من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
اسماعيل بن القاسم بن عيذون بن هارون بن عيسى
بن محمد بن سليمان المعروف بالقالي، أبو علي البغدادي مولى عبد الملك بن مروان: ولد بمنازجرد من ديار بكر، ودخل بغداد سنة ثلاث وثلاثمائة وأقام بها إلى سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، مات بقرطبة في ربيع الآخر سنة ست وخمسين وثلاثمائة ومولده في سنة ثمانين ومائتين، وفي أيام الحكم المستنصر كانت وفاته. سمع من أبي القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي وأبي سعيد الحسين بن علي بن زكرياء بن يحيى بن صالح بن عاصم بن زفر العدوي وأبي بكر عبد الله بن أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني، وقرأ على أبي بكر ابن دريد وأبي بكر ابن السراج وأبي عبد الله نفطويه وأبي إسحاق الزجاج وأبي الحسن علي بن سليمان الأخفش وأبي عمر الزاهد، وقرأ كتاب سيبويه على ابن درستويه وسأله عنه حرفا حرفا. وأما نسبته فإنه منسوب
إلى قالي قلا، بلد من أعمال أرمينية. قال القالي. لما دخلت [بغداد] انتسبت إلى قالي قلا رجاء الانتفاع بذلك لأنها ثغر من ثغور المسلمين لا يزال بها المرابطون.
فلما تأدّب ببغداد ورأى أنه لا حظّ له بالعراق قصد بلاد الغرب، فوافاها في أيام المتلقب بالحكم المستنصر بالله بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف- قالوا: وهذا أول من دعي من هؤلاء بالغرب أمير المؤمنين، إنما كان المتولون قبله يدعون ببني الخلائف-. فوفد القالي إلى الغرب في سنة ثلاثين وثلاثمائة، فأكرمه صاحب الغرب وأفضل عليه إفضالا عمّه، وانقطع هناك بقية عمره، وهناك أملى كتبه أكثرها عن ظهر قلب: منها كتاب الأمالي، معروف بيد الناس كثير الفوائد غاية في معناه؛ قال أبو محمد ابن حزم: كتاب نوادر أبي علي مبار للكتاب «الكامل» الذي جمعه المبرد، ولئن كان كتاب أبي العباس أكثر نحوا وخبرا فإن كتاب أبي علي أكثر لغة وشعرا. وكتاب الممدود والمقصور رتّبه على التفعيل ومخارج الحروف من الحلق، مستقصى في بابه لا يشذّ منه شيء في معناه، لم يوضع مثله. وكتاب الإبل ونتاجها وما تصرف معها. وكتاب حلي الانسان والخيل وشياتها. وكتاب فعلت وأفعلت. كتاب مقاتل الفرسان. كتاب تفسير السبع الطوال. كتاب البارع في اللغة على حروف المعجم، جمع فيه كتب اللغة، يشتمل على ثلاثة آلاف ورقة، قال الزبيدي: ولا نعلم أحدا من المتقدمين ألّف مثله. قرأت بخط أبي بكر محمد بن طرخان بن الحكم قال الشيخ الإمام أبو محمد [ابن] العربي: كتاب البارع لأبي علي القالي يحتوي على مائة مجلد لم يصنّف مثله في الإحاطة والاستيعاب؛ إلى كتب كثيرة ارتجلها وأملاها عن ظهر قلب كلها. قال الحميدي: وممن روى عن القالي
أبو بكر محمد بن الحسن الزبيدي النحوي صاحب كتاب «مختصر العين» و «أخبار النحويين» وكان حينئذ إماما في الأدب، ولكن عرف فضل أبي علي فمال إليه واختصّ به واستفاد منه وأقرّ له.
قال الحميدي: وكان أقام ببغداد خمسا وعشرين سنة ثم خرج منها قاصدا إلى المغرب سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة ووصل إلى الأندلس في سنة ثلاثين وثلاثمائة في أيام عبد الرحمن الناصر، وكان ابنه الأمير أبو العاص الحكم بن عبد الرحمن من أحبّ ملوك الأندلس للعلم وأكثرهم اشتغالا به وحرصا عليه، فتلقاه بالجميل وحظي عنده وقرب منه وبالغ في إكرامه، ويقال إنه هو الذي كتب إليه ورغّبه في الوفود عليه.
واستوطن قرطبة ونشر علمه بها.
قال: وكان إماما في علم العربية متقدما فيها متقنا لها، فاستفاد الناس منه وعوّلوا عليه، واتخذوه حجة فيما نقلوه. وكانت كتبه على غاية التقييد والضبط والاتقان. وقد ألّف في علمه الذي اختصّ به تآليف مشهورة تدلّ على سعة علمه وروايته. وحدّث عنه جماعة منهم أبو محمد عبد الله بن الربيع بن عبد الله التميمي، ولعله آخر من حدث عنه، وأحمد بن أبان بن سيد، والزبيدي كما ذكرنا آنفا. قال:
وكان أعلم الناس بنحو البصريين وأرواهم للشعر مع اللغة.
قال الزبيدي: وسألته لم قيل له القالي فقال: لما انحدرنا إلى بغداد كنّا في رفقة فيها أهل قالي قلا، وهي قرية من قرى منازجرد، وكانوا يكرمون لمكانهم من الثغر، فلما دخلت بغداد نسبت إليهم لكوني معهم، وثبت ذلك عليّ.
قال الحميدي: وكان الحكم المستنصر قبل ولايته الأمور وبعد أن صارت إليه يبعثه على التأليف، وينشطه بواسع العطاء، ويشرح صدره بالإجزال في الإكرام.
وكانوا يسمونه بالبغدادي لكثرة مقامه [بها] ووصوله إليهم منها.
قال السلفي بإسناد له: أخبرنا القاضي أبو الحكم منذر بن سعيد البلوطي قال:
كتبت إلى أبي علي البغدادي القالي أستعير منه كتابا من «الغريب» وقلت:
بحقّ ريم مهفهفوصدغه المتعطّف
ابعث إليّ بجزءمن «الغريب المصنّف»
قال فأجابني وقضى حاجتي:
وحقّ درّ تألّفبفيك أيّ تألّف
لأبعثن بما قدحوى الغريب المصنف
ولو بعثت بنفسيإليك ما كنت أسرف
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع