تجاوز إلى المحتوى

من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)

الحسن بن عبد الله بن المرزبان السيرافي

أبو سعيد النحوي القاضي:

وسيراف بليد على ساحل البحر من أرض فارس، رأيته أنا، وبه أثر عمارة قديمة وجامع حسن، إلا أنه الآن الغالب عليه الخراب. وكان قد ولي القضاء على بعض الأرباع ببغداد، ومات ﵀ يوم الاثنين ثاني رجب سنة ثمان وستين وثلاثمائة في خلافة الطائع، ودفن في مقابر الخيزران، وكان أبوه مجوسيا اسمه بهزاد فسمّاه أبو سعيد عبد الله. وكان أبو سعيد يدرس ببغداد القرآن والقراءات وعلوم القرآن والنحو واللغة والفقه والفرائض، وكان قد قرأ على أبي بكر ابن مجاهد القرآن، وعلى أبي بكر ابن دريد اللغة، ودرسا جميعا عليه النحو، وقرأ على أبي بكر ابن السراج وأبي بكر المبرمان النحو، وقرأ أحدهما عليه القرآن ودرس الآخر عليه الحساب.

قال الخطيب: وكان ﵀ زاهدا ورعا لم يأخذ على الحكم أجرا إنما

كان يأكل من كسب يمينه، فكان لا يخرج إلى مجلس الحكم ولا إلى مجلس التدريس حتى ينسخ عشر ورقات يأخذ أجرتها عشرة دراهم تكون بقدر مؤونته ثم يخرج إلى مجلسه. وصنّف كتبا: منها شرح كتاب سيبويه.

قال أبو حيان التوحيدي: رأيت أصحاب أبي علي الفارسي يكثرون الطلب لكتاب «شرح سيبويه» ويجتهدون في تحصيله، فقلت لهم: إنكم لا تزالون تقعون فيه وتزرون على مؤلّفه فما لكم وله؟ قالوا: نريد أن نردّ عليه ونعرّفه خطأه فيه. قال أبو حيان: فحصّلوه واستفادوا منه ولم يردّ عليه أحد منهم، أو كما قال أبو حيان فإني لم أنقل ألفاظ الخبر لعدم الأصل الذي قرأته منه.

وكان أبو علي وأصحابه كثيري الحسد لأبي سعيد، وكانوا يفضلون عليه الرماني، فحكى ابن جني عن أبي علي أن أبا سعيد قرأ على ابن السراج خمسين ورقة من أول الكتاب ثم انقطع، قال أبو علي: فلقيته بعد ذلك فعاتبته على انقطاعه فقال لي: يجب على الانسان أن يقدم ما هو أهم، وهو علم الوقت من اللغة والشعر والسماع من الشيوخ، فكان يلزم ابن دريد ومن جرى مجراه من أهل السماع.

وقال أبو الفرج علي بن الحسين الأصفهاني صاحب «كتاب الأغاني» يهجو أبا سعيد السيرافي:

لست صدرا ولا قرأت على صدرولا علمك البكيّ بشاف
للشاعر أبو الفرج الأصبهاني، من قصيدة «لست صدرا ولا قرأت على صدر»
لعن الله كلّ شعر ونحووعروض يجيء من سيراف
للشاعر أبو الفرج الأصبهاني، من قصيدة «لست صدرا ولا قرأت على صدر»

وذكره محمد بن إسحاق النديم فقال: قال لي أبو محمد ولد أبي سعيد:

[ولد أبي] بسيراف، وفيها ابتدأ بطلب العلم، وخرج عنها قبل العشرين، ومضى إلى عمان فتفقه بها، ثم عاد إلى سيراف ومضى إلى العسكر فأقام بها مدة (قال المؤلف: وبها قرأ فيما أحسب على المبرمان) قال: كان فقيها على مذهب العراقيين، وورد إلى

بغداد فخلف أبا محمد ابن معروف قاضي القضاة على قضاء الجانب الشرقي، وكان أستاذه في النحو، ثم استخلفه على الجانبين؛ ومولده قبل التسعين ومائتين، وله من الكتب: كتاب شرح سيبويه. ألفات القطع والوصل. كتاب أخبار النحويين البصريين. كتاب شرح مقصورة ابن دريد. كتاب الإقناع في النحو، لم يتم، فتممه ابنه يوسف. وكان يقول: وضع أبي النحو في المزابل ب «الاقناع» يريد أنه سهّله حتى لا يحتاج إلى مفسّر. كتاب شواهد كتاب سيبويه. كتاب الوقف والابتداء. كتاب صنعة الشعر والبلاغة. كتاب المدخل إلى كتاب سيبويه. كتاب جزيرة العرب.

قرأت بخط أبي حيان التوحيدي في كتابه الذي ألفه في «تقريظ عمرو بن بحر»، وقد ذكر جماعة من الأئمة كانوا يقدّمون الجاحظ ويفضلونه فقال: ومنهم أبو سعيد السيرافي شيخ الشيوخ وإمام الأئمة معرفة بالنحو والفقه واللغة والشعر والعروض والقوافي والقرآن والفرائض والحديث والكلام والحساب والهندسة، أفتى في جامع الرصافة خمسين سنة على مذهب أبي حنيفة فما وجد له خطأ ولا عثر منه على زلة، وقضى ببغداد، وشرح «كتاب سيبويه» في ثلاثة آلاف ورقة بخطه في السليماني، فما جاراه فيه أحد ولا سبقه إلى تمامه إنسان، هذا مع الثقة والديانة والأمانة والرواية، صام أربعين سنة وأكثر الدهر كله. قال لنا الأندلسي: فارقت بلدي في أقصى الغرب طلبا للعلم وابتغاء مشاهدة العلماء، فكنت إلى أن دخلت بغداد ولقيت أبا سعيد وقرأت عليه «كتاب سيبويه» نادما سادما في اغترابي عن أهلي ووطني من غير جدوى في علم أو حظّ من دنيا، فلما سعدت برؤية هذا الشيخ علمت أن سعيي قرن بسعدي، وغربتي اتصلت ببغيتي، وأن عنائي لم يذهب هدرا، وأنّ رجائي لم ينقطع يأسا.

قرأت بخط أبي علي المحسن بن إبراهيم بن هلال الصابىء، قرأنا على أبي سعيد الحسن بن عبد الله في «كتاب ما يلحن فيه العامة» لأبي حاتم «هو الشّمع مفتوح الشين والميم» فسألناه عما يحكى عن أبي بكر ابن دريد أنه قال: «شمع بكسر

الشين» فقال: لا يعاج عليه، قلنا له: فهو صحيح عن ابن دريد؟ فقال: نعم هو عنه بخطّي في «كتاب الجمهرة». قال: وكان أبو الفتح ابن النحوي وأبو الحسن الدريدي سألاني عن ذلك فاستعفيت من الإجابة لئلا أنسب إلى أبي بكر حرفا أجمع الناس على خلافه.

وقال أبو حيان في «كتاب محاضرات العلماء» قال: وحضرت مجلس شيخ الدهر، وقريع العصر، العديم المثل، المفقود الشكل، أبي سعيد السيرافي، وقد أقبل على الحسين بن مردويه الفارسي يشرح له ترجمة «المدخل إلى كتاب سيبويه» من تصنيفه، فقال له: علّق عليه، واصرف همتك إليه، فإنك لا تدركه إلا بتعب الحواسّ، ولا تتصوّره إلا بالاعتزال عن الناس. فقال: أيّد الله القاضي، أنا مؤثر لذلك، ولكنّ اختلال الأمر وقصور الحال يحول بيني وبين ما أريده، فقال له: ألك عيال؟ قال: لا، قال: عليك ديون؟ قال: دريهمات، قال: فأنت ريّح القلب حسن الحال ناعم البال، اشتغل بالدرس والمذاكرة والسؤال والمناظرة واحمد الله تعالى على خفّة الحاذ وحسن الحال، وأنشده:

إذا لم يكن للمرء مال ولم يكنله طرق يسعى بهنّ الولائد
وكان له خبز وملح ففيهماله بلغة حتى تجيء العوائد
وهل هي إلا جوعة إن سددتهافكلّ طعام بين جنبيك واحد

قال: وكان يقرأ على أبي سعيد السيرافي «الكامل» للمبرد فجاءه أبو أحمد ابن مردك، وكان هذا من ساوة واستوطن بغداد وولد [له] بها، وكان له قرب ومنزلة من أبي سعيد يوجب حقّه ويرعى له، فقال له يوما: أيها الشيخ عندي ابنة بلغت حدّ التزويج، وجماعة من الغرباء والبغداديين يخطبونها، فما ترى؟ ممن أزوجها؟

فقال: ممّن يخاف الله تعالى وأكثرهم تقية وخشية منه، فإن من يخاف الله إن أحبها بالغ في إكرامها، وإن لم يحبها تحرّج من ظلمها، فاستحسنّا ذلك وأثبتناه. ثم قال:

لا تنسبوا هذا إليّ إنما هذا قول الحسن.

قال: وشبيه هذه الحكاية أن رجلا وقف على الحسن فقال: علمني ما يقربني

إلى الله تعالى وإلى الناس، قال: أما ما يقربك إلى الله فمسألته، وأما ما يقرّبك إلى الناس فترك مسألتهم.

وقال: وتأخر بعض أصحابه عن مجلسه في يوم السبت، وكان يرعى حقّ أبيه فيه لأنه كان وجيها شريفا، فلما كان يوم الأحد قال له: ما الذي أخّرك؟ فأشار إلى شرب الدواء ولأجله تأخر عن المجلس فأنشدنا:

لنعم اليوم يوم السبت حقّالصيد إن أردت بلا امتراء
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «لنعم اليوم يوم السبت حقا»
وفي الأحد البناء فإنّ فيهتبدّى الله في خلق السماء
وفي الاثنين إن سافرت حقايكون الأوب فيه بالنماء
وان ترم الحجامة في الثلاثاففي ساعاته درك الشفاء
وإن شرب امرؤ يوما دواءفنعم اليوم يوم الأربعاء
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «وما طلب المعيشة بالتمني»
وفي يوم الخميس قضاء حاجففيه الله آذن بالقضاء
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «وما طلب المعيشة بالتمني»
ويوم الجمعة التزويج فيهولذات الرجال مع النساء

قال: ولما قبل ابن معروف شهادته عاتبه على ذلك بعض المختصين به وقال: أيها الشيخ إنك إمام الوقت وعين الزمان والمنظور إليه والصدر، وإذا حضرت محفلا كنت البدر، قد اشتهر ذكرك في الأقطار والبلاد، وانتشر علمك في كلّ محفل وناد، والألسنة مقرّة بفضلك، فما الذي حملك على الانقياد لابن معروف، واختلافك إلى مجلسه، وصرت تابعا بعد أن كنت متبوعا، ومؤتمرا بعد أن كنت آمرا؟

وضعت من قدرك، وضيّعت كثيرا من حرمتك، وأنزلت نفسك منزلة غيرك، وما فكّرت في عاقبة أمرك، ولا شاورت أحدا من صحبك، فقال: اعلموا أن هذا القاضي سبب اكتساب ذكر جميل، وصيت حسن، ومباهاة لأقرانه، ومنافسة لإخوانه، ومع ذلك له من السلطان منزلة، وبلغني أنه يستضيء برأيه ويعدّه من جملة ثقاته وأوليائه، وعرّض لي وصرّح في الأمر مرة بعد أخرى وثانية عقب أولى، فلم أجب إليه، ولم أسلس قيادي له، فخفت مع كثرة الخلاف اعتمادي بما أستضرّ به وينتفع به غيري،

وإذا اتفق أمران فاتّباع ما هو أسلم جانبا وأقلّ غائلة أولى، وقد كان الآن ما كان، والكلام فيه ضرب من الهذيان. فلما كان بعد هذا بأيام ورد عليه من آمد صاحب أبي العباس ابن ماهان بكتاب يهنئه فيه بما تلبّس به من العدالة، وكان الكتاب يشتمل على كلمات وجيزة وألفاظ حسنة ومعان منتقاة، وكان أبو العباس هذا من أصحاب أبي سعيد، وممن لازمه سنين عدة، وعلّق عنه- على ما ذكره الشاشي- زهاء عشرة آلاف ورقة على شرحه لكتاب سيبويه وغيره درسا ومذاكرة، وكانت له أيضا بضاعة قوية في علم الهيئة وبصر تامّ بمذهب الكوفيين في النحو حتى ما كان يطاق. وكان من أصدر الكتاب على يده رجلا كرديا عليه جبة ثقيلة فوقها جبّاعة عظيمة، قد أضرّت به شمس الهواجر، ومقاساة السفر، وقطع المهامه والمفاوز، وكان الشيخ يبيّن لبعض أصحابه الفرق في قوله تعالى: مثل ما إنكم تنطقون

(الذاريات:) والاحتجاج عمن نصبه ورفعه، والكرديّ ما يفهم منه القليل ولا الكثير، ثم التفت إلى أبي سعيد وقال: يا شيخ في أيّ شيء أنت؟ وفي ماذا تتكلم؟ فقال: أتكلم في شيء لا يعرفه كلّ أحد، ولا يتصوره كثير من الناس، قال: ففسّره لي لعلي أفهمه، قال: لا يكون ذلك أبدا، قال: أنت عالم ومن اقتبس منك علما لزمك الجواب، فقال له: عليك بمجلس يجري فيه حديث الفرض والنفل والسنن وظواهر أمر الشريعة لتستفيد منه وتنتفع به، فأخذ الكرديّ في المطاولة وإيراد الهذيان وما لا محصول له، وسكت عنه أبو سعيد وصمت هو أيضا، وجعل أبو سعيد على عادته يبيّن ويوضّح ويتكلم وينثر الدرّ ولا يهدأ ولا يفتر لسانه ولا يجفّ ريقه، والكرديّ ملازمه، وكأنّه كالمتبرم به والمستثقل لجلوسه وملازمته إياه إلى أن قام ومضى؛ ثم قال أبو سعيد: ما ظننت أن ثقيلا تمكّن من أحد تمكّن هذا منّا اليوم، وإنّ ألم ثقله خلص إلى الروح والبدن كما خلص إليّ، لقد هممت تارة بضربه فقلت: ربما ضربني أيضا، ثم هممت بالقيام فقلت: ضرب من الخرق، ثم كدت أصيح فقلت: نوع من الجنون، ثم بقيت أدعو سرّا وأرغب إلى الله تعالى في صرفه، فتفضل الله الكريم عليّ بذلك، ومع هذه الحالة لم تزل أبيات محمد بن المرزبان تتردد بين لهاتي ولساني، فقلنا له: وما الأبيات؟ فقال:

أيا شقيق الرصاص والجبلويا قريع الأيام في الثّقل
أرح حياتي فقد هجمت علىنفسي وأشرفت بي إلى أجلي
والله لو كنت والدا حدباوكنت تحيي الأموات في المثل
وتمزج الثلج في العساس لدىالقيظ وعند الشتاء بالعسل
رحلت عن ذاك عند آخرهواخترت أن لا أراك في الرحل
فخذ طريفي وتالدي فإذالم يبق شيء فخذ إذا سملي
وارحل إلى الظلمة التي ذكرتمن خلف قاف يا شرّ مرتحل

قال: وكان قد ظهر بالعراق رجل من الجراد فأضرّت بالزروع والأثمار وغلت الأسعار وأثّرت في أحوال الناس، فحضرنا مجلس أبي سعيد السيرافي وكلّ منا شكا حاله وذكر خلّته، وكان فينا رجل مزارع ذكر أنه زرع بنواحي النهروان أربعة آلاف جريب ملكا وضمانا وإجارة رجاء الفائدة، وقد أتى عليها الجراد، وهلك ذلك الرجل لأجله، ثم قال أبو سعيد: لا يهولنّك أمرها فأنها جند من جنود الله مأمور، بلغنا أن جرادة سقطت بين يدي عبد الله بن عباس ﵁ فأخذها ونشر جناحها وقال:

أتعلمون ما هو مكتوب عليها ؟ قالوا: لا، قال: مكتوب عليها أنا مغلي الأسعار مع تدفّق الأنهار. وأورد في ذكر الجراد ما حيّر الناظرين ثم قال: ومن أحسن ما وصف به الجراد قول بعض الخطباء حيث يقول: إن الله سبحانه خلق خلقا وسمّاها جرادا، وألبسها أجلادا، وجنّدها أجنادا، وأدمجها إدماجا، وكساها من الوشي ديباجا، وجعل لها ذرية وأزواجا، إذا أقبلت خلتها سحابا أو عجاجا، وإذا أدبرت حسبتها قوافل وحجاجا، مزخرفة المقاديم، مزبرجة المآخير، مزوّقة الأطراف، منقطعة الأخفاف، منمنمة الحواشي، منمقة الغواشي، ذات أردية مزعفرة، وأكسية معصفرة، وأخفية مخططة، معتدلة قامتها، مؤتلفة خلقتها، مختلفة حليتها، موصولة المفاصل، مدرجة الحواصل، تسعى وتحتال، وتميس وتختال، وتطوف وتجتال، فتبارك خالقها، وتعالى رازقها، من غير حاجة منها إليها، رحمة منه عليها، أوسعها رزقا، وأتقنها خلقا، وفتق منها رتقا، ووشّح أعراقها، وألجم أعناقها، وطوّقها أطواقها، وقسم معايشها وأرزاقها، تنظر شزرا من ورائها، وترقب النازل من سمائها، وتحرس

الدائر من حوبائها، سلاحها عتيد، وبأسها شديد، ومضرّتها تعديد، وتدبّ على ست وتطير، فسبحان من خلقها خلقا عجيبا، وجعل لها من كلّ ثمر وشجر نصيبا، وجعل لها إدبارا وإقبالا، وطلبا واحتيالا، حتى دبّت ودرجت، وخرجت ودخلت، ونزلت وعرجت، مع المنظر الأنيق، والعصب الدقيق، والبدن الرقيق: هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه

(لقمان:) ثم قال: وماذا تقولون في طير إذا طار بسط، وإذا دنا من الأرض لطع، رجلاه كالمنشار، وعيناه كالزجاج، عينه في جنبه، ورجله أطول من قامته، ألا وهي الجرادة. ثم قال: وأحسن منه: جيدها كجيد البقر، ورأسها كرأس الفرس، وقرنها كقرن الوعل، ورجلها كرجل الجمل، وبطنها كبطن الحية، تطير بأربعة أجنحة، وتأكل بلسانها، فتبارك الله ما أحسنها.

وأحسن ما فيها أنها طعام ونقل، طاهر حيا وميتا، تجدب أقواما وتخصب آخرين.

فقلنا له: ما معنى قولك: «تجدب أقواما وتخصب آخرين» ؟ قال: إنها إذا حلت البوادي والفيافي ومواضع الرمال فهي خصب لهم وميرة، وإذا حلت بمأوى الزرع والأشجار فهي تجدب، لأنها تأتي على الشوك والشجر والرطب واليابس فلا تبقي ولا تذر.

قال: وقال أيضا في تضاعيف كلامه: خادم الملك لا يتقدم في رضاه خطوة إلا استفاد بها قدمة وحظوة.

قال: وما رأيت أحدا من المشايخ كان أذكر لحال الشباب وأكثر تأسّفا على ذهابه منه، فإنه إذا رأى أحدا من أقرانه قد عاجله الشيب تسلّى به، ولم يزل يسأله عن حاله [كيف] كانت في أيام الشباب وزمن الصبا، وإذا ذكر بين يديه ما يتعلّق بالشيب والشباب بكى وجدا وحنّ، وشكا وأنّ، وتذكر عهد الشباب. وكان كثيرا ما ينشد مقطعات محمود الوراق في الشيب ويبكي عليها، وأنشد يوما:

فإن يكن المشيب طرا عليناوولّى بالبشاشة والشباب
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «فإن يكن المشيب طرا علينا»
فإني لا أعاقبه بشيءيكون عليّ أهون من خضاب
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «فإن يكن المشيب طرا علينا»
رأيت بأنّ ذاك وذا عذابفينتقم العذاب من العذاب
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «فإن يكن المشيب طرا علينا»

قال وأنشدنا لمحمود الوراق في الشيب وعيناه تدمعان:

ولو أن دار الشيب قرّت بصاحبعلى ضيقها لم يبغ دارا بداره
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «ولو أن دار الشيب قرت بصاحب»
ولكنّ هذا الشيب للموت رائديخبرنا عنه بقرب مزاره
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «ولو أن دار الشيب قرت بصاحب»

قال أبو حيان: وكان أبو سعيد يفتي على مذهب الإمام أبي حنيفة وينصره، فجرى حديث تحليل النبيذ عنده، فقال له بعض الخراسانيين: أيها الشيخ دعنا من حديث أبي حنيفة وقول الشافعي، ما ترى أنت في شرب النبيذ والقدر الذي لا يسكر ويسكر؟

