تجاوز إلى المحتوى

من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)

الحسين بن أحمد بن خالويه بن حمدان

أبو عبد الله اللغوي النحوي: من كبار أهل اللغة والعربية أصله من همذان، ودخل بغداد طالبا للعلم سنة أربع عشرة

وثلاثمائة فلقي فيها أكابر العلماء وأخذ عنهم، فقرأ القرآن على الإمام ابن مجاهد، والنحو والأدب على أبي بكر ابن دريد وأبي بكر ابن الأنباري ونفطويه، وأخذ اللغة عن أبي عمر الزاهد، وسمع من محمد بن مخلد العطار وغيره، وقرأ على أبي سعيد السيرافي وأخذ عنه المعافى بن زكريا النهرواني وآخرون، وانتقل إلى الشام ثم إلى حلب فاستوطنها ونفق بها سوقه وتقدم في العلوم حتى كان أحد أفراد عصره، وكانت الرحلة إليه من الآفاق، واختصّ بسيف الدولة بن حمدان فحظي لديه ونفق عليه وأفضل عليه أفضالا، وعاش في بلهنية إلى أن مات في سنة احدى وسبعين وثلاثمائة، وقرأ عليه آل حمدان وكانوا يجلونه ويكرمونه فانتشر علمه وفضله وذاع صيته، وله مع أبي الطيب المتنبي مناظرات.

ودخل يوما على سيف الدولة فلما مثل بين يديه قال له: اقعد ولم يقل اجلس، قال ابن خالويه: فعلمت بذلك اعتلاقه بأهداب الأدب، واطّلاعه على أسرار كلام العرب. (قلت: قال ابن خالويه هذا لانه يقال للقائم اقعد وللنائم والساجد اجلس).

وقال أبو عمرو الداني في «طبقات القراء»: كان ابن خالويه عالما بالعربية حافظا للغة بصيرا بالقراءة ثقة مشهورا روى عنه غير واحد من شيوخنا: عبد المنعم بن غلبون والحسن بن سليمان وغيرهما.

وروي أنّ رجلا جاء إلى ابن خالويه وقال له أريد أن أتعلّم من العربية ما أقيم به لساني فقال: أنا منذ خمسين سنة أتعلم النحو فما تعلمت ما أقيم به لساني.

وذكر ابن خالويه في «أماليه» أن سيف الدولة سأل جماعة من العلماء بحضرته ذات ليلة: هل تعرفون اسما ممدودا وجمعه مقصور فقالوا لا، فقال لي: ما تقول أنت؟ قلت: أنا أعرف اسمين، قال: ما هما؟ قلت: لا أقول لك إلا بألف درهم لئلا تؤخذ بلا شكر وهما صحراء وصحارى وعذراء وعذارى.

وقال: سمعت ابن الأنباري يقول: اللئيم الراضع الذي يتخلّل ويأكل خلاله.

وقال: حدثنا نفطويه عن أبي الجهم عن الفراء أنه سمع أعرابيا يقول: قضت

علينا السلطان، قلت: السلطان يذكر ويؤنث والتذكير أعلى، ومن أنثه ذهب به إلى الحجة.

وحكى عن أبي عمر الزاهد أنه قال في معنى قوله ﷺ: «إذا أكلتم فرازموا» أي افصلوا بين اللقمة والطعام باسم الله تعالى.

وحكى عنه أبو بكر الخوارزمي وهو من تلامذته أنه قال: كل عطر مائع فهو الملاب، وكل عطر يابس فهو الكباء، وكل عطر يدق فهو الألنجوج. وكان إذا تكلم قصد التقعير في كلامه، واستعمل وحشيّ اللغة: وجدت على ظهر كتاب بإسناد مرفوع إلى أحمد بن كاشقر قال: جئت أبا عبد الله ابن خالويه فلما نظرني من بعيد قال لي: ما تبغي من علومنا نحوا أم لغة؟ فقلت: لا أحرم شيئا، فقال: اجعل حندورتك في قهبلي، وخذ المزبر بشناترك، فلا أنغو بنغوة إلا جعلتها في حماطة جلجلانك، ونحّ الكنفشة على الحذنّة، واجعل اللّمص في العرين، واشرب ثم اشرب. فقلنا: إن رأى الأستاذ، أيده الله، أن يأمر غلامه بإسراج الشمعة فقد ادلهمّ النهار فاندفع، فقال: حدثنا أبو العباس الأرزق قال: جئت الشافعي رحمة الله عليه، فقلت له: يا أبا عبد الله تتحقق هذا الفقه فتأخذ الجوائز عليه، والأرزاق السنية، ونحن، فليس لنا إلا هذا الشعر وقد جئت تداخلنا فيه، والآن جئتك بأبيات قلتها إن أجزتها ببيت من الشعر فلك الحكم، وإن عجزت عنها تتوب. فقال لي الشافعي: إيه، قال أبو العباس: فأنشدته:

