من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
الحسن بن أسد بن الحسن الفارقي
أبو نصر: شاعر رقيق الحواشي مليح النظم متمكن من القافية كثير التجنيس قلما يخلو له بيت من تصنيع وإحسان وبديع، كان في أيام نظام الملك والسلطان ملكشاه، وشمله منهما الجاه بعد أن قبض عليه وأساء إليه، فإنه كان مستوليا على آمد وأعمالها، مستبدّا باستيفاء أموالها، فخلصه الكامل الطبيب. وكان نحويا رأسا وإماما في اللغة يقتدى، وصنف في الآداب تصانيف تقوم له مقام شاهدي عدل بفضله وعظم قدره، منها: كتاب شرح اللمع كبير. كتاب الإفصاح في شرح أبيات مشكلة.
حدثني الشيخ الإمام موفق الدين أبو البقاء يعيش بن علي بن يعيش النحوي قال: حدثني قاضي عسكر نور الدين محمود بن زنكي قال: قدم على ابن مروان صاحب ديار بكر شاعر من العجم يعرف بالغساني، وكان من عادة ابن مروان إذا قدم عليه شاعر يكرمه وينزله ولا يجتمع به إلى ثلاثة أيام ليستريح من سفره ويصلح شعره ثم يستدعيه، واتفق أن الغسانيّ لم يكن أعدّ شيئا في سفره ثقة بقريحته، فأقام ثلاثة أيام فلم يفتح عليه بعمل بيت واحد، وعلم أنه يستدعى ولا يليق به أن يلقى الأمير بغير مديح، فأخذ قصيدة من شعر ابن أسد لم يغير فيها إلا اسمه، فغضب من ذلك وقال:
يجيء هذا العجمي فيسخر منا؟! ثم أمر بمكاتبة ابن أسد، وأمر أن يكتب القصيدة بخطّه ويرسلها إليه، فخرج بعض الحاضرين فأنهى القضية إلى الغساني، وكان هذا بآمد، وكان له غلام جلد، فكتب من ساعته إلى ابن أسد كتابا يقول فيه: إني قدمت على الأمير فأرتج عليّ قول الشعر مع قدرتي عليه، فادّعيت قصيدة من شعرك استحسانا لها وعجبا بها ومدحت بها الأمير، ولا أبعد أن تسأل عن ذلك، فإن سئلت فرأيك الموفق في الجواب، فوصل غلام الغساني قبل كتاب ابن مروان، فجحد ابن أسد أن يكون عرف هذه القصيدة أو وقف على قائلها قبل هذا، فلما ورد الجواب على ابن مروان عجب من ذلك وأساء إلى الساعي وشتمه وقال: إنما قصدكم فضيحتي بين الملوك، وإنما يحملكم على هذا الفعل الحسد منكم لمن أحسن إليه، ثم زاد في الإحسان إلى الغساني وانصرف إلى بلاده. فلم يمض على ذلك إلا مديدة حتى اجتمع أهل ميافارقين إلى ابن أسد، ودعوه إلى أن يؤمّروه عليهم، ويساعدوه على العصيان، وإقامة الخطبة للسلطان ملكشاه وحده، وإسقاط ابن مروان بن الخطبة، فأجابهم إلى ذلك، وبلغ ذلك ابن مروان فحشد له، ونزل على ميافارقين محاصرا فأعجزه أمرها، فأنفذ إلى نظام الملك والسلطان يستمدّهما، فأنفذا إليه جيشا ومددا مع الغساني الشاعر المذكور آنفا، وكان تقدّم عند نظام الملك والسلطان وصار من أعيان الدولة، وصدقوا في الزحف على المدينة حتى أخذوها عنوة وقبض على ابن أسد وجيء به إلى ابن مروان، فأمر بقتله، فقام الغساني وجرّد العناية في الشفاعة، فامتنع ابن مروان امتناعا شديدا من قبول شفاعته، وقال: إن ذنبه وما اعتمده من شقّ العصا يوجب أن يعاقب عقوبة من عصى وليس عقوبة غير القتل، فقال: بيني وبين هذا الرجل ما يوجب قبول شفاعتي فيه، وأنا أتكفّل به ألا يجري منه بعد شيء يكره، فاستحيى منه وأطلقه له، فاجتمع به الغسّاني وقال له: أتعرفني؟ قال: لا والله ولكني أعرف أنك ملك من ملائكة السماء منّ الله بك عليّ لبقاء مهجتي، فقال له: أنا الذي ادّعيت قصيدتك وسترت عليّ، وما جزاء الإحسان إلا الاحسان، فقال ابن أسد: ما رأيت ولا سمعت بقصيدة جحدت فنفعت صاحبها أكثر من نفعها إذا ادّعاها
غير هذه، فجزاك الله عن مروءتك خيرا، وانصرف الغساني من حيث جاء.
وأقام ابن أسد مدة ورقّت حاله، وجفاه إخوانه وعاداه أعوانه، ولم يقدم أحد على مقاربته ولا مرافدته حتى أضرّ به العيش، فعمل قصيدة مدح بها ابن مروان وتوصّل حتى وصلت إليه فلما وقف ابن مروان عليها غضب وقال: لا يكفيه ان يخلص منا رأسا برأس حتى يريد منا الرفد والمعيشة، لقد أذكرني بنفسه، فاذهبوا به فاصلبوه، فذهبوا به فصلبوه، ﵀.
ومن شعر الحسن بن أسد الفارقي ﵀:
بنتم فما كحل الكرىلي بعد وشك البين عينا
ولقد غدا كلفي بكمأذنا عليّ لكم وعينا (رقيب
فأسلت بعد فراقكممن ناظري بالدمع عينا (عين الماء
فحكت مدامعها الغزارمن الغيوم الغرّ عينا (عين السحاب
جادت على أثر شفىعينا لهم لم تلق عينا (شخص
من كلّ واضحة الترائب سهلة الخدين عينا (واسعة العين
غراء تحسب وجههاللشمس حين تراه عينا
أمسيت في حيّ لهاعبدا أضام وكنت عينا (سيد
لا حركت ركب الركائبإذ بهنّ سريت عينا (حر من النوق
غار الحسود من الوصالفلا رعاه الله عينا (مصدر
فذممت حرفا عاينتعيناي في أولاه عينا (عين الحرف
كانت تناصفنا وصافيالودّ لا ورقا وعينا (ذهب
لهفي وقد أبصرت فيميزان ذاك الوصل عينا (نقصان
كم من أخ فينا وعىما لم نكن فيه وعينا (سمعنا
ومصاحب صنّفت فيعدوائه للعين عينا (كتاب الخليل
وقال في الشمعة:
ونديمة لي في الظلام وحيدةمثلي مجاهدة كمثل جهادي
فاللون لوني والدموع كأدمعيوالقلب قلبي والسهاد سهادي
لا فرق فيما بيننا لو لم يكنلهبي خفيّا وهو منها بادي
وله أيضا:
أريقا من رضابك أم رحيقارشفت فلست من سكري مفيقا
وللصهباء أسماء ولكنجهلت بأنّ في الأسماء ريقا
حمتني عن حميّا الكأس نفسإلى غير المعالي لن تتوقا
وما تركي لها شح ولكنطلبت فما وجدت لها صديقا
وله أيضا:
وإخوان بواطنهم قباحوإن كانت ظواهرهم ملاحا
حسبت مياه ودهم عذابافلما ذقتها كانت ملاحا
وله أيضا:
ووقت غنمناه من الدهر مسعدمعار وأوقات السرور عواري
معانيه مما نبتغيه جميعهكواس ومما لا نريد عواري
أدار علينا الكاس فيه ابن أربعوعشر له بالكأس أي مدار
تناولتها منه بكفّ كأنهاأناملها تحت الزجاج مداري
وله أيضا:
تيّم قلبي شادن أغيدملّك فالناس له أعبد
لو جاز أن يعبد في حسنهوظرفه كنت له أعبد
وله أيضا:
هويت بديع الحسن للغصن قدّهوللظبي عيناه وخدّاه للورد
غزال من الغزلان لكن أخافهوإن كنت مقداما على الأسد الورد
وله أيضا:
ولربّ دان منك يكره قربهوتراه وهو عشاء عينك والقذى
