تجاوز إلى المحتوى

من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)

الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي

، أبو محمد القاضي: ذكره محمد بن إسحاق النديم وقال: هو حسن التصنيف مليح التأليف، يسلك طريقة الجاحظ، وكان شاعرا، وقد سمع الحديث ورواه، مات في حدود ستين وثلاثمائة.

قال: وله من الكتب: كتاب ربيع المتيم في أخبار العشاق. كتاب الفلك في مختار الأخبار والأشعار. كتاب أمثال النبي ﷺ. كتاب الريحانتين الحسن والحسين.

كتاب إمام التنزيل في علم القرآن. كتاب النوادر والشوارد. كتاب أدب الناطق.

كتاب الرّثي والتعازي. كتاب رسالة السفر. كتاب مباسطة الوزراء. كتاب المناهل والأعطان والحنين إلى الأوطان. كتاب الفاصل بين الراوي والواعي.

وكان القاضي الخلادي من أقران القاضي التنوخي، وقد مدح عضد الدولة أبا شجاع بمدائح، وبينه وبين الوزير المهلبي وأبي الفضل ابن العميد مكاتبات ومجاوبات منها ما نقلته من «مزيد التاريخ» لأبي الحسن محمد بن سليمان بن محمد الذي زاده على «تاريخ السلامي» في ولاة خراسان؛ قال: حدثني عبد الله بن إبراهيم قال: لما استوزر أبو محمد المهلبي كتب إليه أبو محمد الخلادي في التهنئة:

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله مانح الجزيل، ومعوّد الجميل، ذي المن العظيم، والبلاء الجسيم:

الآن حين تعاطى القوس باريهاوأبصر السمت في الظلماء ساريها
الآن عاد إلى الدنيا مهلّبهاسيف الخلافة بل مصباح داجيها
أضى الوزارة تزهى في مواكبهازهو الرياض إذا جادت غواديها
تاهت علينا بميمون نقيبتهقلّت لمقداره الدنيا وما فيها
موفّق الرأي مقرون بغرّتهنجم السعادة يرعاها ويحميها
معزّ دولتها هنئتها فلقدأيدتها بوثيق من رواسيها

تهنئة مثلي من أولياء الوزير- أطال الله بقاءه- الدعاء، وأفضله ما صدر عن نية لا يرتاب بها ولا يخشى مذقها، وكان غيب صاحبه أفضل من مشهده، فهنأ الله الوزير كرامته، وأحلى له ثمرة ما منحه، وأحمد بدأه وعاقبته ومفتتحه وخاتمته، حتى تتصل المواهب عنده اتصالا في مستقبله ومستأنفه، يوفي على متقدمه بمنّه. وكتابي هذا- أيد الله الوزير- من المنزل برامهرمز، وأنا عقيب علّة ومحنة، ولولا ذلك لم أتأخر عن حضرته- أجلّها الله- مهنّئا ومسلّما، فإن رأى الوزير شرفني بجواب هذا الكتاب.

فكتب إليه المهلبي جوابه: بسم الله الرحمن الرحيم، وصل كتابك يا أخي- أطال الله بقاءك، وأدام عزك وتأييدك ونعماءك- المتضمن نفيس الجواهر من بحار الخواطر، الحاوي ثمار الصفاء من منبت الوفاء، وفهمته ووقع ما أهديته من نظم ونثر، وخطاب وشعر، موقع الريّ من ذي الغلّة، والشفاء من ذي العلّة، والفوز من ذي الخيبة، والأوب من ذي الغيبة، وما طابت بي حال إلا وأنت الأولى بسرورها والأغبط بحبورها، إذ كنت شريك النفس في السراء ومواسيها في الضرّاء. وتكلفت الإجابة عما نظمت على كثرة من الشغل إلّا عنك، وزهد في المطاولة إلّا فيك، والعذر في تقصيرها عن الغاية واضح، ودليل العجلة فيها لائح، وأنت بمواصلتي بكتبك وأخبارك

وأوطارك مسؤول، والجري على عادتك المأثورة وسيرتك المشكورة مأمول، وأنا والله على أفضل عهدك وأحسن ظنك وأوكد ثقتك، ومشتاق إليك:

مواهب الله عندي لا يوازيهاسعي ومجهود وسعي لا يدانيها
للشاعر الوزير المهلبي، اقرأ القصيدة
لكنّ أقصى المدى شكري لأنعمهوتلك أفضل قربى عند مؤتيها
للشاعر الوزير المهلبي، اقرأ القصيدة
والله أسأل توفيقا لطاعتهحتى يوافق فعلي أمره فيها
للشاعر الوزير المهلبي، اقرأ القصيدة
وقد أتتني أبيات مهذّبةظريفة جزلة رقّت حواشيها
للشاعر الوزير المهلبي، اقرأ القصيدة
ضمّنتها حسن أوصاف وتهنئةأنت المهنّى بباديها وتاليها
للشاعر الوزير المهلبي، اقرأ القصيدة
ودعوة صدرت عن نية خلصتلا شكّ فيها أجاب الله داعيها
للشاعر الوزير المهلبي، اقرأ القصيدة
وأنت أوثق موثوق بنيّتهوأقرب الناس من حال نرجيها
للشاعر الوزير المهلبي، اقرأ القصيدة
فثق بنيل المنى في كلّ منزلةأصبحت تعمرها عندي وتبنيها
للشاعر الوزير المهلبي، اقرأ القصيدة

وكتب أبو الفضل محمد بن الحسين بن العميد إلى القاضي أبي محمد الخلادي: بسم الله الرحمن الرحيم، أيها القاضي الفاضل- أطال الله بقاءك، وأدام عزك ونعماءك- من أسرّ داءه، وستر ظماءه، بعد عليه أن يبلّ من غلته، وقد غمرني منذ قرأت كتابك إلى الشريف- أيده الله- شوق استجذب نفسي واستفزّها ومدّ جوانحي وهزها، ولا شفاء إلا قربك ومجالستك، ولا دواء إلا طلعتك ومؤانستك، ولا وصول إلى ذلك إلا بزيارتك واستزارتك، فإن رأيت أن تؤثر أخفهما عليك، وتعلمني آثرهما لديك، وتقدم ما استنسبته في ذلك، فعلت، فإني أراعيه أشد المراعاة، وأتطلعه في كلّ الأوقات، وأعدّ على الفوز به الساعات.

فأجابه الخلادي: بسم الله الرحمن الرحيم، قرأت التوقيع- أطال الله بقاء الأستاذ الرئيس- فشحذ الفطنة وآنس الوحدة، وألبس العزة وأفاد البهجة، وقلت كما قال رؤبة لما استزاره أبو مسلم صاحب الدعوة:

لبيك إذ دعوتني لبيكاأحمد ربا ساقني إليكا

فأما الإجابة عن أفصح بيان، خطّ بأكرم بنان، واضح كالزهر المؤنق، مالك لرقاب المنطق، فما أنا منها بقريب، وهيهات أنى لي التّناوش من مكان بعيد، لكني على الأثر، ولا أتأخر عن الوقت المنتظر، إن شاء الله تعالى.

قال: وكان أبو محمد الخلادي ملازما لمنزله قليل البروز لحاجته، وقيل له في ذلك فروى عن أبي الدرداء: نعم صومعة الرجل بيته، يكفّ فيه سمعه وبصره.

وروى عن ابن سيرين أنه قال: العزلة عبادة، وقال: خلاؤك أقنى لحيائك، وقال:

عزّ الرجل في استغنائه عن الناس، والوحدة خير من جليس السوء، وأنشد لابن قيس الرقيات:

اهرب بنفسك واستأنس بوحدتهاتلق السعود إذا ما كنت منفردا
ليت السباع لنا كانت معاشرةوأننا لا نرى ممن نرى أحدا
إن السباع لتهدا في مرابضهاوالناس ليس بهاد شرّهم أبدا
للشاعر منصور بن اسماعيل الفقيه، اقرأ القصيدة

ثم صار الخلادي إلى أبي الفضل ابن العميد، فلما فتشه شدا منه علما غزيرا، وقبس أدبا كثيرا، وقال الخلادي: إن أعجب الأستاذ معرفتي صحبته وتعلقت به وأقمت عنده وبين يديه.

وكتب الخلادي إلى منزله برامهرمز: بسم الله الرحمن الرحيم، قد وردت من الأستاذ الرئيس على ضياء باهر، وربيع زاهر، ومجلس قد استغرق جميع المحاسن، وحفّ بالأشراف والأكارم، وجلساء أقران أعداد عام، كأنهم نجوم السماء، من طالبيّ رخو المعاطف، صلب المكاسر، جامع إلى شرف الحسب دينا

وظرفا، وإلى كرم المحتد حرمة وفضلا، وكاتب حصيف، وشاعر مفلق، وسمير أنيق، وفقيه جدل، وشجاع بطل:

كرام المساعي لا يخاف جليسهمإذا نطق العوراء غرب لسان
إذا حدّثوا لم تخش سوء استماعهموإن حدّثوا أدّوا بحسن بيان

ووضعنا الزيارة حيث لا يزري بنا كرم المزور، ولا يعاب الزور، يجدّ الأستاذ عندي كلّ يوم مكرمة وميرة، تطويان مسافة الرجاء، وتتجاوزان غايات الشكر والثناء، والبشر والدعاء، فزاد الله في تبصيره حقوق زوّاره، وتيسيري لشكر مبارّه.

قال الثعالبي: ومن ملح ابن خلاد قوله:

قل لابن خلّاد إذا جئتهمستندا في المسجد الجامع
هذا زمان ليس يحظى به«حدثنا الأعمش عن نافع»

وقوله وقد طولب بالخراج:

يا أيها المكثر فينا الزّمجرهناموسه دفتره والمحبره
قد أبطل الديوان كتب السحرهوالجامعين وكتاب الجمهره
هيهات لن يعبر تلك القنطرهنحو الكسائيّ وشعر عنتره
ودغفل وابن لسان الحمّرةليس سوى المنقوشة المدوّره

ذكر السمعاني في «كتاب النسب» قال: القاضي أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي كان فاضلا مكثرا من الحديث، ولي القضاء ببلاد الخوز، ورحل قبل التسعين ومائتين، وكتب عن جماعة من أهل شيراز، ذكره أبو عبد الله محمد بن عبد العزيز الشيرازي القصّار في «تاريخ فارس» وقال: بلغني أنه [عاش] برامهرمز إلى قرب الستين وثلاثمائة.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجم الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.