فقال: أما المذهب فمعروف لا عدول عنه، وأما الذي يقضيه الرأي ويوجبه العقل ويلزم من حيث الاحتياط والأخذ بالأحسن والأولى فتركه والعدول عنه، فقال له: بيّن لنا عافاك الله، فقال: اعلم أنه لو كان المسكر حلالا في كتاب الله تعالى أو سنة رسول الله ﷺ لكان يجب على العاقل رفضه وتركه بحجّة العقل والاستحسان، فإن شاربه محمول على كلّ معصية، مدفوع إلى كلّ بلية، مذموم عند كلّ ذي عقل ومروءة، يحيله عن مراتب العقلاء والفضلاء والأدباء، ويجعله من جملة السفهاء، ومع ذلك فيضرّ بالدماغ والعقل والكبد والذهن، ويولّد القروح في الجوف، ويسلب شاربه ثوب الصلاح والمروءة والمهابة حتى يصير بمنزلة المخبّط المخريق والمثبّج، يقول بغير فهم، ويأمر بغير علم، ويضحك من غير عجب، ويبكي من غير سبب، ويخضع لعدوه، ويصول على وليه، ويعطي من لا يستحقّ العطية، ويمنع من يستوجب الصلة، ويبذّر في الموضع الذي يحتاج فيه أن يمسك، ويمسك في الموضع الذي يحتاج فيه أن يبذر، يصير حامده ذاما وأفعاله ملومة، عبده لا يوقره، وأهله لا تقربه، وولده يهرب منه، وأخوه يفزع عنه، يتمزغ في قيئه، ويتقلب في سلحه، ويبول في ثيابه، وربما قتل قريبه، وشتم نسيبه، وطلق امرأته، وكسر آلة البيت، ولفظ بالخنا، وقال كلّ غليظة وفحش، يدعو عليه جاره، ويزري به

أصحابه، عند الله ملوم، وعند الناس مذموم، وربما تستولي عليه في حال سكره مخايل الهموم، فيبكي دما، ويشقّ جيبه حزنا، وينسى القريب، ويتذكر البعيد، والصبيان يضحكون منه، والنسوان يفتعلن النوادر عليه، ومع ذلك فبعيد من الله قريب من الشيطان، قد خالف الرحمن في طاعة الشيطان، وتمكن من ناصيته، وزيّن في عينه إتيان الكبائر وركوب الفواحش واستحلال الحرام وإضاعة الصلاة والحنث في الايمان، سوى ما يحلّ به عند الافاقة من الندامة، ويستوجب من عذاب الله يوم القيامة. فقال الرجل: والله إن قولك ووصفك له أعلق بالقلب من كلّ دليل واضح وبرهان لائح، وحجة وأثر، وقول وخبر، فقال له: لولا ذهاب الوقت ولا عوض له لاستدللت لكلّ خصلة ذكرتها ولفظة أوردتها بآية من كتاب الله أو خبر مأثور عن رسول الله ﷺ، حتى يقال: إن هذه الألفاظ مشتقة من ذاك مستنبطة منه، ولكن الأمر في ذلك أظهر وأشهر من أن يبيّن ويوضح. ولأبي حنيفة مسائل لا أرتضيها له، قد خالفه فيها أعيان الصحابة والناقلة لمذهبه، ولكن لكلّ أريب هفوة، ولكلّ جواد كبوة، والكلام إذا كثر لا يخلو من الخطأ، والقول إذا تتابع لا يعرى من التناقض، والله المعين على أمر الدنيا والدين.

قال أبو حيان، قال أبو سعيد: دخلت مسجدا بباب الشام يوما أنظر أبا منصور العمدي، فرأيت عربيّا قد استلقى ومخلاته تحت رأسه، وهو يترنّم بهذه الأبيات، بحلق أطيب ما يكون، وصوت أندى ما يسمع:

سماء الحبّ تهطل بالصدودونار الحبّ تحرق من بعيد
وعين الحب تأتي بالمنايافتغرسها على قلب عميد
وأول من عشقت عشقت ظبياله في الصدر قلب من حديد

فقلت له: أعد الأبيات، فقال لي: دخلت عليّ وشغلتني عما كنت عليه، خلوت بنفسي في هذا المسجد أتمنى أمانيّ دونها خرط القتاد، فأفسدتها عليّ، فحفظت الأبيات من قوله وانصرفت وتركته.

قال أبو حيان: وأنشدنا أبو سعيد السيرافي في المشيب:

تفكرت في شيب الفتى وشبابهفأيقنت أن الحقّ للشيب واجب
للشاعر كشاجم، من قصيدة «تفكرت في شيب الفتى وشبابه»
يصاحبني شرخ الشباب فينقضيوشيبي إلى حين الممات مصاحب

ثم قال: ما رأيت أحدا كان أحفظ لجوامع الزهد نظما ونثرا، وما ورد في الشيب والشباب، من شيخنا أبي سعيد، وذاك أنه كان دينا ورعا تقيا زاهدا عابدا خاشعا، له دأب بالنهار من القراءة والخشوع، وورد بالليل من القيام والخضوع، صام أربعين سنة الدهر كله. قال: وقال لي أبو إسحاق المدائني: ما قرأت عليه خبرا ولا شيئا قطّ فيه ذكر الموت والقبر والبعث والنشور والحساب والجنة والنار والوعد والوعيد والعقاب والمجازاة والثواب والانذار والاعذار وذم الدنيا وتقلّبها بأهلها وتغيرها على أبنائها إلا وبكى منها وجزع عندها، وربما تنغص عليه يومه وليلته، وامتنع من عادته في الأكل والشرب. وكان ينشدنا ويورد علينا من أمثاله ما كنا نستعين به ونستفيد منه ما نجعله حظّ يومنا. ورأيته يوما ينشد ويبكي:

حنى الدهر من بعد استقامته ظهريوأفضى إلى تنغيص عيشته عمري
ودبّ البلى في كلّ عضو ومفصلومن ذا الذي يبقى سليما على الدهر
للشاعر أحمد بن علوية الأصبهاني، من قصيدة «حنى الدهر من بعد استقامته ظهري»

قال: ووصّى يوما بعض أصحابه وكان يقرأ عليه «شرح الفصيح» لابن درستويه: كن كما قال الخليل بن أحمد: اجعل ما في كتبك رأس مالك، وما في صدرك للنفقة. قال: وأنشدنا:

وذي حيلة للشيب ظلّ يحوطهيقرّضه حينا وحينا ينتّف
وما لطفت للشيب حيلة عالممن الناس إلا حيلة الشيب ألطف

قال أبو حيان: وشكا أبو الفتح القواس إليه طول عطلته، وكساد سوقه، ووقوف أمره، وذهاب ماله، ورقّة حاله، وكثرة ديونه وعياله، وتجلّف صبيانه، وسوء عشرة أهله معه، وقلة رضاهم به، ومطالبتهم له بما لا يقوم به، وأنه يقع ويقوم

ويدخل كلّ مدخل حتى يحصّل لنفسه وعياله بعض كفايتهم، فقال: ثق بالله خالقك، وكل أمرك إلى رازقك، وأقلل من شغبك، وأجمل في طلبك، واعلم أنك بمرأى من الله ومسمع، قد تكفل برزقك فيأتيك من حيث لا تحتسبه، وضمن لك ولعيالك قوتهم فيدرّ عليك من حيث لا ترتقبه، وعلى حسب الثقة بالله يكون حسن المعونة، وبمقدار عدولك عن الله إلى خلقه يكون كلّ المؤونة، وأنشد وذكر أنه لبعض المحدثين:

يا طالب الرزق إنّ الرزق في طلبكوالرزق يأتي وإن أقللت من تعبك
لا يملكنّك لا حرص ولا تعبفيسلماك ولا تدري إلى عطبك
إن تخف أسباب رزق الله عنك فكمللرزق من سبب يغنيك عن سببك
بل ان تكن في أعزّ العزّ ذا أربفلا يكن زاد من لم تبل من أربك
لا تعرضنّ لزاد لست تملكهواقنع بزادك أو فاصبر على سغبك
ولست تحمد أن تعزى إلى نشبإذا عزيت إلى بخل على نشبك
هب جاهل القوم غرّته جهالتهألست ذا أدب فاعمل على أدبك
لا تكلبنّ على عرض الكرام تعشوالكلب أحسن حالا منك في كلبك
ولا تعب عرض من في عرضه جربإلا وأنت نقيّ العرض من جربك
وإنما الناس في الدنيا ذوو رتبفانهض إلى الرتبة العلياء من رتبك

قال أبو حيان: وكان يختلف إلى مجلس أبي سعيد عليّ بن المستنير، وكان هذا ابن بنت قطرب، وكان أبو سعيد يعرف له تقدّمه على كثير من أصحابه، وكان يرجع إلى وطأة خلق، وحسن عشرة، وحلاوة كلام، وفقر مدقع، وضرّ ظاهر، وحالة سيئة، وأمر مختلّ، ومعيشة ضيقة، وكثرة عيال ومؤونة، مع نشاط القلب، وثبات النفس، وطلاقة الوجه، والطرب والارتياح. وقرأ يوما على أبي سعيد «ديوان

المرقش» وأخذ خطّه بذلك وعجّل الانصراف من عنده، فقال له أبو سعيد: أين عزمت؟ قال: أذهب لأصلح أمر العيال، وأتمحّل وأحتال، فدعا له بالرزق والسعة والمعونة والكفاية، وهو مع ذلك ضاحك السنّ قرير العين، فلما انصرف قلنا له: هذا الرجل مع ما فيه لا يعرف الحزن في وجهه، ولا يشتدّ همه، ولا يقدر على دفعه، فالتفت بعضهم فقال: أيها الشيخ وراءه حال يخفيها عنا ويطويها منا، قال: ما أظنّ الأمر على ذلك، لكنّ الرجل عاقل، والعاقل يعلو عليه همه وحزنه فيقهرهما بعقله وعلمه، والجاهل يشتدّ همه وحزنه ويرى ذلك في وجهه ولا يقدر على دفعه لجهله، فاستحسنا ذلك وأثبتناه.

قال في «كتاب الامتاع»: فقال لي الوزير أين أبو سعيد من أبي علي، وأين علي بن عيسى منهما؟ وأين ابن المراغي أيضا من الجماعة؟ وكذلك المرزباني وابن شاذان وابن الوراق وابن حيويه، فكان من الجواب: أبو سعيد أجمع لشمل العلم، وأنظم لمذاهب العرب، وأدخل في كلّ باب، وأخرج عن كلّ طريق، وألزم للجادّة الوسطى في الدين والخلق، وأروى للحديث، وأقضى في الأحكام، وأفقه في الفتوى، وأحضر بركة على المختلفة، وأظهر أثرا في المقتبسة، ولقد كتب إليه نوح بن نصر- وكان من أدباء ملوك آل سامان- سنة أربعين وثلاثمائة كتابا خاطبه فيه بالإمام، وسأله عن مسائل تزيد على أربعمائة مسألة، الغالب عليها الحروف وما أشبه الحروف، وباقي ذلك أمثال مصنوعة على العرب شكّ فيها فسأله عنها، وكان هذا الكتاب مقرونا بكتاب الوزير البلعمي خاطبه فيه بامام المسلمين ضمنه مسائل في القرآن وأمثالا للعرب مشكلة. وكتب إليه المرزبان بن محمد ملك الديلم من أذربيجان كتابا خاطبه فيه بشيخ الاسلام، سأل عن مائة وعشرين مسألة أكثرها في القرآن وباقي ذلك في الروايات عن النبي ﷺ وعن الصحابة. وكتب إليه ابن حنزابة من مصر كتابا خاطبه فيه بالشيخ الجليل وسأله فيه عن ثلاثمائة كلمة من فنون الحديث المرويّ عن

النبي ﷺ وعن السلف، وقال لي الدارقطني سنة سبعين: أنا جمعت ذلك لابن حنزابة على طريق المعونة. وكتب إليه أبو جعفر ملك سجستان على يد شيخنا أبي سليمان كتابا خاطبه فيه بالشيخ الفرد، سأل عن سبعين مسألة في القرآن ومائة كلمة في العربية وثلاثمائة بيت من الشعر، هكذا حدثني به أبو سليمان، وأربعين مسألة في الأحكام، وثلاثين مسألة في الأصول على طريق المتكلمين. قال الوزير: وهذه المسائل والجوابات عندك؟ قلت: نعم، قال: في كم تقع؟ قلت: لعلها تقع في ألف وخمسمائة ورقة لأن أكثرها في الظهور، قال: ما أحوجنا إلى النظر إليها والاستمتاع بها والاستفادة منها، وأين الفراغ وأين السكون ونحن في كل يوم ندفع إلى طامّة تنسي ما سلف وتوعد بالداهية. ثم قال: صل حديثك، قلت: وأما أبو علي فأشدّ تفردا بالكتاب، وأكثر إكبابا عليه، وأبعد من كل ما عداه مما هو علم الكوفيين، وما تجاوز في اللغة كتب أبي زيد وأطرافا لغيره، وهو متّقد بالغيظ على أبي سعيد وبالحسد له: كيف تم له تفسير كتاب سيبويه من أوله إلى آخره بغريبه وأمثاله وشواهده وأبياته، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، لأن هذا شيء ما تمّ للمبرد ولا للزجاج ولا لابن السراج ولا لابن درستويه، مع سعة علمهم وفيض بيانهم، ولأبي علي أطراف من الكلام في مسائل أجاد فيها ولم يأتل، ولكنه قعد عن الكتاب على النظم المعروف.

وحدثني [بعض] أصحابنا أن أبا علي اشترى شرح أبي سعيد بالأهواز في توجهه إلى بغداد سنة ثمان وستين لاحقا بالخدمة المرسومة به والندامة الموقوفة عليه بألفي درهم، وهذا حديث مشهور وإن كان أصحابه يأبون الإقرار به إلا من يزعم أنه أراد النقض عليه واظهار الخطأ فيه. وقد كان الملك السعيد همّ بالجمع بينهما فلم يقض ذلك لأن أبا سعيد مات في رجب سنة ثمان وستين وثلاثمائة. وأبو علي يشرب ويتخالع

[ويفارق] هدي سجية أهل العلم وطريقة الديانين، وأبو سعيد يصوم الدهر ولا يصلّي إلا في الجماعة، ويفتي على مذهب أبي حنيفة، ويلي القضاء سنين، ويتأله ويتحرّج، وغيره بمعزل عن هذا، ولولا الإبقاء [على الحرمة] لأهل العلم لكان القلم يجري بما هو خاف، ويخبر بما هو مجمجم، ولكنّ الأخذ بحكم المروءة أولى، والإعراض عن ما يوجب اللائمة أحرى. وكان أبو سعيد حسن الخطّ، ولقد أراده الصيمري أبو جعفر على الانشاء والتحرير فاستعفى. وقال: هذا يحتاج فيه إلى دربة وأنا عار منها، وإلى سياسة وأنا غريب فيها.

ومن العناء رياضة الهرم

وحدثنا النصري أبو عبد الله وكان يكتب النوبة للمهلبي قال: كنت أخطّ بين يدي الصيمري أبي جعفر محمد بن أحمد بن محمد، فالتمسني يوما لأن أجيب ابن العميد أبا الفضل عن كتاب فلم يجدني، وكان أبو سعيد السيرافي بحضرته، فظنّ أنه لفضل العلم أقوم بالجواب من غيره، فتقدّم إليه أن يكتب ويجيب، فأطال في عمل نسخة كثر فيها الضّرب والإصلاح، ثم أخذ يحرّر والصيمري يقرأ ما يكتبه، فوجده مخالفا لجاري العادة لفظا، مباينا لما يؤثره ترتيبا، قال: ودخلت في تلك الحال فتمثل الصيمري بقول الشاعر:

يا باري القوس بريا ليس يصلحهلا تظلم القوس أعط القوس باريها

ثم قال لأبي سعيد: خفف عليك أيها الشيخ وادفع الكتاب إلى أبي عبد الله تلميذك ليجيب عنه، فخجل من هذا القول، فلما ابتدأت الجواب من غير نسخة تحيّر مني أبو سعيد ثم قال للصيمري: أيها الأستاذ ليس بمستنكر ما كان مني ولا بمستكثر ما كان منه، إن مال الفيء لا يصحّ في بيت المال إلا بين مستخرج وجهبذ، والكتّاب جهابذة الكلام، والعلماء مستخرجوه، فتبسم الصيمري وأعجبه ما سمع وقال: على كلّ حال ما أخليتنا من فائدة. وكان أبو سعيد بعيد القرين لأنّه كان يقرأ عليه القرآن والتفسير والفقه والفرائض والشروط والنحو واللغة والعروض والقوافي والحساب والهندسة والشعر والحديث والأخبار، وهو في كل هذا إما في الغاية وإما في الوسط.

وأما علي بن عيسى فعليّ الرتبة في النحو واللغة والكلام والعروض والمنطق، وعيب به لأنه لم يسلك طريق واضع المنطق بل أفرد صناعة وأظهر براعة، وقد عمل في القرآن كتابا نفيسا، هذا مع الدين الثخين والعقل الرزين.

وأما ابن المراغي فلا يلحق بهؤلاء، مع براعة اللفظ وسعة الحفظ، وقوة النفس، [وبلل الريق] وغزارة النفث، وكثرة الرواية، ومن نظر له في «كتاب البهجة» عرف ما أقول واعتقد فوق ما وصفت.

وأما المرزباني وابن شاذان والقرميسيني وابن الخلال وابن حيويه فلهم رواية وجمع، ليس لهم في شيء من ذلك نقط ولا إعجام، ولا إسراج ولا إلجام.

وحدثني الشيخ الامام علم الدين القاسم بن أحمد الأندلسي شيخنا قال:

حدثني تاج الدين أبو اليمن زيد بن الحسن الكندي شيخنا، قال: بلغني أن أبا سعيد دخل على ابن دريد وهو يقول: أول من أقوى في الشعر أبونا آدم ﵇ في قوله:

تغيّرت البلاد ومن عليهافوجه الأرض مغبرّ قبيح
تغيّر كلّ ذي طعم ولونوقلّ بشاشة الوجه المليح

فقال أبو سعيد: يمكن إنشاده على وجه لا يكون فيه إقواء، فقال: وكيف ذلك؟

قال: بأن تنصب بشاشة على التمييز، وترفع الوجه المليح بقلّ، ويكون قد حذف التنوين لالتقاء الساكنين كما حذف في قوله:

فألفيته غير مستعتبولا ذاكر الله إلا قليلا
للشاعر أبو الأسود الدؤلي، من قصيدة «أريت امرء كنت لم أبله»

وقال أبو حيان: جرى ليلة ذكر أبي سعيد السيرافي في مجلس ابن عباد، وكان ابن عباد يتعصب له، ويقدمه على أهل زمانه، ويزعم أنه حضر مجلسه، وأبان عن نفسه، وصادف من أبي سعيد بحر علم وطود حلم، فقال أبو موسى الخشكي: إلّا أنه لم يعمل في «شرح كتاب سيبويه» شيئا، فنظر إليه ابن عباد متنمرا ولم يقل حرفا، فعجبت من ذلك، ثم إني توصلت ببعض أصحابه حتى سأل عن حلمه عن أبي موسى مع ذبّه عن أبي سعيد فقال: والله لقد ملكني الغيظ على ذلك الجاهل حتى عزب عنّي رأيي ولم أجد في الحال شيئا يشفي غيظي وغلّتي منه، فصار ذلك سببا لسكوتي عنه، فشابهت الحال الحلم، وما كان ذلك حلما، ولكن طلبا لنوع من الاستخفاف لائق به، فو الله ما يدري ذلك الكلب ولا أحد ممن خرج من قريته ورقة من ذلك الكتاب، وهل سبق أحد إلى مثله من أول الكتاب إلى آخره مع كثرة فنونه وخوافي

أسراره؟! وكان أبو موسى هذا من طبرستان، فعدّ هذا التعصب من مناقب ابن عباد، وحجب أبا موسى بعد ذلك.

ومن عجيب ما مرّ بي ما قرأته في «كتاب الانتصار المنبي عن فضائل المتنبي» لأبي الحسين محمد بن أحمد بن محمد المغربي راوية المتنبي وكان قد ردّ فيه على بعض من زعم أن شعر المتنبي مسروق من أبي تمام والبحتري، وله قصيدة عارض بها بعض قصائد المتنبي، وأخذ المغربي يردّ عليه فقال: ورأيته وقد استشهد بأبي سعيد السيرافي مؤدّب الأمير أبي إسحاق ابن معز الدولة أبي الحسين ابن بويه وذكر أنه أعطاه خطه بأن قصيدته خير من قصيدة أبي الطيب، قال: ومن جعل الحكم في هذا إلى أبي سعيد؟ إنما يحكم في الشعر الشعراء لا المؤدّبة، وبمثل هذا جرت سنة العرب في القديم، كانت تضرب للنابغة خيمة من أدم بسوق عكاظ وتأتي الشعراء من سائر الآفاق فتعرض أشعارها عليه فيحكم لمن أجاد، وخبره مع حسان وغيره معروف، ولو كان أعلم الناس بالنحو أشعرهم لكان أبو علي الفسوي أشعر الناس، وما عرف له نظم بيت ولا أبيات ولا سمع ذلك منه. وأما إعطاء أبي سعيد خطه فيوشك أن يكون من جنس ما حدثني به المعروف بابن الخزاز الوراق ببغداد وأبو بكر القنطري وأبو الحسين ابن الخراساني، وهما وراقان أيضا من جلة أهل هذه الصنعة أن أبا سعيد إذا أراد بيع كتاب استكتبه بعض تلامذته حرصا على النفع منه ونظرا في دق المعيشة كتب في آخره، وإن لم ينظر في حرف منه: «قال الحسن بن عبد الله قد قرىء هذا الكتاب عليّ وصح» ليشترى بأكثر من ثمن مثله. قلت: وهذا ضد ما وصفه به الخطيب من متانة الدين، وتأبّيه من أخذ رزق على القضاء، وقناعته بما يحصل من نسخه هذه، والله أعلم بما كان.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجم الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.