فاعرف وخلّ مجرّبا هذا الورىواترك لقاءك ذا كفافا والق ذا
وله أيضا:
أيا ليلة زار فيها الحبيبأعيدي لنا منك وصلا وعودي
فإني شهدتك مستمتعابه بين رنة ناي وعود
وطيب حديث كزهر الرياضتضوّع ما بين مسك وعود
سقتك الرواعد من ليلةبها اخضرّ يابس عيشي وعودي
وفي لي بوعد ولا تخلفيهإخلاف دهر به لي وعودي
فلما تقضيت أمرضتنيفزوري مريضك يوما وعودي
وله أيضا:
يا من حكى ثغره الدرّ النظيم ومنتخال أصداغه السود العناقيدا
اعطف على مستهام ضمّ من أسفعلى هواك وفي حبل العنا قيدا
وله أيضا:
بنتم فما لحظ الطرف الولوع بكمشيئا يسرّ به قلبي ولا لمحا
فلو محا فيض دمع من تكاثرهإنسان عين إذا إنسانه لمحا
وله أيضا:
أيا كم أعاني الوجد في كلّ صاحبولست أراه لي كوجدي واجدا
إذا كنت ذا عدم فحرب مجانبوتلقاه لي سلما اذا كنت واجدا
أحاول في دهري خليلا مصافياوهيهات خلّا صافيا لست واجدا
وله أيضا:
بعدت فأما الطرف مني فساهدلشوقي وأما الطرف منك فراقد
فسل عن سهادي أنجم الليل إنهاستشهد لي يوما بذاك الفراقد
قطعتك إذ أنت القريب لشقوتيوواصلني قوم إليّ أباعد
فيا أهل ودّي إن أبى وعد قربنازمان فأنتم لي به إن أبى عدوا
وله أيضا:
لا يصرف الهمّ إلا شدو محسنةأو منظر حسن تهواه أو قدح
والراح للهمّ أنفاها فخذ طرفامنها ودع أمّة في شربها قدحوا
بكر تخال إذا ما المزج خالطهاسقاتها أنهم زندا بها قدحوا
وله أيضا:
بعدت فقد أضرمت ما بين أضلعيببعدك نارا شجو قلبي وقودها
وكلفت نفسي قطع بيداء لوعةتكلّ بها هوج المهارى وقودها
وله أيضا:
تجلّد على الدهر واصبر بماعليك الإله من الرزق أجرى
ولا يسخطنّك صرف القضاءفتعدم إذ ذاك حظا وأجرا
فما زال رزق امرىء طالببعيدا إليه دجى الليل يسرى
توقع إذا ضاق أمر عليكخيرا فإنّ مع العسر يسرا
وله أيضا:
قد كان قلبي صحيحا كالحمى زمنافمذ أبحت الهوى منه الحمى مرضا
فلم سخطت على من كان شيمتهوقد أبحت له فيك الحمام رضى
يا من إذا فوّقت سهما لواحظهأضحى لها كلّ قلب قلّب غرضا
أنا الذي إن يمت حبّا يمت أسفاوما قضى فيك من أغراضه غرضا
ما إن قضى الله شيئا في خليقتهأشدّ من زفرات الحب حين قضى
فلا قضى كلف نحبا فأوجعنيإن قيل إن المحبّ المستهام قضى
وله أيضا:
تراك يا متلف جسمي ويامكثر إعلالي وإمراضي
من بعد ما أضنيتني ساخطعليّ في حبّك أم راضي
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع