من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
الحسن بن أحمد بن عبد الغفار بن سليمان الفارسي
: أبو علي الفارسي، المشهور في العالم اسمه، المعروف تصنيفه ورسمه، أوحد زمانه في علم العربية، كان كثير من تلامذته يقول: هو فوق المبرد.
قال أبو الحسن علي بن عيسى الربعي: هو أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار بن محمد بن سليمان بن أبان الفارسي، وأمه سدوسية من سدوس شيبان من ربيعة الفرس، مات ببغداد سنة سبع وسبعين وثلاثمائة في أيام الطائع لله عن نيف وتسعين سنة، أخذ النحو عن جماعة من أعيان أهل هذا الشأن كأبي إسحاق الزجاج وأبي بكر ابن السراج وأبي بكر مبرمان وأبي بكر الخياط، وطوّف كثيرا من بلاد الشأم، ومضى إلى طرابلس فأقام بحلب مدة، وخدم سيف الدولة ابن حمدان، ثم رجع إلى بغداد فأقام بها إلى أن مات.
حدث الخطيب قال، قال التنوخي: ولد أبو علي الفارسي بفسا، وقدم
بغداد واستوطنها، وعلت منزلته في النحو حتى قال قوم من تلامذته: هو فوق المبرد وأعلم منه، وصنف كتبا عجيبة حسنة لم يسبق إلى مثلها، واشتهر ذكره في الآفاق، وبرع له غلمان حذّاق مثل عثمان بن جني وعلي بن عيسى الربعي، وخدم الملوك ونفق عليهم، وتقدّم عند عضد الدولة، فكان عضد الدولة يقول: أنا غلام أبي علي النحوي في النحو وغلام أبي الحسين الرازي الصوفي في النجوم. وكان متهما بالاعتزال.
وذكر أبو الحسن طاهر بن أحمد بن بابشاذ النحوي في «كتاب شرح الجمل» للزجاجي في باب التصريف منه يحكي عن أبي علي الفارسي أنه حضر يوما مجلس أبي بكر الخياط، فأقبل أصحابه على أبي بكر يكثرون عليه المسائل، وهو يجيبهم ويقيم عليها الدلائل، فلما أنفدوا أقبل على أكبرهم سنا وأكبرهم عقلا وأوسعهم علما عند نفسه فقال له: كيف تبني من سفرجل مثل عنكبوت، فأجابه مسرعا سفرروت، فحين سمعها قام من مجلسه وصفق بيديه وخرج وهو يقول سفرروت، فأقبل أبو بكر على أصحابه وقال: لا بارك الله فيكم ولا أحسن جزاءكم، خجلا مما جرى واستحياء من أبي علي.
ومما يشهد بصفاء ذهنه وخلوص فهمه أنه سئل قبل أن ينظر في العروض عن خرم متفاعلن، فتفكر وانتزع الجواب فيه من النحو، فقال: لا يجوز لأن متفاعلن ينقل إلى مستفعلن إذا خبن، فلو خرم لتعرض للابتداء بالساكن لا يجوز له (الخرم حذف الحرف الأول من البيت والخبن تسكين ثانيه).
ولما خرج عضد الدولة لقتال ابن عمه عز الدولة بختيار بن معز الدولة دخل عليه أبو علي الفارسي فقال له: ما رأيك في صحبتنا؟ فقال له: أنا من رجال الدعاء لا من رجال اللقاء، فخار الله للملك في عزيمته، وأنجح قصده في نهضته، وجعل العافية زاده والظفر تجاهه والملائكة أنصاره، ثم أنشده:
ودّعته حيث لا تودّعهنفسي ولكنّها تسير معه
ثم تولّى وفي الفؤاد لهضيق محلّ وفي الدموع سعه
فقال له عضد الدولة: بارك الله فيك، فإني واثق بطاعتك وأتيقّن صفاء
طويتك، وقد أنشدنا بعض أشياخنا بفارس:
قالوا له إذ سار أحبابهفبدّلوه البعد بالقرب
والله ما شطّت نوى ظاعنسار من العين إلى القلب
فدعا له أبو علي وقال: أيأذن مولانا في نقل هذين البيتين؟ فأذن فاستملاهما منه.
وكان مع عضد الدولة يوما في الميدان فسأله بماذا ينتصب الاسم المستثنى في نحو قام القوم إلا زيدا، فقال أبو علي: ينتصب بتقدير أستثني زيدا، فقال له عضد الدولة: لم قدّرت «أستثني زيدا» فنصبت؟ هلّا قدرت «امتنع زيد» فرفعت؟
فقال أبو علي: هذا الذي ذكرته جواب ميدانيّ فإذا رجعت قلت لك الجواب الصحيح. وقد ذكر أبو علي في «كتاب الإيضاح» أنه انتصب بالفعل المتقدم بتقوية إلّا.
قالوا: ولما صنف أبو علي «كتاب الإيضاح» وحمله إلى عضد الدولة استقصره عضد الدولة وقال له: ما زدت على ما أعرف شيئا، وإنما يصلح هذا للصبيان، فمضى أبو علي وصنّف «التكملة» وحملها إليه، فلما وقف عليها عضد الدولة قال: غضب الشيخ وجاء بما لا نفهمه نحن ولا هو.
وحكى ابن جني عن أبي علي الفارسي: قرأ عليّ علي بن عيسى الرماني «كتاب الجمل» و «كتاب الموجز» لابن السراج في حياة ابن السراج. وكان أبو طالب العبدي يقول: لم يكن بين أبي علي وبين سيبويه أحد أبصر بالنحو من أبي علي.
قرأت بخط سلامة بن عياض النحوي ما صورته: وقفت على نسخة من «كتاب الحجة» لأبي علي الفارسي في صفر سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة بالري في دار كتبها التي وقفها الصاحب ابن عباد ﵀، وعلى ظهرها بخط أبي علي ما حكايته: هذا- أطال الله بقاء سيدنا الصاحب الجليل- أدام الله عزه ونصره وتأييده وتمكينه- كتابي في قراء الأمصار الذين بينت قراءتهم في كتاب أبي بكر أحمد بن موسى المعروف بكتاب السبعة، فما تضمّن من أثر وقراءة ولغة فهو عن المشايخ الذين
أخذت ذلك عنهم وأسندته إليهم، فمتى آثر سيدنا الصاحب الجليل- أدام الله عزه ونصره وتأييده وتمكينه- حكاية شيء منه عنهم أو عني لهذه المكاتبة فعل، وكتب الحسن بن أحمد الفارسي بخطه.
ولأبي علي من التصانيف: كتاب الحجة. كتاب التذكرة، قد ذكرت حاله في ترجمة محمد بن طويس القصري. كتاب أبيات الإعراب. كتاب الإيضاح الشعري. كتاب الإيضاح النحوي. كتاب مختصر عوامل الإعراب. كتاب المسائل الحلبية. كتاب المسائل البغدادية. كتاب المسائل الشيرازية. كتاب المسائل القصرية. كتاب الاغفال، وهو مسائل أصلحها على الزجاج. كتاب المقصور والممدود. كتاب نقض الهاذور. كتاب الترجمة. كتاب المسائل المنثورة. كتاب المسائل الدمشقية. كتاب أبيات المعاني. كتاب التتبع لكلام أبي علي الجبائي في التفسير نحو مائة ورقة. كتاب تفسير قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة
(المائدة:) كتاب المسائل البصرية. كتاب المسائل العسكرية. كتاب المسائل المصلحة من كتاب ابن السراج. كتاب المسائل المشكلة. كتاب المسائل الكرمانية.
ذكر المعرّيّ في «رسالة الغفران» أن أبا علي الفارسي كان يذكر أن أبا بكر ابن السراج عمل من «الموجز» النصف الأول لرجل بزّاز ثم تقدم إلى أبي علي الفارسي بإتمامه، قال: وهذا لا يقال إنه من إنشاء أبي علي لأن الموضوع في الموجز هو منقول من كلام ابن السراج في «الأصول» وفي «الجمل»، فكأن أبا علي جاء به على سبيل النسخ لا أنه ابتدع شيئا من عنده.
نقلت من خطّ الشيخ أبي سعيد معن بن خلف البستي مستوفي بيتي الزرد والفرس الملكشاهي بتولية نظام الملك من كتاب ألّفه بخطه، وكان عالما فاضلا
حاسبا، قال الأستاذ أبو العلاء الحسين بن محمد بن مهرويه في كتابه الذي سماه «أجناس الجواهر»: كنت بمدينة السلام أختلف إلى أبي علي الفارسي النحوي ﵀، وكان السلطان رسم له أن ينتصب لي كلّ أسبوع يومين لتصحيح «كتاب التذكرة» لخزانة كافي الكفاة، فكنا إذا قرأنا أوراقا منه تجارينا في فنون الآداب، واجتنينا من فوائد ثمار الألباب، ورتعنا في رياض ألفاظه ومعانيه، والتقطنا الدرّ المنثور من سقاط فيه. فأجرى يوما بعض الحاضرين ذكر الأصمعي، وأسرف في الثناء عليه وفضّله على أعيان العلماء في أيامه، فرأيته ﵀ كالمنكر لما كان يورده، وكان فيما ذكر من محاسنه ونشر من فضائله أن قال: من ذا الذي يجسر أن يخطّىء الفحول من الشعراء غيره؟ فقال أبو علي: وما الذي ردّ عليهم؟ فقال الرجل: أنكر على ذي الرمة مع إحاطته بلغة العرب ومعانيها، وفضل معرفته بأغراضها ومراميها، وانه سلك نهج الأوائل في وصف المفاوز إذا لعب السراب فيها، ورقص الآل في نواحيها، ونعت الحرباء وقد سبح على جذله، والظليم وكيف ينفر من ظله، وذكر الركب وقد مالت طلاهم من غلبة المنام، حتى كأنهم صرعتهم كؤوس المدام، فطبّق مفصل الإصابة في كلّ باب، وساوى الصدر الأول من أرباب الفصاحة، وجارى القروم البزل من أصحاب البلاغة، فقال له الشيخ أبو علي: وما الذي أنكر على ذي الرمة؟ فقال قوله:
وقفنا فقلنا إيه عن أمّ سالم
لأنه كان يجب أن ينوّنه، فقال: أما هذا فالأصمعي مخطىء فيه وذو الرمة مصيب، والعجب أن يعقوب بن السكيت قد وقع عليه هذا السهو في بعض ما أنشده، فقلت: إن رأى الشيخ أن يصدع لنا بجلية هذا الخطأ تفضّل به. فأملى علينا، أنشد ابن السكيت لأعرابي من بني أسد:
وقائلة أسيت فقلت جيرأسيّ إنني من ذاك إنّه
أصابهم الحمى وهم عوافوكنّ عليهم نحسا لعنّه
فجئت قبورهم بدءا ولمّافناديت القبور فلم يجبنه
وكيف يجيب أصداء وهاموأبدان بدرن وما نخرنه
قال يعقوب: هو جير أي حقا وهي مخفوضة غير منوّنة، فاحتاج إلى التنوين.
قال أبو علي: هذا سهو منه لأنّ هذا يجري مجرى الأصوات، وباب الأصوات كلها والمبنيات بأسرها إلا ما خصّ منها لعلة الفرقان فيها بين نكرتها ومعرفتها بالتنوين، فما كان منها معرفة جاء بغير تنوين فإذا نكرته نوّنته، من ذلك أنك تقول في الأمر صه ومه تريد: السكوت يا فتى، فإذا نكرت قلت: صه ومه تريد سكوتا، وكذلك قول الغراب غاق أي صوتا، وكذلك إيه يا رجل تريد الحديث وإيه تريد حديثا، وزعم الأصمعي أن ذا الرمة أخطأ في قوله: «وقفنا فقلنا إيه عن أم سالم» وكان يجب أن ينوّنه ويقول إيه وهذا من أوابد الأصمعي التي يقدم عليها من غير علم، فقوله جير بغير تنوين في موضع قوله الحق وتجعله نكرة في موضع آخر فتنونه، فيكون معناه قلت حقا، ولا مدخل للضرورة في ذلك إنما التنوين للمعنى المذكور، وبالله التوفيق. وتنوين هذا الشاعر على هذا التقدير.
قال يعقوب: قوله أصابهم الحمى يريد الحمام، وقوله: بدرن أي طعنّ في بوادرهم بالموت، والبادرة النحر، وقوله: فجئت قبورهم بدءا أي سيدا، وبدء القوم سيدهم وبدء الجزور خير أنصبائها، وقوله ولما أي ولم أكن سيدا إلا حين ماتوا فإني سدت بعدهم.
قرأت في «معجم السّفر» للسلفي: أنشدني أبو جعفر أحمد بن محمد بن كوثر المحاربي الغرناطي بديار مصر قال، أنشدنا أبو الحسن علي بن أحمد بن خلف النحوي لنفسه بالأندلس في «كتاب الإيضاح» لأبي علي الفارسي النحوي:
أضع الكرى لتحفّظ الإيضاحوصل الغدوّ لفهمه برواح
هو بغية المتعلّمين ومن بغىحمل الكتاب يلجه بالمفتاح
لأبي عليّ في الكتاب إمامةشهد الرواة لها بفوز قداح
يفضي إلى أسراره بنوافذمن علمه بهرت قوى الأمداح
فيخاطب المتعلمين بلفظهويحلّ مشكله بومضة واحى
مضت العصور فكلّ نحو ظلمةوأتى فكان النحو ضوء صباح
أوصى ذوي الاعراب أن يتذاكروابحروفه في الصّحف والألواح
فإذا هم سمعوا النصيحة أنجحواإن النصيحة غبّها لنجاح
وكتب الصاحب إلى أبي علي في الحال المقدم ذكرها: كتابي- أطال الله بقاء الشيخ، وأدام جمال العلم والأدب بحراسة مهجته وتنفيس مهلته- وأنا سالم ولله حامد، وإليه في الصلاة على النبي وآله راغب، ولبرّ الشيخ أيده الله بكتابه الوارد شاكر. وأما أخونا أبو الحسين قريبه- أعزه الله- فقد ألزمني بإخراجه إليّ أعظم منة، وأتحفني من قربه بعلق مضنّة، لولا أنه قلّل المقام، واختصر الأيام، ومن هذا الذي لا يشتاق ذلك المجلس، وأنا أحوج من كلّ حاضريه إليه، وأحقّ منهم بالمثابرة عليه، ولكنّ الأمور مقدّرة، وبحسب المصالح ميسرة، غير أنا ننتسب إليه على البعد ونقتبس فوائده عن قرب، وسيشرح هذا الأخ هذه الجملة حقّ الشرح بإذن الله، والشيخ- أدام الله عزه- يبرّد غليل شوقي إلى مشاهدته، بعمارة ما افتتح من البرّ بمكاتبته، ويقتصر على الخطاب الوسط دون الخروج في إعطاء الرتب إلى الشطّ، كما يخاطب الشيخ المستفاد منه التلميذ الآخذ عنه، ويبسط إليّ في حاجاته، فإنني أظنني أجدر إخوانه بقضاء مهماته، إن شاء الله تعالى. قد اعتمدت على صاحبي أبي العلاء أيده الله لاستنساخ «التذكرة» وللشيخ- أدام الله عزه- رأيه الموفّق في التمكين من الأصل، والإذن بعد النسخ في العرض، بإذن الله تعالى.
قال حدثني علم الدين أبو محمد القاسم بن أحمد الأندلسي- أيده الله تعالى- قال: وجدت في مسائل نحوية تنسب إلى ابن جني قال: لم أسمع لأبي علي شعرا قطّ إلى أن دخل إليه في بعض الأيام رجل من الشعراء، فجرى ذكر الشعر فقال أبو علي: إني لأغبطكم على قول هذا الشعر، فإن خاطري لا يواتيني على قوله، مع تحقّقي للعلوم التي هي من موارده، فقال له ذلك الرجل: فما قلت قطّ شيئا منه البتة؟
فقال: ما أعهد لي شعرا إلا ثلاثة أبيات قلتها في الشيب، وهي قولي:
خضبت الشيب لما كان عيباوخضب الشيب أولى أن يعابا
ولم أخضب مخافة هجر خلّولا عيبا خشيت ولا عتابا
ولكنّ المشيب بدا ذميمافصيرت الخضاب له عقابا
فاستحسناها وكتبناها عنه، أو كما قال، لأني كتبتها في المفاوضة ولم أنقل ألفاظها.
أخبركم أبو الحسن علي بن عمر الفرّاء عن أبي الحسين نصر بن أحمد بن نوح المقرىء، قال: أنبأنا أبو الحسن علي بن عبيد الله السمسمي اللغوي ببغداد، أنبأنا أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسي النحوي قال: جئت إلى أبي بكر السراج لأسمع منه الكتاب، وحملت إليه ما حملت، فلما انتصف الكتاب عسر عليه في تمامه، فقطعت عنه لتمكني من الكتاب، فقلت لنفسي بعد مدة: إن سرت إلى فارس وسئلت عن تمامه، فإن قلت: نعم كذبت، وإن قلت لا سقطت الرواية والرحلة، ودعتني الضرورة فحملت إليه رزمة، فلما أبصرني من بعيد أنشد:
وكم تجرعت من غيظ ومن حزنإذا تجدّد حزن هوّن الماضي
وكم غضبت فما باليتم غضبيحتى رجعت بقلب ساخط راضي
قرأت بخط الشيخ أبي محمد الخشاب: كان شيخنا- يعني أبا منصور موهوب بن الخضر الجواليقي- قلّ ما ينبل عنده ممارس للصناعة النحوية ولو طال فيها باعه، ما لم يتمكن من علم الرواية وما تشتمل عليه من ضروبها، ولا سيما رواية الأشعار العربية وما يتعلق بمعرفتها من لغة وقصة، ولهذا كان مقدّما لأبي سعيد السيرافي على أبي علي الفارسي رحمهما الله، وأبو علي أبو عليّ في نحوه، وطريقة أبي سعيد في النحو معلومة، ويقول: أبو سعيد أروى من أبي علي، وأكثر تحققا بالرواية، وأثرى منه فيها، وقد قال لي غير مرة: لعلّ أبا علي لم يكن يرى ما يراه أبو سعيد من معرفة هذه الاخباريّات والأنساب وما جرى في هذا الأسلوب كبير أمر؛
قال الشيخ أبو محمد: ولعمري إنه قد حكي عنه- أعني أبا علي- أنه كان يقول: لأن أخطىء في خمسين مسألة مما بابه الرواية أحبّ إليّ من أن أخطىء في مسألة واحدة قياسية، هذا كلامه أو معناه، على أنه كان يقول: قد سمعت الكثير في أول الأمر وكنت أستحي أن أقول أثبتوا اسمي.
قال الشيخ أبو محمد: وكثيرا ما تبنى السقطات على الحذاق من أهل الصناعة النحوية لتقصيرهم في هذا الباب فمنه يذهبون ومن جهته يؤتون- تمام هذا الكلام في أخبار ابن الخشاب.
وقرأت في تاريخ أبي غالب ابن مهذب المعري قال، حدثني الشيخ أبو العلاء أن أبا علي مضى إلى العراق وصار له جاه عظيم عند الملك فناخسرو، فوقعت لبعض أهل المعرة حاجة في العراق احتاج فيها إلى كتاب من القاضي أبي الحسن سليمان إلى أبي علي، فلما وقف على الكتاب قال: إني قد نسيت الشام وأهله ولم يعره طرفه.
قال عثمان بن جني ﵀: وإن وجدت فسحة وأمكن الوقت عملت بإذن الله كتابا أذكر فيه جميع المعتلّات في كلام العرب، وأميّز ذوات الهمزة من ذوات الواو والياء، وأعطي كلّ جزء منها حظّه من القول مستقصى، إن شاء الله تعالى. وذكر شيخنا أبو علي أن بعض إخوانه سأله بفارس إملاء شيء من ذلك، فأملى عليه صدرا كثيرا وتقصّى القول فيه، وأنه هلك في جملة ما فقده وأصيب به من كتبه. وحدثني أيضا أنه وقع حريق بمدينة السلام فذهب به جميع علم البصريين قال: وكنت قد كتبت ذلك كلّه بخطي وقرأته على أصحابنا فلم أجد من الصندوق الذي احترق شيئا البتة إلا نصف كتاب الطلاق عن محمد بن الحسن، وسألته عن سلوته وعزائه فنظر إليّ معجبا ثم قال: بقيت شهرين لا أكلّم أحدا حزنا وهمّا، وانحدرت إلى البصرة لغلبة الفكر عليّ وأقمت مدة ذاهلا متحيرا. انقضى كلامه في هذا الفصل.
قرأت في «المسائل الحلبية» نسخة كتاب كتبه أبو علي إلى سيف الدولة جوابا
عن كتاب ورد عليه منه يردّ فيه على ابن خالويه في أشياء أبلغها سيف الدولة عن أبي علي، نسخته: قرأ- أطال الله بقاء سيدنا الأمير سيف الدولة- عبد سيدنا الرقعة النافذة من حضرة سيدنا، فوجد كثيرا منها شيئا لم تجر عادة عبده به، لا سيما من صاحب الرقعة، إلا أنه يذكر من ذلك ما يدلّ على قلة تحفّظ هذا الرجل فيما يقوله، وهو قوله: «ولو بقي عمر نوح ما صلح أن يقرأ على السيرافي» مع علمه بأن ابن بهزاد السيرافي يقرأ عليه الصبيان، هذا ما لا خفاء به، كيف وهو قد خلّط فيما حكاه عني، وأني قلت إن السيرافي قد قرأ عليّ، ولم أقل هذا إنما قلت «تعلّم مني» أو «أخذ عني» هو وغيره ممن ينظر اليوم في شيء من هذا العلم، وليس قول القائل: «تعلم مني» مثل «قرأ عليّ» لأنه قد يقرأ عليه من لا يتعلم منه وقد يتعلم منه من لا يقرأ عليه. وتعلّم ابن بهزاد منّي في أيام محمد بن السريّ وبعده لا يخفى على من كان يعرفني ويعرفه كعليّ بن عيسى الوراق ومحمد بن أحمد بن يونس ومن كان يطلب هذا الشأن من بني الأزرق الكتّاب وغيرهم، وكذلك كثير من الفرس الذين كانوا يرونه يغشاني في صفّ شونيز كعبد الله بن جعفر بن درستويه النحوي، لأنه كان جاري بيت بيت قبل أن يموت الحسن بن جعفر أخوه فينتقل إلى داره التي ورثها عنه في درب الزعفراني. وأما قوله: «إني قلت إنّ ابن الخياط كان لا يعرف شيئا» فغلط في الحكاية، كيف أستجيز هذا وقد كلمت ابن الخياط في مجالس كثيرة؟ ولكني قلت:
إنه لا لقاء له لأنه دخل إلى بغداد بعد موت محمد بن يزيد وصادف أحمد بن يحيى وقد صم صمما شديدا لا يخرق الكلام معه سمعه، فلم يمكن تعلم النحو منه، وإنما كان يعوّل فيما كان يؤخذ عنه على ما يملّه دون ما كان يقرأ عليه، وهذا الأمر لا ينكره أهل هذا الشأن ومن يعرفهم. وأما قوله: «قد أخطأ البارحة في أكثر ما قاله» فاعتراف بما إن استغفر الله منه كان حسنا. والرقعة طويلة فيها جواب عن مسائل أخذت عليه كانت النسخة غير مرضية فتركتها إلى أن يقع علي ما أرتضيه، وأكثر النسخ بالحلبيات لا توجد هذه الرقعة فيها.
قرأت بخطّ أبي الفتح عثمان بن جني الذي لا أرتاب به قال: وسألته- يعني أبا علي- فقلت: أقرأت أنت على أبي بكر؟ فقال: نعم قرأت عليه وقرأ أبو بكر على أبي سعيد السكري، قال: وكان أبو بكر قد كتب من كتب أبي سعيد كثيرا وكتب أبي
زيد. قال: وذاكرته بكتب أبي بكر وقلت: لو عاش لظهر من جهته علم كثير، وكلاما هذا نحوه، فقال: نعم إلا أنه كان يطوّل كتبه، وضرب لذلك مثلا قد ذهب عني، أظنه، بارك الله لأبي يحيى في كتبه أو شيئا نحو ذلك. قال: وفارقت أبا بكر قبل وفاته وهو يشغل بالعلة التي توفي فيها، وراجعت البلد فارس ثم عدت وتوفي.
ورأيت في آخر كتابه في «معاني الشعر» خطّي الذي كان يملّه عليّ لأكتبه فيه «فعلمت أنه لم يزد فيه شيئا. قال: وكان الأصمعي يتّهم في تلك الأخبار التي يرويها، فقلت له: كيف هذا وفيه من التورع ما دعاه إلى ترك تفسير القرآن ونحو ذلك؟ فقال: كان يفعل ذلك رياء وعنادا لأبي عبيدة لأنه سبقه إلى عمل كتاب في القرآن، فجنح الأصمعي إلى ذلك.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع