من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
الحسن بن علي بن الحسن بن عبد الله بن مقلة
: أبو عبد الله، ومقلة اسم أم لهم كان أبوها يرقّصها فيقول يا مقلة أبيها فغلب عليها، وأبو عبد الله هو أخو الوزير أبي علي محمد بن علي، وهو المعروف بجودة الخط الذي يضرب به المثل. كان الوزير أوحد الدنيا في كتبه قلم الرقاع والتوقيعات، لا ينازعه في ذلك منازع، ولا يسمو إلى مساماته ذو فضل بارع، وكان أبو عبد الله هذا أكتب من أخيه في قلم الدفاتر والنسخ، مسلما له فضيلته، غير مفاضل في كتبته. ومولد أبي عبد الله في سلخ رمضان سنة ثمان وسبعين ومائتين، ومات في شهر ربيع الآخر سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة، ومات أبوه أبو العباس علي بن الحسن في ذي الحجة سنة تسع وثلاثمائة، وله يوم مات سبع وستون سنة وأشهر، وصلى عليه ابنه أبو علي (ولأخيه أبي علي ترجمة في بابه مفردة لما اشترطنا في ذكر أرباب الخطوط المنسوبة) وكان أبو هما الملقب بمقلة أيضا كاتبا مليح الخطّ، وقد كتب في زمانهما وبعدهما جماعة من أهلهما وولدهما فلم يقاربوهما وإنما يندر للواحد منهم الحرف بعد الحرف والكلمة بعد الكلمة، وإنما كان الكمال لأبي علي وأبي عبد الله أخيه.
فممن كتب من أولادهما أبو عبد الله وأبو الحسن ابنا أبي علي وأبو أحمد سليمان بن أبي الحسن، وأبو الحسين علي بن أبي علي، وأبو الفرج العباس بن علي بن مقلة، ومات أبو الفرج هذا في سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، ومات أبو
الحسين علي بالفالج والسكتة في سنة ست وأربعين وثلاثمائة ومولده سنة خمس وثلاثمائة.
حدث ابن نصر قال: وجدت بخطّ أبي عبد الله ابن مقلة على ظهر جزء:
وغنتني ابنة الحفار:
إلى سامع الأصوات من أبعد المسرىشكوت الذي ألقاه من ألم الذكرى
فيا ليت شعري والأمانيّ ضلّةأيشعر بي من بتّ أرعى له الشعرى
قال ابن نصر: فقلت كفى ابنة الحفار هذا الصوت أن يذكرها، ويكتبه أبو عبد الله ابن مقلة بخطه.
وحدث ابن نصر قال، حدثني أبو القاسم ابن الرقي منجم سيف الدولة قال: كنت في صحبة سيف الدولة في غداة المصيبة المعروفة وكان سيف الدولة قد انكسر يومئذ كسرة قبيحة، ونجا بحشاشته بعد أن قتلت عساكره، قال: فسمعت سيف الدولة يقول وقد عاد إلى حلب: هلك مني من عرض ما كان في صحبتي خمسة آلاف ورقة بخطّ أبي عبد الله ابن مقلة، قال: فاستعظمت ذلك وسألت بعض شيوخ خدمه الخاصة عن ذلك، فقال لي: كان أبو عبد الله منقطعا إلى بني حمدان سنين كثيرة يقومون بأمره أحسن القيام، وكان ينزل في دار قوراء حسنة، وفيها فروش، يشاكلها مجلس دست، وله شيء للنسخ وحوض فيه محابر وأقلام، فيقوم ويتمشى في الدار إذا ضاق صدره، ثم يعود فيجلس في بعض تلك المجالس وينسخ ما يخفّ عليه، ثم ينهض ويطوف على جوانب البستان، ثم يجلس في مجلس آخر وينسخ أوراقا أخر على هذا، فاجتمع في خزائنهم من خطّه ما لا يحصى.
وجدت بخطّ بعض أهل الفضل عن بعضهم قال: حضرت مجلس أبي علي محمد بن علي بن مقلة في أيام وزارته، وقد عرضت عليه رقاع وتوقيعات وتسبيبات قد زوّر على خطّه أخوه أبو عبد الله وارتفق عليها، فكان ينظر فيها ويمضيها وقد عرف
صورتها، وكان أبو عبد الله حاضرا، فلما كثرت عليه التفت إليه فقال: يا أبا عبد الله قد خفّفت عنا حتى ثقّلت، وخشينا أن نثقل عليك، فأحبّ أن تخفّف عن نفسك هذا التعب، فضحك أبو عبد الله وقال: السمع والطاعة.
وقال ثابت بن سنان: لما ولي أبو علي ابن مقلة [الوزارة قلد أخاه أبا عبد الله] ديوان الضياع الخاصّة، وديوان الضياع المستحدثة، وديوان الدار الصغيرة. وصودر أبو عبد الله في أيام القاهر على خمسين ألف دينار بعد أن حلف أنه لا يملك إلا بساتين وما ورثه من زوجته، وقيمة الجميع نحو مائة ألف درهم.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع