من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
زيد بن الحسن بن زيد بن الحسن بن زيد بن الحسن
بن سعيد بن عضيهة ابن عمير بن الحارث الأصغر: ذي رعين، تاج الدين أبو اليمن الكندي البغدادي ثم الدمشقي النحوي اللغوي المقرىء الحافظ المحدث الجامع لأسباب الفضائل، محط الركبان، حسنة الزمان: ولد ببغداد في شعبان سنة عشرين وخمسمائة، وتوفي بدمشق
سنة سبع وتسعين وخمسمائة. وكان أبوه من كبار التجار وذوي الجدة واليسار، فاتفق له الشيخ الإمام أبو محمد عبد الله بن علي بن أحمد المقرىء المعروف بابن بنت الشيخ سبط أبي منصور الخياط فألقى الله محبّته في قلبه فلقّنه القرآن وهو طفل صغير، وأقرأه القراءات العشر، وله من العمر عشر سنين وأربعة أشهر، وشاهده خطّ الشيخ له بذلك. فلما رأى الشيخ ذكاءه وحسن تقبّله للعلم ازداد له حبا، وربّاه تربية الولد البار، ونصحه وحمله إلى مشايخ وقته وعلماء أوانه، فقرأ عليهم القرآن، وصنّف له كتبا في قراءاتهم، وأسمعه الحديث من نفسه ومن أهله في وقته، ووهب له جملة من كتبه، واستجاز له من المشايخ ببغداد واستدعى له من مشايخ الأقطار، وكان ذلك سرا اطّلع عليه الشيخ أبو محمد ظهر به نبأه بعد حين. وكان كلما قرأ عليه القراءات برواية دعا له تارة بطول العمر وتارة بحسن القبول، وتارة بالإفادة، وتارة بالتوفيق والسعادة، إلى غير ذلك من الدعوات، فما منها شيء إلا وقد استجيب له فيه. وبلغ عدد من قرأ عليه من الشيوخ الذين لقيهم وسمع منهم، وأجازوا له من الأقطار سبعمائة ونيّفا وستين شيخا من رجل وامرأة.
ومن عجائب ما وقع له من الأسانيد ما أخبرنا به- أيده الله- قال: أخبرنا القاضي أبو بكر ابن محمد بن عبد الباقي بن محمد بن عبد الله الأنصاري العدل قاضي البيمارستان قراءة عليه وأنا أسمع في صفر سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة قال: أنبأنا أبو إسحاق إبراهيم بن عمر بن أحمد الفقيه الحنبلي الرملي قراءة عليه، وأنا أسمع، قال: أنبأنا أبو محمد عبد الله بن إبراهيم بن أيوب بن ناس البزار قراءة عليه في المحرم سنة ثمان وستين وثلاثمائة، قال: أنبأنا أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله البصري اللخمي قال: أنبأنا محمد بن عبد الله الأنصاري عن ابن عون عن الشعبي قال:
سمعت النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله، ﷺ، يقول: «إن الحلال بيّن، وإن الحرام بيّن، وإن بين ذلك أمورا مشتبهات، وربما قال مشتبهة، وسأضرب لكم في ذلك مثلا: إن لله حمى، وإن حمى الله ما حرّم الله، وإن من يرع حول الحمى
يوشك أن يخالط الحمى، وربما قال: يخالط الريبة، يوشك أن يحشر. وهذا حديث مجمع على صحته، وهو أحد الأحاديث التي اتفق أئمة الحديث على أن مدار السنة عليها، وقد أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما، وأبو داود والنسائي في سننه، وغيرهم من الأئمة في كتبهم من عدة طرق. وأخرجه مسلم بن الحجاج في العدد إلى الشعبي. وقد مات مسلم سنة إحدى وستين ومائتين، فيكون من سمعه من تاج الدين أبو اليمن كمن سمعه من مسلم.
وله عوال كثيرة يعجز عن تعدادها. وتفرد برواية كثير من الكتب لا يشركه فيها أحد، وفي كثرة ما صحبته وحضرت مجلسه ما رأيت القارىء قرأ عليه كتابا من مروياته وعلى الخصوص الأدبية واللغوية والنحوية ونحوها إلا وهو يسابق القارىء إلى ما يقرأه بالإشارة إلى المعنى أو إيراد اللفظ. وقلّما سئل عن مسألة إلا وأجاب فيها، ثم استدعى الكتاب في الحال وأخرج المسألة منه توافق ما أجاب به، فقيل له: أيّ حاجة إلى إحضار الكتاب وقولك حجة بالغة؟ فقال كلاما معناه يزيد تثبت السائل وتحقّق المسؤول.
وتفرّد بالسماع والرواية من جماعة مشايخ، وخرج من بغداد وقصد همذان، وتفقّه على سعد الراوي. واتفق أن والده حجّ وتوفي، فلما بلغه خبر والده عاد إلى بغداد، وأقام بها مدة، ثم أصعد إلى الشام، واتصل بعز الدين فروخ شاه وصحبه عشر سنين ما فارقه ساعة واحدة ثم التحق بأخيه من بعده تقي الدين.
وقد قرأ النحو على أبي محمد سبط أبي منصور الخياط وعلى أبي السعادات هبة الله ابن الشجري وابن الخشاب، واللغة على أبي منصور موهوب الجواليقي وسمع الحديث من ابن عبد الباقي وآخرين.
ولما قدم دمشق تقدّم فيها وتصدّر وازدحم عليه الطلاب، وانتقل من مذهب الحنابلة إلى مذهب الحنفية فتوغل فيه وأفتى، واستوزره فروخ شاه، ثم اتصل بأخيه صاحب حماة واختص به. وقرأ عليه الملك المعظم عيسى العربية فأقرأه «كتاب سيبويه» و «الإيضاح» لأبي علي الفارسي و «شرح سيبويه» لابن درستويه وقرأ عليه جماعة القراءة والنحو واللغة، وكتب الخطّ المنسوب، وكانت له خزانة كتب جليلة في
جامع بني أمية. وله تعليقات على ديوان المتنبي وأخرى على خطب ابن نباتة. وكتاب نتف اللحية من ابن دحية ردّ فيه على ابن دحية الكلبي في كتابه الذي سماه «الصارم الهندي في الردّ على الكندي» وكتاب في الفرق بين قول القائل طلقتك إن دخلت الدار وبين إن دخلت الدار طلقتك، ألفه جوابا لسؤال ورد عليه، وله غير ذلك.
وقال لي تاج الدين: كنت في صغري وقت اشتغالي بالعلم أبغض إخوتي إلى أبي لأنه كان يريدني أشتغل بالمتجر، وكنت أنا أشتغل بالعلم، وكان ذلك سعادة منحني الله تعالى بها، فإنني اكتسبت بالعلم مقدار أربعين ألف دينار وهبتها جميعها لمن يلوذ بي حتى إن الدار التي أنا مقيم فيها كتبتها لهم.
وكان لتاج الدين غلامان أحدهما اسمه ياقوت، وسمي فيما بعد يعقوب، والآخر يحيى، وهو ابن غلام له فخوّلهما جميع ما يملك.
وأقول: ما أظن أن أحدا نال من العلم، وبلغ منه ما بلغ تاج الدين، فإني رأيت الملك المعظم ابن الملك العادل، وهو صاحب الشام، والمتملك عليها، وهو يقصد منزله راجلا ليقرأ عليه النحو، ولا يكلّفه مشقة المجيء إلى خدمته. ورأيت على بابه من المماليك الأتراك وغيرهم ما لا يكون إلا على باب ملك، ومن الآدر والبساتين ما لا يحصى.
وكان الكندي يكثر الجلوس في دكان رجل عطّار يتطّبب، فجاءته امرأة تستوصفه شيئا فطلبت منه حاجة فأعطاها، وأخرى وأخرى إلى أن ضجر، فقال لها في كلام دار بينهما: يا امرأة، أخذتي والله مخّي، فقال الكندي مسرعا: لا تلمها، فإنها محتاجة إليه تريد تطعمه لزوجها (جعله حمارا).
ومدح الشيخ أبا اليمن شجاع بن الدهان البغدادي، فقال:
يا زيد زادك ربّي من مواهبهنعماء يقصر عن إدراكها الأمل
لا غيّر الله حالا قد حباك بهاما دار بين النحاة الحال والبدل
النحو أنت أحقّ العالمين بهلأن باسمك فيه يضرب المثل
ومن شعر تاج الدين:
لامني في اختصار كتبي حبيبفرّقت بينه الليالي وبيني
كيف لي لو أطلت لكنّ عذريفيه أنّ المداد إنسان عيني
وكتب إلى القاضي محيي الدين ابن الشهرزوري من أبيات:
إني علقت بمحيي الدين معتضدافعاد تقبيح دهري وهو إحسان
وكم رأيت لغيري غيره عضدالكن أولئك مرعى وهو سعدان
ووجدت له مقطعات كثيرة من الشعر، إلا أنه كان في باقي الفضائل أطول يدا من الشعر؛ وفيه يقول علم الدين السخاوي:
لم يكن في عصر عمرو مثلهوكذا الكنديّ في آخر عصر
فهما زيد وعمرو إنمابني النحو على زيد وعمرو
-
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع