من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
الحسن بن رشيق القيرواني مولى الأزد
: كان شاعرا أديبا نحويا لغويا حاذقا عروضيا كثير التصنيف حسن التأليف، وكان بينه وبين ابن شرف الأديب مناقضات ومحاقدات، وصنّف في الردّ عليه عدة تصانيف.
كان أبوه رشيق روميا- ذكر ذلك هو في الردّ على ابن شرف بعد ذكره نسب ابن شرف: هو اسم امرأة نائحة، ثم قال: وأما أنا فنظر الله في وجهة هذا الشيخ إليّ، وأتمّ به النعمة عليّ، فما أبغى به أبا، ولا أرضى بمذهبه مذهبا، رضيت به روميا لا دعيّا ولا بدعيّا.
تأدب ابن رشيق على أبي عبد الله ابن جعفر القزاز القيرواني النحوي اللغوي وغيره من أهل القيروان، ومات بالقيروان سنة ست وخمسين وأربعمائة عن ست وستين سنة، ذكر ابن رشيق هذا نفسه في كتابه الذي صنفه في شعراء عصره ووسمه ب «الأنموذج» فقال في آخره: صاحب الكتاب هو حسن بن رشيق، مولى من موالي الأزد، ولد بالمحمدية سنة تسعين وثلاثمائة، وتأدّب بها يسيرا وقدم إلى الحضرة سنة ست وأربعمائة، وامتدح سيدنا خلّد الله دولته (قال المؤلف: يعني المعز بن باديس بن المنصور) سنة عشر بقصيدة أوّلها:
ذمّت لعينك أعين الغزلانقمر أقرّ لحسنه القمران
ومشت ولا والله ما حقف النقامما أرتك ولا قضيب البان
وثن الملاحة غير أنّ ديانتيتأبى عليّ عبادة الأوثان
منها:
يا ابن الأعزّة من أكابر حميروسلالة الأملاك من قحطان
من كلّ أبلج واضح بلسانهيضع السيوف مواضع التيجان
قال: ومن مدح القصيدة التي دخل بها في جملته، ونسب إلى خدمته فلزم الديوان، وأخذ الصلة والحملان:
لدن الرماح لما تسقى أسنّتهامن مهجة القيل أو من ثغرة البطل
لو أثمرت من دم الأعداء سمر قنالأورقت عنده سمر القنا الذبل
إذا توجّه في أولى كتائبهلم تفرق العين بين السهل والجبل
فالجيش ينفض حوليه أسنتهنفض العقاب جناحيها من البلل
يأتي الأمور على رفق وفي دعةعجلان كالفلك الدوار في مهل
قال: ومن رثائه:
أما لئن صحّ ما جاء البريد بهليكثرنّ من الباكين أشياعي
ما زلت أفزع من يأس الى طمعحتى ترفّع يأسي فوق أطماعي
فاليوم أنفق كنز العمر أجمعهلمّا مضى واحد الدنيا باجماع
قال: ومن هجائه:
قالوا رأينا فراتا ليس يوجعهما يوجع الناس من هجو إذا قذفا
وله من كتاب «سر السرور»:
معتقة يعلو الحباب متونهافتحسبه فيها نثير جمان
رأت من لجين راحة لمديرهافطافت له من عسجد ببنان
ومن غير كتابه، له:
ومن حسنات الدهر عندي ليلةمن العمر لم تترك لأيامها ذنبا
خلونا بها ننفي القذى عن عيوننابلؤلؤة مملوءة ذهبا سكبا
قال الأبيوردي: هذا أحسن من قول ابن المعتز:
كم من عناق لنا ومن قبلمختلسات حذار مرتقب
نقر العصافير وهي خائفةمن النواطير يانع الرّطب
وله أيضا:
قد أحكمت مني التجاربكلّ شيء غير جودي
أبدا أقول لئن كسبتلأقبضنّ يدي شديد
حتى إذا أثريت عدتإلى السماحة من جديد
إنّ المقام بمثل حاليلا يتمّ مع القعود
لا بد لي من رحلةتدني من الأمل البعيد
وله أيضا:
في الناس من لا يرتجى نفعهإلا إذا مس باضرار
كالعود لا يطمع في طيبهإن أنت لم تمسسه بالنار
ومما أورده ابن رشيق لنفسه في «الأنموذج»:
أقول كالمأسور في ليلةألقت على الآفاق كلكالها
يا ليلة الهجر التي ليتهاقطّع سيف الهجر أوصالها
ما أحسنت جمل ولا أجملتهذا وليس الحسن إلا لها
وأنشد لنفسه أيضا:
أحبّ أخي وإن أعرضت عنهوقلّ على مسامعه كلامي
ولي في وجهه تقطيب راضكما قطّبت في وجه المدام
وربّ تجهم من غير بغضوضغن كامن تحت ابتسام
وله أيضا:
من جفاني فإنني غير جافصلة أو قطيعة في عفاف
ربما هاجر الفتى من يصافيهولاقى بالبشر من لا يصافي
وأنشد لنفسه في كتاب «فسح اللمح»:
المرء في فسحة كما علمواحتى يرى شعره وتأليفه
فواحد منهما صفحت لهعنه وجازت له زخاريفه
وآخر أنت منه في غررإن لم يوافق رضاك تثقيفه
وقد بعثنا كيسين ملؤهمانقد امرىء حاذق وتزييفه
فانظر وما زلت أهل معرفةيا من لنا علمه ومعروفه
ثم قال في ورقة أخرى: تمام الأبيات العينية (وما وجدتها، أعني الأبيات التي هذه تمامها):
ولو غيرك الموسوم عندي برتبةلأعطيت فيه مدعي القوم ما ادّعى
فلا تتخالجك الظنون فإنهامآثم واترك للصنائع موضعا
فو الله ما طوّلت باللوم فيكملسانا ولا عرّضت للذمّ مسمعا
ولا ملت عنكم بالوداد ولا انطوتحبالي ولا ولّى ثنائي مودّعا
بلى ربما أكرمت نفسي فلم تهنوأجللتها عن أن تذلّ وتخضعا
فباينت لا أنّ العداوة باينتوقاطعت لا أنّ الوفاء تقطعا
وختم كتاب «العمدة» بهذه الأبيات:
إن الذي صاغت يدي وفميوجرى لساني فيه أو قلمي
مما عنيت بسبك خالصهواخترته من جوهر الكلم
لم أهده إلا لتكسوهذكرا يجدده على القدم
لسنا نزيدك فضل معرفةلكنهنّ مصايد الكرم
فاقبل هدية من أشدت بهونسخت عنه آية العدم
لا تحسن الدنيا أبا حسنتأتي بمثلك فائق الهمم
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع