من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
خالد بن يزيد الكاتب أبو الهيثم
من أهل بغداد، وأصله من خراسان،
شاعر مشهور رقيق الشعر؛ كان من كتاب الجيش، ثم ولاه الوزير محمد بن عبد الملك الزيات عملا ببعض الثغور، فخرج فسمع في طريقه مغنية تغني:
من كان ذا شجن بالشام يطلبهففي سوى الشام أمسى الأهل والشّجن
فبكى حتى سقط على وجهه مغشيا عليه، فأفاق مختلطا ووسوس.
وقال قوم: كان يهوى جارية لبعض الوجوه ببغداد فلم يقدر عليها فاختلط، وقيل إن السوداء غلبت عليه، وقيل كان خالد مغرما بالغلمان ينفق عليهم كلّ ما يستفيد، فهوي غلاما يقال له عبد الله، وكان أبو تمام الطائي الشاعر يهواه، فقال فيه خالد:
قضيب بان جناه وردتحمله وجنة وخدّ
لم أثن طرفي إليه إلامات عزاء وعاش وجد
ملّك طوع النفوس حتىعلّمه الزهو حين يبدو
واجتمع الصدّ فيه حتىليس لخلق سواه صدّ
فبلغ ذلك أبا تمام فقال فيه أبياتا منها:
شعرك هذا كلّه مفرطفي برده يا خالد البارد
فعلقها الصبيان، فما زالوا يصيحون به يا خالد البارد حتى وسوس. وهجا أبا تمام في هذه القصة فقال:
يا معشر المرد إني ناصح لكموالمرء في القول بين الصدق والكذب
لا ينكحنّ حبيبا منكم أحدفداء وجعائه أعدى من الجرب
لا تأمنوا أن تعودوا بعد ثالثةفتركبوا عمدا ليست من الخشب
وحدث ابن أبي سلالة الشاعر قال: دخلت بغداد في بعض السنين فبينا أنا مارّ في طريق إذا أنا برجل عليه مبطّنة وعلى رأسه قلنسوة سوداء، وهو راكب على
قصبة، والصبيان خلفه يصيحون يا خالد البارد، فإذا آذوه حمل عليهم بالقصبة، فلم أزل أطردهم عنه حتى تفرقوا، وأدخلته بستانا هناك، فجلس واستراح، واشتريت له رطبا فأكل، واستنشدته فأنشدني:
قد حاز قلبي فصار يملكهفكيف أسلو وكيف أتركه
رطيب جسم كالماء تحسبهيخطر في القلب منه مسلكه
يكاد يجري من القميص من النعمة لولا القميص يمسكه
ومن شعر خالد أيضا:
كبد شفّها غليل التصابيبين عتب وجفوة وعذاب
كلّ يوم تدمى بجرح من الشوق ونوع مجدد من عتاب
يا سقيم الجفون أسقمت جسميفاشفني كيف شئت لابك ما بي
إن أكن مذنبا فكن حسن العفوأو اجعل سوى الصدود عقابي
وقال:
يا تارك الجسم بلا قلبإن كنت أهواك فما ذنبي
يا مفردا بالحسن أفردتنيمنك بطول الشوق والحب
إن تك عيني أبصرت فتنةفهل على قلبي من عتب
فحسبك الله لما بي كماأنك في فعلك بي حسبي
توفي خالد الكاتب سنة تسع وستين ومائتين ببغداد.
-
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع