تجاوز إلى المحتوى

من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)

الحسن بن أحمد بن الحسن بن أحمد بن محمد بن سهل

بن سلمة بن عثكل بن حنبل بن إسحاق العطار الحافظ، أبو العلاء الهمذاني المقرىء: من أهل همذان، مات في تاسع عشر جمادى الأولى سنة تسع وستين وخمسمائة، وذكره بعض الثقات من أهل العلم فذكر له مناقب كثيرة، وذكر نسبه وولادته فقال: هو أبو العلاء الحسن بن أحمد بن الحسن بن أحمد بن محمد بن سهل بن سلمة بن عثكل بن إسحاق العطار الهمذاني، وكان عثكل من العرب. وأما ولادته فإنها كانت يوم السبت قبل طلوع الشمس الرابع عشر من ذي الحجة سنة ثمان وثمانين وأربعمائة بهمذان، وذكر من مناقبه: سمعته ﵀ يقول: سلّمت في صغري إلى رجل معلم- قال:

سمّاه ونسيت اسمه- قال: وكنت أحفظ عليه القرآن، فحفظت عليه إلى سورة يوسف، ثم أجرى الله لساني بحفظ الباقي من القرآن دفعة واحدة من غير تحفظ وتكرار فضلا منه ﷻ. وسار في ليلة واحدة في طلب الحديث من جرباذقان الى أصفهان، وسمعته يقول: لما حججت كنت أمشي في البادية راجلا قدّام القافلة أحيانا مع الدليل، وأحيانا أخلّف الدليل، حتى عرفني الدليل واستأنس بي ومال إليّ وهو

يسير على ناقة له تكاد تردّ الريح، وكنت أرى الدليل يتعجّب من قوّتي على السير، وكان أحيانا يضرب ناقته ويمعن في السير، وكنت لا أخلّي الناقة تسبقني، فقال لي الدليل يوما: تقدر أن تسابق ناقتي هذه؟ فقلت: نعم، فضربها وعدوت معها فسبقتها.

قال: وكان كثير الحفظ للعلوم، كثير المجاهدة في تحصيلها، فسمعته يقول ﵀: حفظت «كتاب الجمل» في النحو لعبد القاهر الجرجاني في يوم واحد من الغداة الى وقت العصر. قال: وسمعت الشيخ أبا حفص عمر بن الحسين الوشاء المقرىء يقول: سمعت الإمام الحافظ ﵀ يقول: حفظت يوما ثلاثين ورقة من القراءة. قال: وسمعت الإمام الحافظ أبا بكر محمد بن شيخ الاسلام الحافظ أبي العلاء قال: سمعت الشيخ الصالح إبراهيم المرجي قال: سمعت الشيخ ﵀ يقول: لو أن أحدا أتاني بحديث واحد من أحاديث رسول الله ﷺ لم يبلغني لملأت فاه ذهبا. قال: وكان الشيخ ﵀ حفظ «كتاب الجمهرة» لأبي بكر ابن دريد و «كتاب المجمل» لابن فارس و «كتاب النسب» للزبير بن بكار. قال: وبلغني عن الثقة أنّ الحافظ أبا جعفر ﵀ كان يقول: لو أن الله تعالى يقول لي يوم القيامة:

ماذا أتيتني به؟ أقول ربي وسيدي أتيتك بأبي العلاء العطار.

قال: وكان الحافظ أبو القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل الجوزي، ﵀، يملي يوما في الجامع بأصفهان، وعنده جماعة من المحدثين، إذ دخل الشيخ الحافظ أبو العلاء، ﵀، من باب الجامع، فلما نظر الحافظ أبو القاسم إليه أمسك من الاملاء، ونظر إلى أصحابه وقال: أيها القوم إنّ الله ﷿ يبعث لهذه الأمة على رأس كلّ مائة سنة من يجدّد لها دينها، وهذا الرجل المقبل من جملتهم، قوموا نسلّم عليه، فقاموا واستقبلوه وسلّموا عليه واعتنقوه.

قال: وكان يقرأ على الشيخ أبي العز المقرىء القلانسي الواسطي ﵀، وكان يفضله على أصحابه، فشقّ ذلك عليهم، فاجتمع بعضهم يوما وفيهم الشيخ أبو العلاء ﵀، فسألهم الشيخ أبو العزّ عن اختلاف القرّاء في قوله

تعالى: كوكب دري يوقد

(النور:) وأقاويل الأئمة فيها، فسقط في أيديهم وتاهوا في شرحها، وما أجابوا بطائل، ثم أقبل الشيخ أبو العز على الشيخ ﵀ وقال: تكلم أنت فيها يا أبا العلاء، فشرع فيها الشيخ وعدّ بضعة عشر قولا، وأدّى فيها حقّها بأحسن إشارة وأبلغ عبارة، فلما فرغ نظر الشيخ أبو العز إلى أصحابه الحاضرين وقال: بهذا أفضّله عليكم، لو أمهلتكم مدة لما قدرتم على الذي ذكر هو بديهة من غير عزيمة سابقة ورويّة سالفة.

قال: وكان محترما عند الخلفاء والسلاطين، كتب إليه المقتفي لأمر الله أمير المؤمنين كتابا من جملته: وبعد فإن الأب القدّيس النفيس خامس أولي العزم، وسابع السبعة على الجزم، وارث علم الأنبياء، حافظ شرع المصطفى أبا العلاء، ثم ذكر كلاما واستدعى منه الدعاء.

قال: وسمعت ولده أبا محمد عبد الغني بن الشيخ الحافظ أبي العلاء ﵀ يقول: لما أدخل أبي على أمير المؤمنين المقتفي لأمر الله، ﵁، بعد استدعاء أمير المؤمنين إياه، كان يأمره خواصّ الخليفة بتقبيل الأرض في المواضع، وكان يأبى ذلك، فلما أكثروا عليه قال: دعوني إنما السجود لله تعالى، فكفّوا عنه حتى وصل إليه، وسلم بالخلافة عليه، فقام له أمير المؤمنين وأجلسه، ثم كلّمه ساعة وسأل منه الدعاء فدعا، وأذن له في الرجوع فرجع، وكانوا قد أحضروا الخلعة والصلة فاستعفى عن ذلك فأعفي، وخرج من بغداد حذرا من فتنة الدنيا وآفاتها.

وحدثني غير واحد أن السلطان محمدا لما دخل عليه داره نصحه كثيرا ووعظه، وكان السلطان جالسا بين يديه مقبلا عليه بوجهه مصغيا إلى كلامه، فلما قام ليخرج أمره بتقدمة رجله اليمنى وأخذه الطريق من الجانب الأيمن.

وسمعت الإمام أبا بشر الثاني ﵀ يقول: سمعت عبد الغني بن سرور المقدسي يقول: كنت يوما في خدمة الحافظ أبي طاهر السلفي بثغر الاسكندرية نقرأ الحديث، فجرى ذكر الحفّاظ إلى أن انتهى الكلام إلى ذكر الحافظ أبي العلاء

رحمه الله، فأطرق الحافظ أبو طاهر عند ذكره، ثم رفع رأسه وقال: قدّمه دينه، قدّمه دينه.

قال: وسمعت أبا بشر محمد بن محمد بن منصور المقرىء الخطيب بشيراز يذكر الحافظ أبا العلاء، ﵁، ويثني عليه، ثم أنشد يقول:

فسار مسير الشمس في كلّ موطنوهبّ هبوب الريح في الشرق والغرب

قال: وسمعت الامام أبا نصر أحمد بن الامام الحافظ أبي الفرج ابن عبد الملك بن الشعار يقول: سمعت الامام أبا الحسن الحراني يقول: كنت أطوف بالكعبة فرأيت شيخا في الطواف، فلما نظرت إليه تفرّست فيه الخير والصلاح، وانتظرته حتى قضى طوافه، فدنوت منه وسلّمت عليه، فردّ عليّ السلام، فسألته عن الوطن فسمّى لي موضعا بعيدا، ذكره أبو الحسن ونسيه أبو نصر، قال أبو الحسن:

أيّ شيء المقصد بعد بلوغك بيت ربك؟ فقال: مقصدي الحافظ أبو العلاء، فتعجبت في نفسي وقلت: ستظفر إن شاء الله بمقصودك وتنال مطلوبك، وبكيت حتى غلبني البكاء، فقال: وممّ بكاؤك؟ فقلت: ان الحافظ أبا العلاء الذي تقصده وتأمل بلوغه قد كنت مستفيدا منه كذا وكذا سنة، قرأت عليه القرآن ختما، وسمعت منه الحديث الكثير، فتعجّب من قولي وقام إليّ وقبّل بين عيني، وهو يفدّيني بأبيه وأمه، وغاب عني.

قال: وسمعت أبا بشر يقول: لما دخلت على الامام أبي المبارك المقرىء بشيراز جعل يذكر شيخ الاسلام الحافظ أبا العلاء الهمذاني، ﵀، ويثني عليه، ثم أنشد متمثلا:

فسار مسير الشمس في كلّ موطنوهبّ هبوب الريح في الشرق والغرب

قال: رحل إليه رجل من أقصى المغرب، وكان له حظّ في كلّ علم، ومدحه بقصيدة هي من غرر القصائد، وذكر أحواله في سفرته وما أصابه من التعب والمشاقّ، ومن شعره فيه أيضا:

سعى إليك على قرب ومن بعدمن كان ذا رغبة في العلم والسّند
حتى أناخ بمغناك الكريم وقدكلّت ركائبه في الخبت والسّند
كذاك أثرى وما أوعت أناملهلكن وعى قلبه ما شاء من مدد
وما أناخ بمغنى غيركم أحدإلا ونودي ما بالربع من أحد
وقد قصدتك من أقصى المغارب لاأبغي سواك لوحي الواحد الصمد
وما امتطيت سوى رجليّ راحلةوقد غنيت عن العيرانة الأجد
وهذه رحلة بكر كشفت لهاعن ساق ذي عزمات غير متئد
عناية لم تكن قبلي لذي طلبوحظوة لكم في غابر الأبد
هل كان قبلك حبر أمّه رجلوسار مدة حول سير مجتهد
أبا العلاء العلاء الكلّ إنك فيأقصى العراق مقيم منه في بلد
وقد فشا لك ذكر في البلاد كمافاحت أزاهر روض للغمام ندي

قال: وسمعت الشيخ، ﵀، يقول يوما لمن حضره: إن خلّف أبو العلاء دينارا أو درهما بعد موته فلا تصلّوا عليه. وكان، ﵀، لا يبقي على الذهب والفضة، وكلّ ما آتاه الله منها يصرفه في اليوم، وينفقه في قضاء الديون ومراعاة الناس، فمات ولم يخلّف دينارا ولا درهما، حتى بيعت داره وقضي منه دينه.

قال: وكان، ﵀، شديد التمسك بسنن رسول الله ﷺ، فكان لا يسمع باطلا أو يرى منكرا إلّا غضب لله ولم يصبر على ذلك ولم يداهن؛ قال: سمعت أبا رشيد راشد بن إسماعيل المعدّل يقول: كنت عند الشيخ يوما، فدخل عليه أبو الحسين العبادي الواعظ زائرا، وجلس عنده زمانا، وجعل يكلم الشيخ إلى أن جرى في كلامه: وعزمت غير مرة على الاتيان إلى الخدمة لكني منعني كون الكوكب الفلانيّ في البرج الفلاني، فزبره الشيخ وقال: السنّة أولى أن تتّبع، فقام العباديّ خجلا وخرج.

وكان من ورعه في رواية الحديث عن رسول الله ﷺ أنه ما كان يترجم الحديث للعامة

رعاية منه للصدق. واستدعي منه بهمذان أن يفسّر للناس حديثا واحدا فأجاب وقعد لذلك، فلما شرع في الكلام قال، قال رسول الله ﷺ. واستدعي منه ثانيا بالكرخ كذلك، فروى حديثا في فضائل الأعمال وفي بعض ألفاظه «حتى يدخل الجنة»، ففسر لفظة الجنة قبل أن يفسر لفظة «حتى يدخل»، كأنه قدم لفظة «الجنة» على لفظة «حتى يدخل» في ترجمته، فاستغفر ورجع وأتى بها على الوجه المنطوق به في حديث رسول الله ﷺ. وكان ﵀ يتحرّج عن القصص والكلام فيها والتنميق والتكلّف حذرا من الزيادة والنقصان.

ولما قصد السلطان محمد بغداد وحاصرها، وخالف الإمام المقتفي لأمر الله أمير المؤمنين، ﵁، كان الشيخ، ﵀، يقرأ «صحيح البخاري» بهمذان على الشيخ عبد الأوّل، ﵀، على اسليهر يحضره لسماع الكتاب عامّة أهل البلد من الأمراء والفقهاء والعلماء والصوفية والعوام، فصرّح القول قائما على المنبر بأنّ السلطان ومن معه من جنوده خارجة مارقة، ثم قال: لو أنّ رجلا من عسكر أمير المؤمنين رمى رجلا من أصحاب السلطان بسهم، وجاءه آخر من غير الفريقين فنزع السهم من جراحته، يكون هو أيضا خارجيا باغيا، وكرّر القول في ذلك مرارا.

قال: وسئل الشيخ ﵀ عن سبب أكثر اشتغاله بعلم الكتاب والسنة فقال:

إني نظرت في ابتداء أمري فرأيت أكثر الناس عن تحصيل هذين العلمين معرضين، وعن دراستهما لاهين، فاشتغلت بهما وأنفقت عمري على تحصيلهما حسبة.

قال: ورأى ﵀ قلة رغبة الخلق في تحصيل العلم والرحلة ولقاء الشيوخ، فاتخذ مهدا وعزم على المضّي إلى بغداد وأصفهان للرواية، ورفع منائر العلم وإحياء السنة حسبة، فمنعه الضعف والكبر، وأدركته المنية وهو على هذه النية.

قال: سمعت الثقة يقول: سمعت الشيخ ﵀ يقول: كنت واقفا يوما على باب دار الشيخ أبي العز القلانسي ﵀ في حرّ شديد أنتظر الاذن، فمرّ بي إنسان فرآني على تلك الحال واقفا، فقال لي: أيها الرجل لو أنك تصير إماما يقرأ

عليك ويقتدى بك، أهكذا كنت تفعل أنت بطلبة العلم ومن يأتيك من الغرباء؟ فذرفت عيناي فقلت: لا إن شاء الله، وأشهدت الله تعالى في نفسي في تلك الحال على أني لا آخذ على التعليم والاقراء والتحديث أجرا، ولا أبخل بعلمي على أحد، وأبذله حسبة، فكان كما قال، ويقعد لطلبة العلم من أول النهار إلى آخره.

