تجاوز إلى المحتوى

من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)

إسماعيل بن عباد بن العباس بن عباد الوزير (٣)

وحدث عن عون بن الحسين الهمذاني قال: سمعت أبا عيسى ابن المنجم يقول: سمعت الصاحب يقول: ما استأذنت على فخر الدولة وهو في مجلس الأنس إلا وانتقل الى مجلس الحشمة فأذن لي فيه، وما أذكر أنه تبذّل بين يديّ أو مازحني قط إلّا مرة واحدة، فإنه قال لي: بلغني أنك تقول إن المذهب مذهب الاعتزال، والنيك نيك الرجال، فأظهرت الكراهة لانبساطه وقلت: بنا من الجدّ ما لا نفرغ معه للهزل ونهضت كالمغاضب، فما زال يعتذر إليّ مراسلة حتى عاودت مجلسه، ولم يعد بعدها إلى ما يجري مجرى الهزل والمزح.

ولما أتت الصاحب البشارة بسبطه عباد بن علي الحسني- ولم يكن للصاحب ولد غيرها، وكان قد زوّجها من أبي الحسن علي بن الحسين الحسني الهمذاني، وكان شاعرا أديبا بليغا، وله شعر منه هذان البيتان في دار لبعض الملوك بناها:

دار علت دار الملوك بهمةكعلوّ صاحبها على الأملاك
فكأنها من حسنها وبهائهابنيت قواعدها على الأفلاك

أنشأ الصاحب يقول:

أحمد الله لبشرىأقبلت عند العشيّ
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «أحمد الله لبشرى»
إذ حباني الله سبطاهو سبط للنبيّ
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «أحمد الله لبشرى»
مرحبا ثمت أهلابغلام هاشمي
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «أحمد الله لبشرى»
نبويّ علويّحسني صاحبي

ثم قال:

الحمد لله حمدا دائما أبداقد صار سبط رسول الله لي ولدا
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «الحمد لله حمدا دائما أبدا»

وقد ذكرت ذلك الشعراء في أشعارهم، فمن ذلك قول أبي الحسن الجوهري في قصيدة منها:

وكان بعد رسول الله كافلهفصار جدّ بنيه بعد كافله
للشاعر أبو الحسن الجوهري، اقرأ القصيدة
هلمّ للخبر المأثور مسندهفي الطالقان فقرّت عين ناقله
للشاعر أبو الحسن الجوهري، اقرأ القصيدة
فذلك الكنز عباد وقد وضحتعنه الإمامة في أولى مخايله
للشاعر أبو الحسن الجوهري، اقرأ القصيدة

لما روت الشيعة أن بالطالقان كنزا من ولد فاطمة يملأ الله الأرض به عدلا كما ملئت جورا، والصاحب من الطالقان من قرى أصفهان، فلما رزق سبطا فاطميا تأولوا له هذا الخبر وأنا بريء من العهدة.

هذا الذي ذكره الثعالبي أن طالقان من قرى أصفهان، والصواب ما تقدم.

قال: وعرض عليّ أبو الحسن الشقيقي البلخي توقيع الصاحب إليه في رقعته:

من نظر لدينه نظرنا لدنياه، فإن آثرت العدل والتوحيد، بسطنا لك الفضل والتمهيد، وإن أقمت على الجبر، فليس لكسرك من جبر.

وهذه رسالة كتبها الصاحب إلى أبي علي الحسين بن أحمد في شأن أبي عبد الله محمد بن حامد، قال الثعالبي: وسمعت الأمير أبا الفضل عبيد الله بن أحمد

الميكالي يسردها فزادني جريها على لسانه وصدورها عن فمه إعجابا بها وهي: كتابي هذا يا سيدي صدر من سحنة وقد أرخى الليل سدوله، وسحب الظلام ذيوله، ونحن على الرحيل غدا إن شاء الله إذا مدّ الصباح غرره قبل أن يسبغ حجوله، ولولا ذلك لأطلته كوقوف الحجيج على المشاعر، ولم أقتصر منه على زاد المسافر، فإن المتحمّل له وسيع الحقوق لديّ، حقيق أن أتعب له خاطري ويديّ، وهو أبو عبد الله الحامدي- كان وافى مع ذلك الشيخ الشهيد أبي سعيد الشبيبي السعيد، رفع الله منازله، وقتل قاتله، بكتب له فأنسنا بفضله، وآنسنا الخير من عقله، فلما فجع بتلك الصحبة، وبما كان له فيها من القربة، لم يرض غير بابي مشرعا، وغير جنابي مرتعا، وقطع إليّ الطريق الشاقّ مؤكّدا حقا لا يشقّ فيه غباره، ولا ينسى على الزمان ذماره، فكنت على جناح هذه النهضة التي بنا لم يستقرّ نواها، ولم تلق عصاها.

فإحراج الحرّ المبتدىء الأمر، القريب العهد بوطأة الدهر، تحامل عليه بالمركب الوعر، فرددته إليك يا سيدي لتسهّل عليه حجابك، وتمهّد له جنابك، وتترصد [له] عملا خفيف الثقل، نديّ الظل، فإذا اتفق عرضته عليه، ثم فوضته إليه. وهو إلى أن يتّسق ذلك ضيفي وعليك قراه، وعندك مربعه ومشتاه، ويريد اشتغالا بالعلم يزيده استقلالا، إلى أن يأتيه إن شاء الله خبرنا في الاستقرار، ثم له الخيار: إن شاء أقام على ما ولّيته، وإن شاء التحق بنا ناشرا ما أوليته. وقد وقعت له إلى فلان بما يعينه على بعض الانتظار، إلى أن تختار له كلّ الاختيار، فأوعز إليه بتعجيله، واكفني شغل القلب بهذا الحرّ الذي أفردني بتأميله، إن شاء الله تعالى وحده.

وكتب إلى القاضي أبي بشر الفضل بن محمد الجرجاني عند وروده باب الري وافدا عليه:

تحدثت الركاب بسير أروىإلى بلد حططت به خيامي
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «تحدثت الركاب بسير أروى»
فكدت أطير من شوق إليهابقادمة كقادمة الحمام
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «تحدثت الركاب بسير أروى»

أفحقّ ما قيل من أمر القادم؟ أم ظنّ كأمانيّ الحالم؟ لا والله بل هو درك العيان، وإنه ونيل المنى سيّان، فمرحبا أيها القاضي براحلتك ورحلك، بل أهلا بك وبكافة أهلك، ويا سرعة ما فاح نسيم مسراك، ووجدنا ريح يوسف من رياك، فحثّ المطيّ تزل غلّتي برؤياك، وتزح علتي بلقياك، ونصّ على يوم الوصول نجعله عيدا مشرّفا، ونتخذه موسما ومعرّفا، وردّ الغلام، أسرع من رجع الكلام، فقد أمرته أن يطير على جناح نسر، يترك الصّبا في عقال أسر:

سقى الله دارات مررت بأرضهافأدّتك نحوي يا زياد بن عامر
أصائل قرب أرتجي أن أنالهابلقياك قد زحزحن حرّ الهواجر

وقال بعض ندماء الصاحب له يوما: أرى مولانا قد أغار في قوله:

لبسن برود الوشي لا لتجملولكن لصون الحسن بين برود
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «لبسن برود الوشي لا لتجمل»

على المتنبي في قوله:

لبسن الوشي لا متجملاتولكن كي يصنّ به الجمالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بقائي شاء ليس هم ارتحالا»

فقال: كما أغار هو في قوله:

ما بال هذي النجوم حائرةكأنها العمي ما لها قائد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أزائر يا خيال أم عائد»

على العباس بن الأحنف في قوله:

والنجم في كبد السماء كأنهأعمى تحيّر ما لديه قائد
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «قالت مرضت فعدتها فتبرمت»

وللصاحب أيضا:

يقولون لي كم عهد عينك بالكرىفقلت لهم مذ غاب بدر دجاها
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «يقولون لي كم عهد عينك بالكرى»
ولو تلتقي عين على غير دمعةلصارمتها حتى يقال نفاها
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «يقولون لي كم عهد عينك بالكرى»

من قول المهلبي الوزير:

تصارمت الأجفان منذ صرمتنيفما تلتقي إلا على دمعة تجري

وللصاحب أيضا:

ومهفهف حسن الشمائل أهيفيروي النفوس بفترتي عينيه
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «ومهفهف حسن الشمائل أهيف»
ما زال يبعدني ويؤثر هجرتيفجذبت قلبي من إسار يديه
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «ومهفهف حسن الشمائل أهيف»
قالوا تراجعه فقلت بديهةقولا أقيم مع الرويّ عليه
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «ومهفهف حسن الشمائل أهيف»
والله لا راجعته ولو انهكالبدر أو كالشمس أو كبويه

أخذه من قول ابن المعتز:

والله لا كلّمتها ولو انهاكالبدر أو كالشمس أو كالمكتفي

قال المؤلف: هكذا ذكر الثعالبي، ونسب هذا البيت الى ابن المعتز، وهو لأبي بكر محمد بن السراج النحوي، وله قصة طريفة، وهي مذكورة في أخباره من هذا الكتاب.

ومما هجي به الصاحب قول أبي العلاء الأسدي:

إذا رأيت مسجّى في مرقعةيأوي المساجد حرّا ضرّه بادي
فاعلم بأن الفتى المسكين قد قذفتبه الخطوب الى لؤم ابن عباد

وقال السلامي:

يا ابن عباد بن عباس بن عبد الله حرهاتنكر الجبر وأخرجت الى دنياك كرها

ومرّ أبو العباس الضبي بباب الصاحب بعد موته فقال:

أيها الباب لم علاك اكتئابأين ذاك الحجاب والحجّاب
للشاعر الوزير أبو العباس الضبي، اقرأ القصيدة
أين من كان يفزع الدهر منهفهو الآن في التراب تراب
للشاعر الوزير أبو العباس الضبي، اقرأ القصيدة

ولأبي القاسم ابن أبي العلاء الأصفهاني يرثي الصاحب من قصيدة:

ما متّ وحدك لكن مات من ولدتحوّاء طرّا بل الدنيا بل الدين
هذي نواعي العلا مذ متّ نادبةمن بعد ما ندبتك الخرّد العين
تبكي عليك العطايا والصلات كماتبكي عليك الرعايا والسلاطين
قام السعاة وكان الخوف أقعدهمواستيقظوا بعد ما نام الملاعين
لا يعجب الناس منهم إن هم انتشروامضى سليمان وانحلّ الشياطين

وكتب الصاحب الى أبي العلاء الأسدي من أجود أبياته:

يقرّ بعيني أن يلمّ رسولهاببابي ويهدي بالعشيّ سلامها
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «يقر بعيني أن يلم رسولها»
ويذكر لي دون الرجال حديثهاوينشر عندي نطقها وكلامها
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «يقر بعيني أن يلم رسولها»

ورد يا شيخي- أطال الله بقاءك- رسولك بكتاب سبق الأفكار والظنون، وحسدت عليه القلوب العيون، وترك الواصفين بين قاصر ومقصّر. ومثّل ليالينا بين اللوى فمحجّر، بكلام كالورق النضير تتأوّه منه الغصون، وكالنور المنير أفنانه فنون، فصادفني حليفا للشوق أو رهينا، وحنينا على الحنين وساء قرينا، وكيف لا وقد ألفنا القرب حولا حولنا رياض الأدب ترفّ، ودوننا رواحل الفضل تزفّ، نملك رقاب المنطق، ونتنازع أطراف الكلام المنمّق، ونقطع الليالي تناشدا وتذاكرا، وتحادثا وتسامرا، إلى أن يخلع الظلام ثيابه، ويحدر المصباح نقابه، هذا دأبنا كان إلى أن جاوزنا الشباب مراحل، ووردنا من المشيب مناهل، ثم حان الفراق فنحن حتى اليوم منه في جوّ كدر، ونجم منكدر، يقبضنا عن الموارد العذاب، ويعرضنا على لواعج العذاب، والله نسأل إعادة هاتيك الأحوال، وتلك الأيام الخضراء الظلال، وإن كان الله قد زادنا بعدك مناجح ومنائح، وأيادي غوادي وروائح، حتى فتحنا الفتوح، وذللنا القروح، ورتقنا الفتوق، ونسخنا الفروق، وأثرنا الآثار، ووطأنا الرقاب وطلبنا الثار، واصطنعنا الصنائع، وجعلنا ودائع النعم قطائع، وعقدنا في أعناق الأحرار مننا،

وأحيينا من سبل الاحسان سننا، انا قد تحملنا مشاقّ مالت على القوة للضعف، وتحاملت على الأشدّ بالوهن، ودفعت الى معالجة خطوب تعجّب الدهر من صبرنا عليها فخار، وجبن الزمان عند شجاعتنا لها فحار، وها أنا أحوج ما كنت إلى أن أرفّه، ولا أستكره، وقد رميت بسهم الأربعين، وأرميت على شرف الخمسين، مدفوع الأشغال والأثقال إلى متاعب ومصاعب لو مني [بها] ابن ثلاثين قويا أزره طريّا حرصه، لقام عجزه وقعدت به نفسه، وأظنني كنت قديما قلت:

وقائلة لم عرتك الهموموأمرك ممتثل في الأمم
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «وقائلة لم عرتك الهموم»
فقلت دعيني وما قد عرافان الهموم بقدر الهمم

وما على الراحة آسف بل على أن لا أكون مشغولا بأخرى أمهد لها وأكدح، وأدأب لنفسي وأنصح، اللهم وفّق وقدّر، وسهّل ويسّر، إنك على ما تشاء قدير.

والرسالة طويلة كتبت مقدمها.

ذكر محمد ما فعله الصاحب مع القاضي عبد الجبار بن أحمد من حسن العناية والتولية والتمويل، فلما مات الصاحب كان يقول: أنا لا أترحّم عليه لأنه لم يظهر توبته، فطعن عليه في ذلك ونسب إلى قلّة الرعاية، لا جرم أنّ فخر الدولة قبض عليه بعد موت الصاحب، وصادره فيما قيل على ثلاثة آلاف ألف درهم، وعزله عن قضاء الري، وولّى مكانه القاضي أبا الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني العلامة صاحب التصانيف والفضائل الجمة، وقد ذكرته أنا في بابه، فقيل إن عبد الجبار باع ألف طيلسان مصري في مصادرته، وهو شيخ طائفتهم، يزعم أن المسلم يخلّد في النار على ربع دينار، وجميع هذا المال من قضاء الظلمة بل الكفرة عنده وعلى مذهبه، وإنما ذكرت هذا للاعتبار.

وقرأت في كتاب هلال بن المحسن بن إبراهيم الصابىء قال: وكان الصاحب أبو القاسم يراعي من ببغداد والحرمين من أهل الشرف وذوي المآثر من السلف، وشيوخ الكتاب والشعراء، وأولاد الأدباء والزهاد والفقهاء، بما يحمله إليهم في كلّ

سنة مع الحاجّ على مقاديرهم ومنازلهم، وكان يحمل إلى أبي إسحاق إبراهيم بن هلال جدي خمسمائة دينار وإليّ ألفي درهم جبلية مع جعفر بن شعيب، فأذكر وقد راسله بعد وفاة عضد الدولة بالاستدعاء إلى حضرته بالري، وبذل له النفقة الواسعة والمعونة الشاسعة عند شخوصه والإرغاب والاكثار عند حضوره، فكانت عقلة بالذيل الطويل والظهر الثقيل تمنعه من ترك موضعه ومفارقة موطنه، فمما كتبه إليه بالاعتذار عن التأخر:

نكصت على أعقابهنّ مطالبيوتقاعست عن شأوهنّ مآربي
للشاعر أبو إسحاق الصابي، اقرأ القصيدة
وتبلّدت مني القريحة بعد ماكانت نفاذا كالشهاب الثاقب
للشاعر أبو إسحاق الصابي، اقرأ القصيدة
وبكيت شرخ شبيبتي فدفنتهادفن الأعزّة في العذار الشائب
للشاعر أبو إسحاق الصابي، اقرأ القصيدة

ومنها:

فلو ان لي ذاك الجناح لطار بيحتى أقبّل ظهر كفّ الصاحب
للشاعر أبو إسحاق الصابي، اقرأ القصيدة
وأعيش في سقيا سحائبه التيضمنت سعادة كلّ جد خائب
للشاعر أبو إسحاق الصابي، اقرأ القصيدة
وأراجع العادات حول قبابهحتى السواد من الشباب الذاهب
للشاعر أبو إسحاق الصابي، اقرأ القصيدة
وأعدّ من جلساء حضرته التيشحنت بكلّ مسائل ومحارب
للشاعر أبو إسحاق الصابي، اقرأ القصيدة
فيقول من ذا سائل عني لهمستثبت فيقول: هذا كاتبي
للشاعر أبو إسحاق الصابي، اقرأ القصيدة
أترى أروم بهمتي ما فوق ذاأنّى وخدمته أجلّ مراتبي
للشاعر أبو إسحاق الصابي، اقرأ القصيدة

ومنها يعتذر:

كثرت عوائقي التي تعتاقنيمن غيث راحته الملثّ الساكب
للشاعر أبو إسحاق الصابي، اقرأ القصيدة
ولد لهم ولد وبطن ثالثهو رابعي وعشيرتي وأقاربي
للشاعر أبو إسحاق الصابي، اقرأ القصيدة
والسنّ تسع بعدها خمسون قدشامت بوارق يومها المتقارب
للشاعر أبو إسحاق الصابي، اقرأ القصيدة
فالجسم يضعف عن تجشّم راجلوالحال يقصر عن ترفّه راكب
للشاعر أبو إسحاق الصابي، اقرأ القصيدة
وعليّ للسلطان طاعة مالككانت على المملوك ضربة لازب
للشاعر أبو إسحاق الصابي، اقرأ القصيدة
وتعطلي مع شهوتي كتصرفيكلّ سواء في حساب الحاسب

وهي طويلة فلما كانت سنة أربع وثمانين التي توفي فيها جدي أحسّ بانقضاء مدته، وحضور منيته، فكتب إلى الصاحب كتابا يسأله فيه إقرار هذا الرسم المذكور على ولده، واجراءه لهم من بعده، وقرن الكتاب بقصيدة أولها:

تحذّر منك النائبات فتحذروتذكر للخطب الجسيم فيصغر
وتكسى بك الدنيا ثياب جمالهافيرجوك معروف ويخشاك منكر
للشاعر أبو إسحاق الصابي، اقرأ القصيدة

يقول فيها:

أسيدنا إنّ المنية أعذرتإليّ بآيات تروع وتذعر
للشاعر أبو إسحاق الصابي، اقرأ القصيدة
لها نذر قد آذنتني بهجمةعلى مورد ما عنه للمرء مصدر
وإني لأستحلي مرارة طعمهإذا كنت بالتقديم لي تتأخر
للشاعر أبو إسحاق الصابي، اقرأ القصيدة
وحقّ لنفس كان منك معاشهاإذا غمضت عينا وعينك تنظر
للشاعر أبو إسحاق الصابي، اقرأ القصيدة
ومن ورّث الأولاد بعد وفاتهحضانك طابت نفسه حين يقبر
للشاعر أبو إسحاق الصابي، اقرأ القصيدة
تمرّد منك الجود حتى تمردتمطالبنا والماجد الحرّ يصبر
للشاعر أبو إسحاق الصابي، اقرأ القصيدة
أأطلب منك الرفد عمري كلهوأطلبه والجنب مني معفر
للشاعر أبو إسحاق الصابي، اقرأ القصيدة
وليست بأولى بدعة لك في الندىلها موقف [في] الحمد [يطوى و] ينشر

وهي طويلة.

قال هلال بن المحسن: وأمرني بأن أنفذ ذلك فأنفذته، وكتبت عن نفسي كتابا في معناه، ووصل ونفذ من يحمل الرسم على العادة، ثم اتفق أن توفي الصاحب في أول سنة خمس وثمانين وثلاثمائة فوقف، وكانت بين وفاتهما شهور.

قال هلال: وسمعت محدثا يحدّث أبا إسحاق أنه سمع الصاحب يقول: ما بقي من أوطاري وأغراضي إلا أن أملك العراق، وأتصدّر ببغداد، وأستكتب أبا اسحاق الصابىء، ويكتب عني وأغيّر عليه، فقال جدي: ويغيّر علي وإن أصبت!! قال: وحدثني أبو إسحاق جدي قال: حضر الصاحب أبو القاسم ابن عباد دار الوزير المهلبي عند وروده إلى بغداد مع مؤيد الدولة، فحجب عنه لشغل كان فيه، وجلس طويلا، فلما تأخر الإذن كتب إليّ رقعة لطيفة فيها:

وأترك محجوبا على الباب كالخصىويدخل غيري كالأيور ويخرج

فأقرأتها الوزير المهلبيّ فأمر بإدخاله.

قال: وكان الصاحب عند دخوله إلى بغداد قصد القاضي أبا السائب عتبة بن عبيد لقضاء حقه، فتثاقل في القيام له، وتحفّز تحفزا أراه به ضعف حركته وقصور نهضته، فأخذ الصاحب بضبعه وأقامه، وقال: نعين القاضي على قضاء حقوق إخوانه، فخجل أبو السائب واعتذر إليه.

وذكر القاضي أبو علي التنوخي في كتاب نشوار المحاضرة: حدثني أبو منصور عبد العزيز بن محمد بن عثمان المعروف بابن أبي عمرو الشرابي حاجب أمير المؤمنين المطيع لله قال: دخلت في حداثتي يوما على أبي السائب القاضي فتثاقل في القيام لي وأظهر لي ضعفا عنه للسنّ والعلل المتصلة به، قال: فتطاول فجذبت يده بيدي حتى أقمته القيام التامّ وقلت له: أعين قاضي القضاة أيده الله على إكمال البر وتوفية الإخوان حقوقهم، قال: وقد كنت عاتبا عليه في أشياء عاملني بها، وإنما جئته للخصومة، فبدأت لأخذ الكلام، فحين رأى الشرّ في وجهي قال:

تتفضل لاستماع كلمتين ثم تقول ما شئت، فقلت له: قل فقال: روينا عن ابن عباس ﵁ في قوله تعالى: فاصفح الصفح الجميل

(الحجر:) قال: عفو بلا تقريع، فإن رأيت أن تفعل ذلك فافعل، فاستحييت من الاستقصاء عليه وانصرفت.

قال المؤلف: والذي عندي أن الخبر إنما جرى بين هذا والقاضي، وبلغ أمره الصاحب فانتحله لنفسه، وحكاه في مجلس أنسه، فشاع عنه، وكان الصاحب ﵀ ممن يحبّ الفخر وانتحال الفضائل التي ربما قصّر عنها.

ومن أشعار الصاحب:

يا خاطرا يخطر في تيههذكرك موقوف على خاطري
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «يا خاطرا يخطر في تيهه»
إن لم تكن آثر من ناظريعندي فلا متّعت بالناظر
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «يا خاطرا يخطر في تيهه»

وكتب إلى أبي الحسين الطبيب:

إنا دعوناك على انبساطوالجوع قد أثّر في الأخلاط
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «إنا دعوناك على انبساط»
فإن عسى ملت إلى التباطيصفعت بالنعل قفا بقراط
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «إنا دعوناك على انبساط»

وله:

بعدت فطعم العيش بعدك علقمووجه حياتي مذ تغيبت أرقم
فما لك قد أدغمت قربك في النوىوودّك في غير النداء مرخم
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «بعدت فطعم العيش عندي علقم»

وقال لما حضرته الوفاة:

وكم شامت بي عند موتي جهالةبظلم يسلّ السيف بعد وفاتي
ولو علم المسكين ماذا ينالهمن الذلّ بعدي مات قبل مماتي
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «وكم شامت بي بعد موتي جاهلا»

وله أيضا:

بدا لنا كالبدر في شروقهيشكو غزالا لجّ في عقوقه
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «بدا لنا كالبدر في شروقه»
يا عجبا والدهر في طروقهمن عاشق أحسن من معشوقه
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «بدا لنا كالبدر في شروقه»

قال أبو بكر الخوارزمي أنشدنا الصاحب هذه القوافي ليلة وقال: هل تعرفون نظيرا لمعناها في شعر المحدثين؟ فقلت لا أعرف إلا قول البحتري:

ومن عجب الدهر أنّ الأميرأصبح أكتب من كاتبه

قال فقال: جودت وأحسنت هكذا فليكن الحفظ.

وله ويروى لغيره:

رشأ غدا وجدي عليه كردفهوغدا اصطباري في هواه كخصره
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «رشأ غدا وجدي عليه كردفه»
وكأنّ يوم وصاله من وجههوكأن ليلة هجره من شعره
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «رشأ غدا وجدي عليه كردفه»
إن ذقت خمرا خلتها من ريقهأو رمت مسكا نلته من نشره
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «رشأ غدا وجدي عليه كردفه»
وإذا تكبّر واستطال بحسنهفعذار عارضه يقوم بعذره
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «رشأ غدا وجدي عليه كردفه»

وله أيضا:

دبّ العذار على ميدان وجنتهحتى إذا كاد أن يسعى به وقفا
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «دب العذار على ميدان وجنته»
كأنه كاتب عزّ المداد لهأراد يكتب لاما فابتدا ألفا
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «دب العذار على ميدان وجنته»

وله أيضا:

وخطّ كأنّ الله قال لحسنهتشبّه بمن قد خطّك اليوم فائتمر
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «وخط كأن الله قال لحسنه»
وهيهات أين الخطّ من حسن وجههوأين ظلام الليل من صفحة القمر
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «وخط كأن الله قال لحسنه»

وله أيضا:

وشادن قلت له ما اسمكافقال لي بالغنج عبّاث
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «وشادن قلت له ما اسمكا»
فصرت من لثغته ألثغافقلت أين الكاث والطاث
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «وشادن قلت له ما اسمكا»

وله يصف الثلج:

هات المدامة يا غلام مصيّرانقلي عليها قبلة أو عضّه
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «هات المدامة يا غلام مصيرا»
أو ما ترى كانون ينثر وردهوكأنما الدنيا سبائك فضّه

وله أيضا:

وصفراء أو حمراء فهي مخيلةلرقّتها إلا على المتوهّم
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «وصفراء أو حمراء فهي مخيلة»
تشكّكنا في الكرم أنّ انتماءهإلى الخمر أم هاتا إلى الكرم تنتمي
لك الوصف دون القصف مني فخيّميبغير يدي وارضي بما قاله فمي
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «وصفراء أو حمراء فهي مخيلة»

وكتب إلى أبي الفضل ابن شعيب:

يا أبا الفضل لم تأخّرت عنّافأسأنا بحسن عهدك ظنّا
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «يا أبا الفضل لم تأخرت عنا»
كم تمنت نفسي صديقا صدوقافإذا أنت ذلك المتمنّى
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «يا أبا الفضل لم تأخرت عنا»
فبغصن الشباب لما تثنّىوبعهد الصّبا وإن بان منّا
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «يا أبا الفضل لم تأخرت عنا»
كن جوابي إذا قرأت كتابيلا تقل للرسول كان وكنا
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «يا أبا الفضل لم تأخرت عنا»

وله أيضا:

يا ابن يعقوب يا نقيب البدوركن شفيعي إلى فتى مسرور
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «يا ابن يعقوب يا نقيب البدور»
قل له إنّ للجمال زكاةفتصدّق بها على المهجور
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «يا ابن يعقوب يا نقيب البدور»

وله يمدح عضد الدولة:

سعود يحار المشتري في طريقهاولا تتأتّى في حساب المنجّم
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «سعود يحار المشتري في طريقها»
وكم عالم أحييت من بعد عالمعلى حين صاروا كالهشيم المحطم
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «سعود يحار المشتري في طريقها»
فو الله لولا الله قال لك الورىمقال النصارى في المسيح ابن مريم
محامد لو فضّت ففاضت على الورىلما أبصرت عيناك وجه مذمّم
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «سعود يحار المشتري في طريقها»
وكلّا ولكن لو حظوا بزكاتهالما سمعت أذناك ذكر ملوّم
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «سعود يحار المشتري في طريقها»
ولو قلت إن الله لم يخلق الورىلغيرك لم أحرج ولم أتأثم
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «سعود يحار المشتري في طريقها»

وله يهجو:

سبط متّوي رقيع سفلهأبدا يبذل فينا أسفله
اعتزلنا نيكه في دبرهفلهذا يلعن المعتزله

وله في رجل كثير الشرب بطيء السكر:

يقال لماذا ليس يسكر بعد ماتوالت عليه من نداماه قرقف
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «يقال لماذا ليس يسكر بعدما»
فقلت سبيل الخمر أن تنقص الحجىفإن لم تجد شيئا فماذا تحيّف
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «يقال لماذا ليس يسكر بعدما»

وله أيضا:

شرط الشروطيّ فتى أيّروما سواه غير مشروط
أبغى من الإبرة لكنّهيوهم قوما أنه لوطي

وله أيضا:

تصدّ أميمة لما رأتمشيبا على عارضي قد فرش
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «تصد أميمة لما رأت»
فقلت لها الشيب نقش الشبابفقالت ألا ليته ما نقش
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «تصد أميمة لما رأت»

وله أيضا:

ولما تناءت بالأحبّة دارهموصرنا جميعا من عيان إلى وهم
تمكن مني الشوق غير مسامحكمعتزليّ قد تمكن من خصم

حدث القاضي أبو عبد الله ابن الحسن بن علي السميري قال، حدث الصاحب قال: لما عدت من أصبهان بعد القبض على أبي الفتح ابن العميد دعا مؤيد الدولة إلى طعامه وكنت عليه معه، فبينا الألوان توضع وترفع إذ قدمت بين يديّ طنبورية بمكبة، ثم شيلت المكبة فإذا بيد أبي الفتح ابن العميد وفي إصبعه خاتمه الذي أعرفه، فارتعت لذلك ووجمت منه، فقال لي مؤيد الدولة: إنما فعلت هذا لتسكن نفسك

وتعلم إن الله قد كفاك عدوك، فدعوت له ولم أنتفع بنفسي أياما قلقا وانزعاجا. قال القاضي: وكانت والدة أبي الفتح في دار الصاحب على أتمّ حال مراعاة وحراسة فلم يعلمها ولا مكن من إعلامها بقتله حتى ماتت.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجم الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.