سنتين. قال الخطيب: وهذا القول فيه تسامح، وذلك أنّ ولاية إسماعيل للقضاء ما

بين ابتدائها إلى حين وفاته لم تبلغ خمسين سنة، وأول ما ولي في خلافة المتوكل لمّا مات سوار بن عبد الله بن سوار بن عبد الله، وكان قاضي القضاة بسرّ من رأى جعفر ابن عبد الواحد الهاشمي، فأمره المتوكل أن يولّي إسماعيل قضاء الجانب الشرقي من بغداد سنة ست وأربعين ومائتين، ولم يعزله أحد من الخلفاء غير المهتدي، فإنه نقم على أخيه حماد بن إسحاق شيئا فضربه بالسياط وعزل إسماعيل، إلى أن قتل المهتدي وولي المعتمد فأعاده إلى القضاء، فلم يزل على قضاء بغداد بالجانبين إلى أن مات، ولم يقلد قضاء القضاة لأنّ قاضي القضاة كان الحسن بن أبي الشوارب وكان يكون حينئذ بسامرّا.

وحدث الخطيب قال، قال المبرد: لما توفيت والدة القاضي إسماعيل رأيت من وجهه ما لم يقدر على ستره، وكان كلّ يعزّيه، وقد كاد لا يسلو، فسلّمت عليه ثم أنشدته:

لعمري لئن عال ريب الزمانفساء لقد عال نفسا حبيبه
ولكنّ علمي بما في الثوابعند المصيبة ينسي المصيبه

فتفهم كلامي واستحسنه، ودعا بدواة وكتبه، ثم انبسط وزالت عنه تلك الكآبة والجزع.

قال إبراهيم بن حماد: أنشدني عمي إسماعيل القاضي:

همم الموت عاليات فمنثمّ تخطّى الى لباب اللباب
ولهذا قيل الفراق أخو الموتلإقدامه على الأحباب

قال: ودخل إلى القاضي إسماعيل بن إسحاق عبدون بن صاعد الوزير،

وكان نصرانيا، فقام له ورحب به، فرأى إنكار الشهود ومن حضره، فلما خرج قال لهم: قد علمت إنكاركم وقد قال الله تعالى: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم

(الممتحنة:) وهذا الرجل يقضي حوائج المسلمين، وهو سفير بيننا وبين خليفتنا، وهذا من البر، فسكتت الجماعة.

قرأت بخط أبي سعد السمعاني باسناد له رفعه إلى أبي العباس ابن الهادي قال:

كنت عند إسماعيل بن إسحاق القاضي في منزله، فخرج يريد صلاة العصر ويدي في يده، فمرّ بابن البري وكان غلاما جميلا فنظر إليه فقال وهو يمشي إلى المسجد:

لولا الحياء وأنني مشهوروالعيب يعلق بالكبير كبير
للشاعر منصور بن اسماعيل الفقيه، اقرأ القصيدة
لحللت منزلها الذي تحتلّهولكان منزلنا هو المهجور

وانتهى إلى مسجد على باب داره فقال: الله أكبر الله أكبر، ثم مرّ في أذانه؛ والشعر لابراهيم بن المهدي.

وحكى أبو حيان هذه الحكاية كما مرّ وزاد فيها: فقيل له افتتحت الأذان بقول الشعر؟ فقال: دعوني فو الله لو نظر أمير المؤمنين إلى ما نظرت إليه لشغله عن تدبير ملكه، قيل له: فهل قلت شيئا آخر فيه؟ قال: نعم أبيات عبثت بي وأنا في المحراب فما استتممت قراءة الحمد حتى فرغت منها، وهي:

ألحاظه ترجمان منطقهووجهه نزهة لعاشقه
هذّبه الظرف والكمال فمايمرّ عيب على طرائقه
قد كثرت قالة العباد فماتسمع إلا سبحان خالقه

ومن «كتاب القضاة» لابن سمكة قال: لما مات إسماعيل بن إسحاق بقيت بغداد ثلاثة أشهر بغير قاض حتى ضجّ الناس ورفع إلى المعتضد، فاختار عبيد الله بن سليمان ثلاثة قضاة: أبا حازم وعليّ بن أبي الشوارب ويوسف، وهو ابن عم إسماعيل بن إسحاق، فولّى أبا حازم الكرخ، وابن أبي الشوارب مدينة المنصور، ويوسف الجانب الشرقي. قال: وأخبرني الثقة أن إسماعيل دخل على الموفق فقال له: ما تقول في النبيذ؟ فقال: أيها الأمير إذا أصبح الإنسان وفي رأسه شيء منه يقال له ماذا؟ فقال الموفق: يقال هو مخمور، قال: فهو كاسمه.

وحدث المحسن قال: سمعت أبي يحكي عن أبي عمر القاضي قال: عرض القاضي إسماعيل على عبيد الله بن سليمان وزير المعتضد رقعة في حوائج الناس [فوقع فيها] فعرض أخرى وقال: إن أمكن الوزير أن يوقّع وقّع، وعرض أخرى وقال شيئا من هذا الجنس، فقال له عبيد الله: يا أبا إسحاق كم تقول: إن أمكن وإن جاز وإن سهل؟ من قال لك إنه يجلس هذا المجلس أحد ثم يتعذر عليه شيء على وجه الأرض من الأمور فقد كذبك، هات رقاعك كلّها في موضع واحد، قال: فأخرجها إسماعيل من كمه وطرحها بين يديه، فوقّع فيها فكانت مع ما وقّع فيه قبل الكلام وبعده نحو الستين رقعة، ﵀ فما أصدق ما كانت رغبته إلى الله ﷿.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجم الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.