تجاوز إلى المحتوى

من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)

الحسن بن بشر بن يحيى الآمدي النحوي الكاتب

، أبو القاسم: صاحب «كتاب الموازنة بين الطائيين»: كان حسن الفهم جيد الدراية والرواية، سريع الإدراك، رأيت سماعه على «كتاب القوافي» لأبي العباس المبرد، وقد سمعه على نفطويه سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة، ثم وجدت خطّه على كتاب «تبيين [غلط] قدامة بن جعفر في نقد الشعر» وقد ألفه لأبي الفضل محمد بن الحسين بن العميد، وقد قرأه عليه وكتب خطه في سنة خمس وستين وثلاثمائة.

وقال ابن النديم في «الفهرست» الذي ألفه في سنة سبع وسبعين وثلاثمائة: هو من أهل البصرة قريب العهد، وأحسبه يحيا إلى الآن، ثم وجدت «كتاب القوافي» للمبرد بخط أبي منصور الجواليقي ذكر في إسناده أن عبد الصمد بن حنيش النحوي قرأه على أبي القاسم الآمدي في سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة. وفي «تاريخ»

هلال بن المحسن: في هذه السنة- يعني في سنة سبعين- مات الحسن بن بشر الآمدي بالبصرة.

وقال أبو علي المحسن التنوخي حدثني أبو القاسم الحسن بن بشر الآمدي، كاتب القضاة من بني عبد الواحد بالبصرة، وله شعر حسن واتساع تامّ في الأدب، ودراية وحفظ وكتب مصنفة، قال: حدثني أبو إسحاق الزجاج قال: كنا ليلة بحضرة القاسم بن عبيد الله نشرب، وهو وزير، فغنت بدعة جارية عريب:

أدلّ فأكرم به من مدلّومن ظالم لدمي مستحلّ
إذا ما تعزز قابلتهبذلّ وذلك جهد المقلّ
للشاعر أبو الفرج الأصبهاني، من قصيدة «أذل فيا حبذا من مدل»
وأسلمت خدّي له خاضعاولولا ملاحته لم أذلّ

فأدّت فيه صنعة حسنة جدّا، فطرب القاسم عليه طربا شديدا واستحسن الصنعة جدّا والشعر فأفرط، فقالت بدعة: يا مولاي إن لهذا الشعر خبرا حسنا أحسن منه، قال: وما هو؟ قالت: هو لأبي خازم القاضي، قال: فعجبنا من ذلك، مع شدة تقشف القاضي أبي خازم وورعه وتقبّضه، فقال لي الوزير: بالله يا أبا إسحاق اركب إلى أبي خازم واسأله عن هذا الشعر وسببه، فباكرته وجلست حتى خلا وجهه ولم يبق إلا رجل بزيّ القضاة عليه قلنسوة، فقلت: بيننا شيء أقوله على خلوة، فقال: ليس هذا ممن أكتمه شيئا، فقصصت عليه الخبر، وسألت عن الشعر والخبر، فتبسّم ثم قال: هذا شيء كان في الحداثة، قلته في والدة هذا- وأومأ الى القاضي الجالس وإذا هو ابنه- وكنت إليها مائلا، وكانت لي مملوكة ولقلبي مالكة، فأما الآن

فلا عهد لي بمثله منذ سنين، ولا عملت شعرا منذ دهر طويل، وأنا أستغفر الله مما مضى. قال: فوجم الفتى حتى ارفضّ عرقا، وعدت إلى القاسم فأخبرته فضحك من خجل الابن وقال: لو سلم من العشق أحد لكان أبو خازم مع تقبضه وكنا نتعاود ذلك زمانا.

قال المؤلف: كان هذا الخبر بترجمة أبي إسحاق الزجاج أحرى إلا أنّ في أوله من إيضاح حال الآمدي ما ساق باقي الحديث.

قال أبو علي: كان قد ولي القضاء بالبصرة في سنة نيف وخمسين وثلاثمائة رجل لم يكن عندهم بمنزلة من صرف به، لأنه ولّي صارفا لأبي الحسن محمد بن عبد الواحد الهاشمي، فقال فيه أبو القاسم الحسن بن بشر الآمدي كاتب القاضيين أبي القاسم جعفر وأبي الحسن محمد بن عبد الواحد:

رأيت قلنسوة تستغيثمن فوق رأس تنادي خذوني
وقد قلقت فهي طورا تميلمن عن يسار ومن عن يمين
فطورا تراها فويق القفاوطورا تراها فويق الجبين
للشاعر الحسن بن بشر بن الآمدي، من قصيدة «فقلت لها أي شيء دهاك؟»
فقلت لها أيّ شيء دهاكفردّت بقول كئيب حزين
للشاعر الحسن بن بشر بن الآمدي، من قصيدة «فقلت لها أي شيء دهاك؟»
دهاني أن لست في قالبيوأخشى من الناس أن يبصروني
للشاعر الحسن بن بشر بن الآمدي، من قصيدة «فقلت لها أي شيء دهاك؟»
وأن يعبثوا بمزاح معيوإن فعلوا ذاك بي قطعوني
للشاعر الحسن بن بشر بن الآمدي، من قصيدة «فقلت لها أي شيء دهاك؟»
فقلت لها مرّ من تعرفينمن المنكرين لهذي الشؤون
للشاعر الحسن بن بشر بن الآمدي، من قصيدة «فقلت لها أي شيء دهاك؟»
[ومن كان يشهق إما رآكويخرج من جوفه كالرنين]
ومن كان يصفع في الدين لايملّ ويشتدّ في غير لين
للشاعر الحسن بن بشر بن الآمدي، من قصيدة «فقلت لها أي شيء دهاك؟»
ويسلح ملأك كيل التمامإما على صحة أو جنون
ففارقها ذلك الإنزعاجوعادت إلى حالها في السكون
للشاعر الحسن بن بشر بن الآمدي، من قصيدة «فقلت لها أي شيء دهاك؟»

وحدث ابن نصر قال: حدّثت يوما أبا الفرج الببغا الشاعر أن أبا الفرج منصور بن بشر النصراني الكاتب، وكان منقطعا إلى أبي العباس ابن ماسرجس، فأنفذه مرة إلى أبي عمر إسماعيل بن أحمد عامل البصرة في بعض حاجاته، فعاد من عنده مغضبا لأنه لم يستوف له القيام عند دخوله، وأراد أبو العباس إنفاذه بعد أيام فأبى وقال: لو أعطيتني زورق ابن الخواستيني مملوءا كيمياء، كلّ مثقال منه إذا وضع على ألف مثقال صفرا صار ذهبا إبريزا ما مضيت إليه، فأمسك عنه مغيظا (وهذا زورق معروف بالبصرة، وحمله ثلاثمائة ألف رطل، وقد رأيت دواتي أبي العباس سهل بن بشر، وقد حكي له أن ابن علان قاضي القضاة بالأهواز ذكر أنه رأى قبجة وزنها عشرة أرطال، فقال: هذا محال، فقيل له: تردّ قول ابن علان؟ قال: فإن قال ابن علان إن على شاطىء جيحون نخلا يحمل غضار صيني مجزّع بسواد أقبل) وقلت لأبي الفرج: وللناس عادات في المبالغات، وهذا من أعجبها، فقال لي: كان الآمدي النحويّ صاحب «كتاب الموازنة» يدّعي هذه المبالغات على أبي تمام ويجعلها استطرادا لعيبه إذا ضاق عليه المجال في ذمه، وأورد في كتابه قوله من قصيدته التي أولها:

من سجايا الطلول ألا تجيبا خضبت خدّها إلى لؤلؤ العقد دما أن رأت شواتي خضيبا كلّ داء يرجى الدواء له الا الفظيعين ميتة ومشيبا

ثم قال: هذه من مبالغاته المسرفة؛ ثم قال أبو الفرج: هذه والله المبالغة التي يبلغ بها السماء.

وله من الكتب: كتاب المختلف والمؤتلف في أسماء الشعراء. كتاب نثر المنظوم. كتاب الموازنة بين أبي تمام والبحتري. كتاب في أن الشاعرين لا تتفق خواطرهما. كتاب ما في عيار الشعر لابن طباطبا من الخطأ. كتاب فرق ما بين الخاصّ والمشترك من معاني الشعر. كتاب تفضيل شعر امرىء القيس على الجاهليين. كتاب في شدة حاجة الإنسان إلى أن يعرف نفسه. كتاب تبيين غلط قدامة بن جعفر في «كتاب نقد الشعر». كتاب معاني شعر البحتري. كتاب الرد على ابن عمار فيما خطأ فيه أبا تمام. كتاب فعلت وأفعلت، غاية لم يصنف مثله. كتاب الحروف من الأصول في الأضداد، رأيته بخطه في نحو مائة ورقة. كتاب ديوان شعره نحو مائة ورقة.

وقرأت في كتاب ألفه أحد بني عبد الرحيم الوزراء الذين مدحهم مهيار وغيره ولم يذكر اسمه، قال أخبرني القاضي أبو القاسم التنوخي عن أبيه أبي علي المحسن أن مولد أبي القاسم الحسن بن بشر الآمدي بالبصرة وأنه قدم بغداد يحمل عن الأخفش والحامض والزجاج وابن دريد وابن السراج وغيرهم اللغة والنحو، وروى الأخبار في آخر عمره بالبصرة، وكان يكتب بمدينة السلام لأبي جعفر هارون بن محمد الضبي خليفة أحمد بن هلال صاحب عمان بحضرة المقتدر بالله ووزارته ولغيره من بعده، وكتب بالبصرة لأبي الحسن أحمد وأبي أحمد طلحة بن الحسن بن المثنى، وبعدهما لقاضي البلد أبي القاسم جعفر ابن عبد الواحد الهاشمي على الوقوف التي تليها القضاة ويحضر به في مجلس حكمه، ثم لأخيه أبي الحسن محمد بن عبد الواحد لما ولي قضاء البصرة، ثم لزم بيته إلى أن مات. وكان كثير الشعر حسن الطبع جيد الصنعة

مشتهرا بالتشبيهات.

ولأبي القاسم تصانيف كثيرة جيدة مرغوب فيها منها «كتاب الموازنة بين البحتري وأبي تمام» في عشرة أجزاء وهو كتاب حسن، وإن كان قد عيب عليه في مواضع منه، ونسب إلى الميل مع البحتري فيما أورده، والتعصّب على أبي تمام فيما ذكره، والناس بعد فيه على فريقين: فرقة قالت برأيه حسب رأيهم في البحتري وغلبة حبّهم لشعره، وطائفة أسرفت في التقبيح لتعصّبه، فإنه جدّ واجتهد في طمس محاسن أبي تمام وتزيين مرذول البحتري. ولعمري إن الأمر كذلك، وحسبك أنه بلغ في كتابه إلى قول أبي تمام:

أصمّ بك الناعي وإن كان أسمعا

وشرع في إقامة البراهين على تزييف هذا الجوهر الثمين، فتارة يقول: هو مسروق، وتارة يقول: هو مرذول، ولا يحتاج المنصف إلى أكثر من ذلك؛ إلى غير ذلك من تعصباته، ولو أنصف وقال في كلّ واحد بقدر فضائله لكان في محاسن البحتري كفاية عن التعصب بالوضع من أبي تمام.

وله أيضا «كتاب الخاص والمشترك» تكلم فيه على الألفاظ والمعاني التي تشترك العرب فيها ولا ينسب مستعملها إلى السرقة وإن كان سبق إليها، وبيّن الخاصّ الذي ابتدعه الشعراء وتفردوا به ومن اتبعهم، وما أقصر في إيضاح ذلك وتحقيقه، إلى غير ذلك من تصانيفه التي ذكرنا منها ما قدرنا عليه فيما تقدم.