قال: وكان الشيخ ﵀ لا يرى طول نهاره إلّا كاتبا لحديث رسول الله ﷺ، أو مطالعا له، أو مشتغلا به، أو مصغيا إلى قراءة القرآن وطلبة العلم، هكذا كان دأبه بالنهار، ويجعل ليلته ثلاثة أثلاث، يكتب في ثلث، ويتفكر في ثلث، وينام في ثلث. وكان كثيرا ما يقول عند انتباهه من النوم: يا كريم أكرمنا، وكان من كرامته على الناس وإقبال الناس عليه والتبرك به أنه كان يصعب عليه المرور يوم الجمعة في مضيّه ورجوعه لازدحام الخلق عليه، وكان جماعة من الشبان يتحلقون حواليه يدفعون عنه زحمة الناس، وهو يمر في وسطهم مطرقا لا يشتغل بأحد، وهو يقول: يا من أظهر الجميل وستر على القبيح.

قال: سمعت العدل عمر بن محمد يقول: دخلنا على الإمام الحافظ أبي العلاء ﵁ وهو يكتب، فقعدنا عنده ساعة، فوضع ما في يده وقام ليتوضأ، فنظرنا فيما كتب فإذا هو قد بيّض كلّ موضع فيه اسم من أسماء الله تعالى أو ذكر لرسول الله ﷺ، فتعجبنا من ذلك، فلما رجع سألناه عن ذلك فقال: إني لما كنت أكتب ذلك شككت في الوضوء فما جوّزت أن أكتب بيدي أسماء الله تعالى أو ذكر الرسول ﷺ وأنا شاكّ في الوضوء.

وكان الشيخ ﵀ إذا نزل بالناس شدة أو بلاء يجيء إليه الناس ويسألونه الدعاء فيقول: اللهم إني أخاف على نفسي أكثر مما يخافون على أنفسهم. وكان كثيرا ما يقول: ليتني كنت بقّالا او حلّاجا، ليتني نجوت من هذا الأمر رأسا برأس لا عليّ ولا ليا.

قال: وسمعت والدي يحكي عن الامام عبد الهادي بن علي رحمة الله عليه أنه قال: كنت أمشي يوما مع الشيخ الامام الحافظ ﵀ في الشتاء في وحل شديد، وفي رجليه مداس خفيفة يكاد يدخل فيها الطين، فقلت له: يا أخي لو لبست مداسا غير هذا يصلح للشتاء، فقال: إذا لبست غيرها لهت عيني عن النظر إليها، فربما

نظرت إلى منكر أو فاحشة، وفي دوام نظري إليها وحفظي لها عن الوحل شغل عن ذلك وحفظ للبصر.

قال: وكراماته مشهورة بين الناس، منها: ما كتب به إليّ الشيخ أبو عبد الله محمد بن إبراهيم المقرىء قال: سمعت الأستاذ بهلة الطحان يقول: حملت أحمال الحنطة من دار الشيخ ﵁ لأطحنها لأهله، فلما طحنتها ووضعت بعضها على بعض قصد بعض من في الطاحونة من المستحقين أن يأخذ شيئا من ذلك الدقيق ليخبز منه رغيفا، فصحت عليه ومنعته من الأخذ، فلما رددت الأحمال إلى دار الشيخ من الغد تبسّم الشيخ في وجهي وقال: ويلك يا بهلة، لم منعت الرجل أن يأخذ قبضات من الدقيق؟! فتحيرت من قوله، وقبّلت في الحال رجليه، وتبت على يديه، واستغفرت الله ﷿ عما سلف مني من الذنوب، وصرت معتقدا في كرامات أولياء الله تعالى.

قال: سمعت أبا محمد عبد الله بن عمر يقول: كنت يوما في خدمة الشيخ رضي الله تعالى عنه نأكل الغداء فدقّ الباب داقّ، فقمت وفتحت له الباب، فإذا بالشيخ الصالح مسعود النّعال، فاستأذنت له، فدخل وقعد عند الشيخ إلى الطعام، فلما كان بعد ساعة نظر إلى مسعود وقال: يا مسعود لو أن النطفة التي قدّر الله ﷿ في سابق علمه أن يخلق منها خلقا صبّت على الأرض لظهر منها ذلك الخلق، فلما سمع مسعود النعال هذا الكلام انزعج وبكى وصاح، فتعجبنا من تلك الحالة، فلما سكن سألته عن سبب انزعاجه وتواجده من كلام الشيخ، فقال لي: اعلم أني تزوجت امرأة منذ سنين كثيرة وما رزقت منها ولدا، وأني جئت اليوم لأسأل منه الدعاء حتى يرزقني الله ﷿ ولدا صالحا، فقبل سؤالي إياه حدّثني بما في قلبي، وأظهر لي سري، وأسمعني ما سمعتم. قال: ثم دعاه الشيخ ﵁ ودعا له، وسأل الله ﷿ له الولد، وناوله شيئا من بقية الطعام وقال: أطعمها أهلك، قال: ثم رأيته بعد ذلك بمدة فقال: قد رزقني الله ﷿ والحمد لله ابنا وبنتا ببركة دعاء الشيخ وهمته.

قال: وسمعت الشيخ أبا عبد الله يقول: سمعت الشيخ أبا بكر عبد الغفار بن محمد بن عبد الغفار- وكان خال ولد الشيخ ﵁ يقول لي: هل علمت

سبب وفاة أختي، يعني التي كانت حليلة الشيخ رحمة الله عليهما؟ قلت: لا، قال قالت أختي: كان للشيخ في الدار بيت مختصّ به لا يدخله غيره، وكان يأذن لي في بعض الليالي بدخولي فيه، وفي أكثر الأوقات وأغلب الليالي يغلق الباب على نفسه ويخلو فيه بنفسه، وأبيت أنا في الدار وحدي، فاشتدّ ذلك عليّ حتى أقلق نهاري وأسهر ليلي، فبينا أنا متفكرة في بعض تلك الليالي إذ قلت في نفسي: لم لا أقوم فأرتقي الرواق وأنظر إليه من كوّة البيت لأقف على حاله، فقمت وارتقيت الرواق، فقبل بلوغي الكوة رأيت نورا عظيما وضياء ساطعا من البيت أضاء منه شيء، فتقدمت ونظرت في البيت، فرأيت الشيخ جالسا في مكانه، وحوله جماعة يقرأون عليه، وكنت أرى سوادهم وأسمع حسّهم غير أني لا أرى صورهم، فهالني ذلك ووقعت مغشيّا عليّ لا أشعر شيئا، إلا أني رأيت الشيخ واقفا على رأسي، فأقامني وتلطّف بي وقال لي: ماذا دهاك؟ فقصصت عليه قصتي، فقال لي: كفي عن هذا ولا تخبري بما رأيت أحدا من الناس إن كنت تريدين رضاي، فقبلت منه ذلك وكتمت سرّه حتى أمرضني، وحملت مريضة إلى دار أبي؛ قال الامام أبو عبد الله وقال لي الشيخ أبو بكر واشتدّ عندنا مرضها، وكنا نسألها عن سبب مرضها، وكانت تعلل بأشياء، إلى أن وقعت في هول الموت وسياق النزع، ثم نظرت إلينا وبكت ثم قالت: أوصيكم بزوجي أبي العلاء واسترضائه، والآن بدا لي أن أخبركم بسبب موتي، ثم قصّت علينا هذه القصة، وفارقت الدنيا، رحمها الله.

قال: وسمعت الشيخ أبا العلاء أحمد بن الحسن الحداد العارف يقول: سمعت الشيخ عمر بن سعد بن عبد الله بن حذيفة من نسل حذيفة بن اليمان ﵁ يقول: كنت مع الحافظ أبي العلاء في بعض الأسفار، فأدركنا شيخا من أهل الحديث، وانتخب عليه الحافظ جزءا من مسموعه وسماعه عليه، وارتحلنا من عنده فوصلنا إلى نهر عظيم، فلما عبرنا النهر وقع ذلك الجزء منّا وضاع، وضاق قلب الحافظ لذلك ضيقا شديدا، فلما كان بعد ذلك بأيام استقبلنا رجل حسن الوجه حسن الشارة وسلّم علينا، ثم أقبل على الحافظ وقال: ما الذي أصابكم وما سبب حزنك؟

فقصّ عليه الحافظ قصة الجزء وكيفية ضياعه، فقال: خذ القلم واكتب عني جميع ما ضاع عنك في ذلك الجزء، وأخذ الحافظ القلم متعجبا ننظر إليه وهو يملي والحافظ

يكتب إلى أن فرغ، فلما فرغ الحافظ أخذ ببعض ثيابه فقال: أنشدك الله من أنت؟

فقال: أنا أخوك الخضر، وبعثت إليك لهذا الأمر، ثم غاب عنا فلم نره.

سمعت الشيخ الصالح سنقر بن عبد الله غلام شيخنا أبي طاهر محمد بن الحسن بن أحمد العطار، ﵀ ابن الشيخ ﵁ يقول: إني خدمت الشيخ ﵁ سنين كثيرة فرأيت العجائب الكثيرة في خلواته، منها: أنه قام ليلة ليتوضأ فقال لي: استق الماء من البئر، فجئت وأرسلت الدلو فيها، فلما بلغ الدلو إلى رأس البئر نظرت فيها فإذا الدلو مملوءة ذهبا أحمر أضاء الدار حمرته، فصحت صيحة عظيمة، فقال لي: أيها الشيخ ماذا أصابك؟ فأريته الدلو فاسترجع، ثم استأخر وقال لي: اقلب الدلو في البئر فإنا نطلب الماء لا الذهب، قال: فقلبتها، ثم أخذ الدلو من يدي واستقى الماء وقال لي: يا سنقر إياك إياك أن تخبر بما رأيت أحدا من الناس ما دمت حيا.

قال: رأيت بخط الثقة، ذكر أنه نقل من خط الشيخ أبي الفتح محمد بن الحسين بن وهب: سمعت الشيخ أبا عبد الله الحسين بن إبراهيم بن الحسين بن جعفر الجوزقاني يقول: كنت نائما ذات ليلة، فرأيت فيما يرى النائم كأنّ الناس يهرعون إلى رباط أبي الفرج أحمد بن علي المقرىء رحمة الله عليه، قال: فسألت ما لهؤلاء؟ فقالوا: إنّ أنس بن مالك ﵁ نزل في رباط المقرىء، ففرحت وأسرعت وقصدت الإمام الحافظ أبا العلاء وأخبرته بذلك، فلما سمع مني فرح ونشط، وقام وأخذ جزءا واحدا من أحاديث أنس بن مالك ﵁ وجاء معي حتى دخلنا الرباط، فإذا رسول الله ﷺ جالس في الرباط، ورأينا أنس بن مالك عن يساره، فقدمنا إلى رسول الله ﷺ وسلّمنا عليه وجلسنا بين يديه، فاستأذنه أبو العلاء في قراءة ذلك الجزء عليه فأذن له، فابتدأ أبو العلاء بالقراءة، وقرأ ذلك الجزء قراءة حسنة مبينة صحيحة، ورأيته ﷺ يتبسم من الفرح مرة إلى وجهه ومرة إلى وجهي، فلما قرأ الجزء انتبهت من النوم وقمت وتوضأت وصليت الصلاة شكرا لله تعالى على ما رأيت في المنام.

قال: وسمعت الشيخ عمر بن أبي رشيد بن طاهر الزاهد يقول: رآني يوما الشيخ علي الشاذاني صاحب الكرامات الظاهرة فقال: يا عمر اذهب إلى الحافظ أبي

العلاء وقبّل جبينه عني، فإني رأيت الليلة في المنام من قبّل جبهته موفيا محتسبا غفر الله له.

قال: وسمعت الشيخ الزاهد، وكان من الأبدال إن شاء الله يقول: سمعت الشيخ سعيدا المتقي، وكان من الصالحين يقول: رأيت جنات عدن مفتوحة أبوابها، وإذا الناس كلّهم وقوف ينظرون دخول شخص، فلما قرب من الباب وكاد يدخل جنة عدن سألت من هذا الشخص الذي يدخل جنة عدن قبل دخول الخلائق؟ فقالوا:

الحافظ أبو العلاء ومن كان يحبّه في الله ﷿، فتضرعت وبكيت وقلت: وأنا أيضا ممن يحبّه في الله ﷿، دعوني أدخل، فقال شخص: صدق دعوه يدخل، فدخلت مع القوم وهم يقولون: ادخلوها بسلام آمنين

(الحجر:).

قال المصنف: وحكى لي الشيخ الإمام أبو عبد الله زبير بن محمد بن زبير المشكاني ﵀ قال: رأيت ليلة من الليالي في المنام كأنّ الإمام أبا العلاء ﵁ يمشي إلى الحجّ، وهو جالس في المهد متربع، والمهد يمشي في الهواء بين السماء والأرض، فعدوت خلفه، فنزل المهد من السماء إلى الأرض، وشيء مثل الوتد حتى خرج من ذلك المهد، فتعلّقت به، فقام المهد يمشي في الهواء وأنا متعلق به حتى وصلنا الفرات، فأخذني العطش، فقلت للحافظ، إني عطشان أريد أشرب، فقال لي: تعال حتى نشرب من زمزم، فمشينا حتى وصلنا مكة، فدخلت الحرم، وشربت من ماء زمزم، ورأيت في الحرم خلقا كثيرا، ورأيت رسول الله ﷺ مع الحافظ أبي العلاء جالسا على تلّ في الحرم أعلى من سطح الحرم، وما معهما أحد غيرهما، وهما يستقبلان الكعبة وينظران إلى فوق، ورأيت رسول اللهّ ﷺ يتكلّم مع أحد نحو فوق الكعبة، وإذا أراد أن يتكلم قام إليه، ورأيت شيخنا أبا العلاء شاخصا ببصره إلى الذي يكلم النبي ﷺ فوق الكعبة، ولا يلتفت يمينا ولا شمالا، فقلت في نفسي: أذهب فأبصر من الذي يكلّم النبيّ ﷺ وينظر إليه الحافظ أبو العلاء، فتقدمت ونظرت إلى فوق الكعبة فرأيت عرش الرحمن ﷻ واقفا فوق الكعبة، ورأيت الرحمن ﷻ عليه، فأشار إليّ النبي ﷺ أن «أسأل الله ﵎»، فسألت الله تعالى أربع حاجات، فسمعته يقول بالفارسية، كردم، وسألت رسول الله ﷺ حاجة ففعل، فنويت الرجوع، فقال لي

رسول الله ﷺ: أتذهب؟ فوقفت أنتظر أمره، فقال لي رسول الله ﷺ بالفارسية:

شكرانه گو، فوقفت وقرأت: قل هو الله أحد

(الإخلاص:) خمسمائة مرة، فقال لي رسول الله ﷺ: حسن، فرجعت وتركت رسول الله ﷺ جالسا مع الحافظ أبي العلاء على ذلك التلّ وينظران إلى الله ﷿.

وقد مدحه أفاضل عصره بأشعار كثيرة، منهم أبو عبد الله محمد بن عبد الله المغربي وقد خرج الشيخ فحجبت الشمس غمامة فقال لي في ذلك:

ظهرت فأخفت وجهها الشمس هيبةوشوقا إلى مرآك أسبلت الدمعا
ولما رأت مسعاك كفّت شوؤنهالئلّا ترى حيّا يصدّك عن مسعى
وقد كان ذاك القطر أيضا دلالةعلى أنّ مولى الجمع قد رحم الجمعا
ولا شكّ أن الله يرحم أمةحللت بها قطعا أقول بذا قطعا

وقد مدحه أبو عبد الله المغربي هذا بقصائد حسان، وقد أفردها الشيخ الإمام أبو عبد الله محمد بن محمود بن إبراهيم بن الفرج مؤلف هذه المناقب ﵀، والأصل يشتمل على ستة أجزاء بخطه كلّها ﵀، وقد ذكر فيه بعد ذكر القصائد التي ذكرتها:

سمعت أبا بشر محمد بن محمد بن محمد بن هبة الله بن عبد الله بن سهل ﵀ يقول: كان أبو عبد الله المغربي بأصفهان في مدرسة النظام وهو يقرأ القرآن، فلما بلغ قوله ﷿: واعبد ربك حتى يأتيك اليقين

(الحجر:) قام وصرخ وترك أمتعته وكتبه وأقبل إلى الصحراء هائما، وما رؤي بعد ذلك ولا سمع له خبر ولا أثر.

وأنشد موفق بن أحمد المكي الخطيب في مدحه:

حفظ الامام أبي العلاء الحافظبالرجل ينكت هام حفظ الجاحظ
عمرو بن بحر بحره من جدولمتشعّب من بحر بحر الحافظ
ما إن رأينا قبل بحرك من [له]بحر طفوح كالأتيّ اللافظ
أحييت ما قد فاظ من سنن العلاوالعلم قبلك في انتزاع الفائظ
بهظ البرايا عبء أدنى علمهأعظم به من عبء علم باهظ
كم واعظ لي أن أجاور مجدهلو كان ينجع فيّ وعظ الواعظ
غاظ الأعادي جاهه كعلومهفرددت غيظهم بهذا الغائظ

وأنشد أيضا في مدحه:

وليس اعتراف الحاسدين بفضلهلشيء سوى أن ليس يمكنهم جحد
بدا كعمود الفجر ما فيه شبهةفهل لهم من أن يقرّوا به بدّ

وأنشد الإمام العلامة أفضل الدين أبو عمرو عثمان بن عبد الملك بن عبيد الله بن أحمد بن سعيد الدمانخير الكرخي رحمة الله عليه في مدحه:

صبرا فأيام الهموم تزولوالدهر يعطيك المنى وينيل
ويبين من فلك السعادة باقياقمر الأماني والنحوس أفول
لا تأيسنّ إذا تلمّ ملمةإن الشدائد تعتري وتحول
والفضل لا يزري به عدم الغنىأفليس يحسن في الرماح ذبول
ما إن يضرّ العضب بعد مضائهيوم القراع إذا عرته فلول
لا تشتغل بالعسر واطو مشمّرابسط الفيافي والشعاب مقيل
والبس سواد الليل مرتديا بهإنّ التجلّد للرجال جميل
حتى تنيخ العيس في كنف العلاحيث التكرّم بالنجاح كفيل
كنف الإمام القرم قطب الدين منجوب الفلا إلا إليه فضول
صدر الزمان أبي العلاء سميدعغرّ المعالي في ذراه تقيل

وهي طويلة.

ولموفق الدين مكي خطيب خوارزم أشعار كثيرة في مدحه منها:

بقيت بقاء الدهر في الناس خالداأيا خير من في الأرض خالا ووالدا
لتروي أحاديث النبيّ محمدوتحيي مسانيدا وتزوي معاندا
فهذا دعائي بالحجون وبالصفاوهذا مرامي حيث ما كنت ساجدا

قال: وسمعت الثقة يقول: سمعت الشيخ ﵁ يقول: لما مات فلان- أحد أصدقائه ذكر اسمه ونسيته- شقّ عليّ موته، وأثر فيّ وفاته، فكنت بعد ذلك أكتب كلّ سنة كتاب الوصية، وأنا سمعت منه حينئذ صغيرا وهو يقول غدا من شهر رجب، شهر الله الأصم، وأنا أريد أن أجدّد مع ربي عهدا. وهذا كتاب وصيته: بسم الله الرحمن الرحيم أخبرنا عبد القادر اليوسفي وهبة الله بن أحمد الشيباني قالا، أخبرنا أبو علي الحسن بن علي التميمي، أخبرنا أحمد بن جعفر القطيعي، حدثنا عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل ﵄، حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ما حقّ امرىء مسلم يبيت ليلتين وله شيء يوصي فيه إلا ووصيته مكتوبة عنده. وأخبرنا الشيخ أبو القاسم زاهر بن طاهر بن محمد بن محمد الحافظ، أخبرنا أبو عثمان سعد بن محمد النّجيرمي، أخبرنا أبو الخير الحنبلي وأبو بكر محمد بن أحمد بن عقيل قالا، أخبرنا أبو بكر محمد بن حفص بن جعفر حدثنا إسحاق بن إبراهيم الغضبي، حدثنا خالد بن يزيد الأنصاري، حدثني محمد بن أبي ذئب عن نافع عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: من لم يحسن الوصية عند الموت كان نقصا في مروءته وعقله، قيل: وكيف يوصي؟ قال يقول: اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، الرحمن الرحيم، إني أعهد إليك في دار الدنيا أني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأن محمدا ﷺ عبدك ورسولك، وأن الجنة حقّ، وأن النار حق، وأن البعث حق، والحساب والقدر حق والميزان حق، وأن الدين كما وصفت، وأن الاسلام كما شرعت، وأن القول كما حدّثت، وأن القرآن كما أنزلت، جزى الله محمدا ﷺ عنّا خير الجزاء، وحيّا محمدا منا بالسلام. اللهم يا عدتي عند كربتي، ويا صاحبي عند شدتي، ويا وليّ نعمي،

إلهي وإله آبائي، لا تكلني إلى نفسي طرفة عين، فإنك إن تكلني إلى نفسي أقرب من الشرّ وأتباعد من الخير، فآنسني في قبري من وحشتي، واجعل لي عهدا يوم ألقاك، ثم يوصي بحاجته. وتصديق هذه الوصية في القرآن لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا

(مريم:) فهذا عهد الميت.

وهذه وصيته سنة إحدى وعشرين وخمسمائة، ونقلتها من خطه: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به الحسن بن أحمد بن الحسن بن أحمد بن محمد العطار طوعا، في صحة عقله وبدنه وجواز أمره، أوصى وهو يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له لم يتخذ صاحبة ولا ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له وليّ من الذّلّ وخلق كل شيء فقدّره تقديرا ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين

(الأعراف:)، ويشهد أن محمدا عبده أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدّين كله ولو كره المشركون، صلى الله عليه وعلى أصحابه وسلّم تسليما كثيرا، ويشهد أن الجنة حق، والنار حق، والبعث حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور، وأنه جلّ وعزّ جامع الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم، في صعيد واحد، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، ويشهد أن صلاته ونسكه ومحياه ومماته لله ربّ العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وهو أول المسلمين، وأنه رضي بالله ربا، وبالاسلام دينا، وبمحمد ﷺ نبيا، وبالقرآن إماما، وبالمؤمنين إخوانا، وأنه يدين لله ﷿ بمذهب أصحاب الحديث، ويتضرّع إلى الله ﷿ ويتوسّل إليه بجميع كتبه المنزلة وأسمائه الحسنى وكلماته التامّات وجميع ملائكته المقربين وأنبيائه المرسلين، [أن] يحييه على ذلك حيا ويميته على ذلك إذا توفاه، وأن يبعثه عليه يوم الدين، وأوصى نفسه وخاصّته وقرابته ومن سمع وصيّته بتقوى الله، وأن يعبدوه في العابدين، ويحمدوه في الحامدين، ويذكروه في الذاكرين، ولا يموتنّ إلّا وهم مسلمون، وأوصى إلى الشيخ أبي مسعود إسماعيل بن أبي القاسم الخازن في جميع تركته وما يخلفه بعده، وفي قضاء ديونه واقتضاء ديونه وإنفاذ وصاياه، وذكره في ذلك بتقوى الله وإيثار طاعته، وحذّره أن يبدّل شيئا من ذلك أو يغيّره، وقد قال الله تعالى فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم

(البقرة:) وكتب هذه الوصية موصيها الحسن بن أحمد بن الحسن بن

أحمد بن محمد بن العطار في يوم الثلاثاء السابع من ذي الحجة سنة إحدى وعشرين وخمسمائة.

قال: وحدثني من شهد قبض روح الشيخ ﵁ قال: كنا قعودا في ذلك الوقت، وكنا نحبّ أن نلقنه كلمة الشهادة رعاية للسنة، ومع هذا كنا نخشى من هيبته ونحذر سوء الأدب، فبقينا متحيّرين حتى قلنا للرجل من أصحاب الشيخ: اقرأ أنت سورة يس، فرفع الرجل صوته يقرأ السورة، وكنا ننظر إليه ونراقب حاله، فدهش القارىء وأخطأ في القراءة، ففتح الشيخ عينه وردّ عليه، فسررنا بذلك وحمدنا الله ﷿. ثم جيء إليه بقدح فيه شيء من الدواء، ووضع القدح على شفته فولّى وجهه وردّ القدح بفيه وفتح عينه وقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله رافعا بها صوته، وفاضت نفسه ﵀ ورضي عنه وأرضاه، وجعل أعلى الجنان مأواه، وكان ذلك قبيل العشاء الآخرة ليلة الخميس التاسع عشر من جمادى الأولى عام سبعة وستين وخمسمائة، ودفن يوم الخميس في مسجده، وصلى عليه ابنه الإمام ركن الدين شيخ الإسلام ابو عبد الله أحمد القائم مقامه وخليفته على أولاده وأصحابه واتباعه ﵀. والكتاب الذي يشتمل على مناقبه كتاب ضخم جليل، وإنما كتبت هذه النبذة ليستدلّ به على فضله ومرتبته، رحمة الله عليه، والحمد لله رب العالمين، وصلّى الله على نبيه محمد وآله أجمعين.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجم الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.