ما همتي إلا مقارعة العداخلق الزمان وهمتي لم تخلق
والناس أعينهم إلى سلب الغنىلا يسألون عن الحجى والأولق
لكنّ من رزق الحجى حرم الغنىضدان مفترقان أيّ تفرّق
لو كان بالحيل الغنى لوجدتنيبنجوم أقطار السماء تعلقي
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «فإذا سمعت بأن مجدودا حوى»

فقال الشافعي، ﵁: ألا قلت كما أقول ارتجالا:

إن الذي رزق اليسار ولم يصبحمدا ولا أجرا لغير موفّق
فالجدّ يدني كلّ أمر شاسعوالجدّ يفتح كلّ باب مغلق
فإذا سمعت بأن مجدودا أتىعودا فأورق في يديه فصدّق
ومتى سمعت بأن مجدودا حوىماء ليشربه فغاض فحقق
ومن الدليل على القضاء وكونهبؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق

تفسير غريب هذه الحكاية: الحندورتان: العينان. والقهبل: الوجه.

والمزبر: القلم. والشناتر: الأصابع. ولا أنغو نغوة: أي لا ألفظ بلفظة إلا جعلتها في حماطة جلجلانك: يعني في سويداء قلبك. والكنفشة: العمامة. والحذنّة:

الأذن. واللمص: الفالوذ. والعرين: اللهوات. واشرب: احفظ. واشرب:

اجعله في وعاء.

قيل: حضر المتنبي مجلس أبي علي الحسن بن نصر البازيار وزير سيف الدولة، وهناك ابن خالويه، فتماريا في أشجع السلمي وأبي نواس، فقال ابن خالويه: أشجع أشعر إذ قال في هارون الرشيد:

وعلى عدوّك يا ابن عمّ محمدرصدان ضوء الصبح والإظلام
للشاعر أشجَع السَلمي، اقرأ القصيدة
فإذا تنبّه رعته وإذا غفاسلّت عليه سيوفك الأحلام
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «فإذا تنبه رعته وإذا»

فقال المتنبي: لأبي نواس ما هو أحسن من هذا، قوله في آل برمك:

لم يظلم الدهر إذ توالتفيهم مصيباته دراكا
كانوا يجيرون من يعاديمنه فعاداهم لذاكا

ثم قال المتنبي: أبو نواس أشهر في الدنيا من الدنيا:

قل للذي قاس به غيرهأقست يسراك إلى اليمنى
فابك على عقلك من نقصهبكاء قيس من هوى لبنى

نقلت من خطّ ابن خالويه في نسخة كتاب كتبه إلى سيف الدولة يخبره بما يقرىء ولديه: أبا المكارم وأبا المعالي، قال في أثنائه: فإن قيل لنا كيف صرّفت الفعل من

بسم الله، والأسماء لا تتصرف حيث قلت:

لقد بسملت ليلى غداة لقيتهافيا حبذا ذاك الحبيب المبسمل

فالجواب أنّ العرب فعلت ذلك في سبع كلمات شذّت وكثر استعمالهم إياهن، وهن: بسمل إذا قال: بسم الله، وحمدل إذا قال: الحمد لله، وحيعل إذا قال:

حيّ على الفلاح، وجعفل إذا قال: جعلت فداك، وحولق: إذا قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. وأما حوقل الشيخ فمعناه دنا للفناء إذا ادرهمّ وخرف وصار همّا إنقحلا ونيّف على المائة شررى قال الراجز:

يا قوم قد حوقلت أو دنوت

والحرف السابع: هيلل إذا قال: لا إله إلا الله، لا ثامن لها.

قال المؤلف، رفق الله به: الذي ذكره ابن خالويه سبعة، ونسي الثامن وهو حسبل إذا قال: حسبنا الله.

وفي الخبر المنقول من خطّه ما يدلّ على أن ابن خالويه جاوز المائة من عمره، والله أعلم.

ومما مدح به ابن خالويه:

إن غاب عنّا شخص سيبويهوثعلب أو فاد نفطويه
فنحن نغنى بابن خالويهزمام هذا الأمر في يديه
ومرجع الحكم بنا إليهأثني بما أعلمه عليه

وكتب إلى سيف الدولة في أول رقعة:

أصبحت كالوالد البرّ الرحيم بناوهل يخاف جفاء الوالد الولد
يا غرة الدين إنّ الناس قد علمواأن لا يقوم بهم إلا بك الأود
لولا تراث [من الإسلام] وسطهملكفّروا لك معذورين أو سجدوا

قال كمال الدين أبو القاسم عمر بن أحمد بن هبة الله بن أبي جرادة أدام الله علوه: وجدت بخطّ بعض أصحاب ابن خالويه على جزء، وعليه خطه: سأل سيف

الدولة جماعة من العلماء بحضرته ذات ليلة: هل تعرفون اسما ممدودا وجمعه مقصور؟ فقالوا: لا. فقال: يا ابن خالويه، ما تقول أنت؟ فقال: أنا أعرف اسمين [ممدودين] وجمعهما مقصور. قال: ما هما؟ قال: صحراء وصحارى وعذراء وعذارى. فلما كان بعد شهر كتبت إليه: إني قد أصبت حرفين آخرين ذكرهما الجرمي في كتاب [التثنية والجمع] وهما صلفاء وصلافى، وهي الأرض الغليظة، وخبراء وخبارى، وهي أرض فيها ندوة. فلما كان بعد عشرين سنة من هذا الحديث: أمليت هذه الأحرف على أبي القاسم العقيقي، أيده الله، فلما مضى إلى دمشق كتبت إليه:

إنه بإقبال الشريف ويمنه لما استعبر [ت] هذه الأحرف وجدت حرفا خامسا ذكره ابن دريد في «الجمهرة» وهو سبتاء وسباتى وهي الأرض الخشنة.

ومن شعر ابن دريد يصف برد همذان:

إذا همذان اعتادها القرّ وانثنىبرغمك أيلول وأنت مقيم
فعينك عمشاء وأنفك سائلووجهك مسوّد البياض بهيم
وأنت أسير البرد تمشي تعلةعلى [الأين] تحبو مرة وتقوم
بلاد إذا ما الصيف أقبل جنّةولكنها عند الشتاء جحيم

قرأت بخط ابن خالويه نسخة كتاب إلى سيف الدولة: ذكر الله أكبر، والشعر أحقر وأصغر، وثناء الله أسنى وأشرف، وبقاؤه أولى وأطرف، ومديح مولانا سنّة بل واجب فرض:

ملك كأنّ الله قبل كتابهأعطاه مما شاء فوق مراده
أحيا الندى كرما ونفّق محسنابالجود سوق العلم بعد كساده
وسما بهمّته التي لو أنهاللصبح ما انتفع الدجى بسواده
فالدهر حين يصول من خدّامهوالبدر حين يلوح من حسّاده
ألف الثناء فما يقرّ نداه منإتهامه في الأرض أو إنجاده
والمجد ليس يصون طارفه امرؤما لم يهن بالجود عزّ تلاده
من لم ينل رتب العلاء لنفسهلم يعلم الميراث من أجداده
أعطى فخلنا الغيث من سؤّالهوسطا فقلنا الموت من أنجاده
هو غاية الأمل الذي ما خلفهطلب لطالبه ولا مرتاده
فإذا دهيت من الزمان فوالهوإذا سئمت من الزمان فعاده

ولابن خالويه من التصانيف كتاب أسماء الأسد، ذكر له فيه خمسمائة اسم.

وكتاب إعراب ثلاثين سورة. وكتاب البديع في القراءات. وكتاب اشتقاق خالويه. وكتاب ليس وهو كتاب جيد نفيس يدل على سعة علم مؤلفه، وذاك أنه يقول: ليس في كلام العرب على مثال كذا إلا كذا، وهذا تحكم عظيم. وكتاب الاشتقاق. وكتاب الجمل في النحو. وكتاب أطرغش وأبرعش. وكتاب في القراءات.

وكتاب المبتدأ. وكتاب المقصور والممدود. وكتاب المذكر والمؤنث. وكتاب شرح مقصورة ابن دريد. وكتاب شرح السبع الطوال. وكتاب الألفات. وكتاب الآل، ذكر في أوله ان الآل ينقسم إلى خمسة وعشرين قسما وذكر فيه الأئمة الاثني عشر ومواليدهم ووفياتهم. وكتاب في غريب القرآن قيل إنه صنّف في خمس عشرة سنة. وكتاب ديوان أبي فراس ابن حمدان جمعه وذكر فيه جملة من أخباره وفسر أشعاره. وكتاب الأفق فيما تلحن فيه العامة. وكتاب شرح الفصيح، وغير ذلك.

ومن شعره:

الجود طبعي ولكن ليس لي مالفكيف يبذل من بالقرض يحتال
فهاك خطّي فخذه اليوم تذكرةإلى اتساعي فلي في الغيب آمال

وقال:

إذا لم يكن صدر المجالس سيدافلا خير في من صدّرته المجالس
للشاعر الحسين بن أحمد بن خالويه، من قصيدة «إذا لم يكن صدر المجالس سيداً»
وكم قائل ما لي رأيتك راجلافقلت له من أجل أنك فارس

وقال:

أيا سائلي عن قدّ محبوبي الذيكلفت به وجدا وهمت غراما
للشاعر ابن دانيال الموصلي، اقرأ القصيدة
رأى قصر الأغصان ثم رأى القناطوالا فأضحى بين ذاك قواما
للشاعر ابن دانيال الموصلي، اقرأ القصيدة

-

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجم الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.