ومن شعره:

يا واحدا بان في الزمانممن يجاريه أو يداني
دعني من نائل جزيليعجز عن شكره لساني
للشاعر الحسن بن بشر بن الآمدي، من قصيدة «يا واحداً كان في الزمان»
فلست والله مستميحاولا أخا مطمع تراني
للشاعر الحسن بن بشر بن الآمدي، من قصيدة «يا واحداً كان في الزمان»
وهب إذا كنت لي وهوبامن بعض أخلاقك الحسان
للشاعر الحسن بن بشر بن الآمدي، من قصيدة «يا واحداً كان في الزمان»

وقال في أبي محمد المافروخي، وكان عالما فاضلا لا يجارى لكنه كان تمتاما:

لا تنظرنّ إلى تتعتعه إذارام الكلام ولفظه المعتاص
للشاعر الحسن بن بشر بن الآمدي، من قصيدة «لا تنظرن إلى تتعتعه إذا»
وانظر إلى الحكم التي يأتي بهاتشفيك عند تطلّق وخلاص
فالدرّ ليس يناله غوّاصهحتى تقطّع أنفس الغوّاص
للشاعر الحسن بن بشر بن الآمدي، من قصيدة «لا تنظرن إلى تتعتعه إذا»

وفي «النشوار»: حدثني أبو القاسم الحسن بن بشر الآمدي قال، قال أبو أحمد طلحة بن الحسن بن المثنّى، وقد تجارينا على خلوة الحديث فيما كان بينه وبين أبي القاسم البريدي وتدبير كلّ واحد منهما على صاحبه في القبض عليه، وأشرت عليه بأن يهرب ولا يقيم، وأنه لا يجب أن يغترّ، فقال: لست أفكر في هذا الرجل لأمور كثيرة منها: رؤيا رأيتها منذ ليال كثيرة، فقلت: ما هي؟ فقال: رأيت ثعبانا عظيما قد خرج من هذا الحائط، وأومأ بيده إلى حائط في مجلسه، وهو يريدني، فطلبته [وضربته] فأثبتّه في الحائط، فتأولت ذلك أن الثعبان البريديّ وأني أغلبه؛ قال: فحين قال: «فأثبتّه في الحائط» سبق إلى قلبي أنّ البريديّ هو الثابت، وأن الحائط حياطة له دون أبي أحمد، فأردت أن أقول له إن الخبر مستفيض بما كان عبد الملك رأى في منامه كأنه وابن الزبير اصطرعا في صعيد من الأرض، فطرح ابن الزبير عبد الملك تحته على الأرض، وأوتده بأربعة أوتاد فيها، وأنه أنفذ راكبا إلى البصرة حتى لقي ابن سيرين فقصّ عليه الرؤيا كأنها له، وكتم [ذكر] ابن الزبير، فقال له ابن سيرين: هذه الرؤيا ليست رؤياك فلا أفسّرها لك، فألحّ عليه فقال له:

هذه الرؤيا يجب أن تكون لعبد الملك، فإن صدقتني فسّرتها لك، فقال: هو كما وقع لك، فقال: قل له إن صحّت رؤياك هذه فستغلب ابن الزبير على الأرض، ويملك الأرض من صلبك أربعة ملوك. فمضى الرجل إلى عبد الملك فأخبره، فعجب من فطنة ابن سيرين، فقال: ارجع إليه فقل له من أين قلت ذلك؟ فرجع الرجل إليه فقال

له: إن الغالب في النوم هو المغلوب، وتمكنه على الأرض غلبته عليها، والأوتاد الأربعة التي أوتدها في الأرض هم ملوك يتمكنون من الأرض كما تمكنت الأوتاد. قال أبو القاسم الآمدي: فأردت أن أقول لأبي أحمد هذا، وما وقع لي من القياس عليه في تفسير رؤياه، فكرهت ذلك، لأنه كان يكون سوء أدب وقباحة عشرة ونعيا لنفسه، فما مضت إلا أيام حتى قبض البريديّ عليه وكان من أمره ما كان.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجم الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.