من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
سلم بن عمرو بن حماد مولى بني تيم بن مرة
شاعر مطبوع من شعراء الدولة العباسية، كان منقطعا إلى البرامكة، وكان يلقب بالخاسر لأن أباه خلّف له مالا فأنفقه على الأدب، فقال له بعض أهله: إنك لخاسر الصفقة فلقّب بذلك؛ ثم مدح الرشيد فأمر له بمائة ألف درهم وقال له: كذّب بهذا المال من لقّبك بالخاسر، فجاءهم بها وقال: هذا ما أنفقته على الأدب ثم ربحت الأدب فأنا سلم الرابح لا سلم الخاسر.
وقيل في تلقيبه بهذا غير ما ذكر.
وكان سلم تلميذا لبشار بن برد وصديقا لأبي العتاهية، فلما قال بشار قصيدته التي يقول فيها:
من راقب الناس لم يظفر بحاجتهوفاز بالطيّبات الفاتك اللهج
فقال سلم أبياتا أدخل فيها معنى هذا البيت فقال:
من راقب الناس مات غمّاوفاز باللذة الجسور
فبلغ بيته بشارا فغضب وقال: سار والله بيت سلم وخمل بيتنا، وكان الأمر كذلك، لهج الناس ببيت سلم ولم ينشد بيت بشار أحد، فكان ذلك سببا للنفور بينهما، فكان سلم بعد ذلك يقدّم أبا العتاهية ويقول: هو أشعر الجنّ والانس، إلى أن قال أبو العتاهية يخاطب سلما:
تعالى الله يا سلم بن عمروأذلّ الحرص أعناق الرجال
هب الدنيا تصير إليك عفواأليس مصير ذلك للزوال
فلما بلغ ذلك سلما غضب على أبي العتاهية وقال: ويلي على الجرّار بن الفاعلة الزنديق، زعم أني حريص وقد كنز البدر وهو لا يزال يطلب وأنا في ثوبيّ هذين لا أملك غيرهما، ثم كتب إليه:
ما أقبح التزهيد من واعظيزهّد الناس ولا يزهد
لو كان في تزهيده صادقاأضحى وأمسى بيته المسجد
ورفض الدنيا ولم يلقهاولم يكن يسعى ويسترفد
يخاف أن تنفد أرزاقهوالرزق عند الله لا ينفد
الرزق مقسوم على من ترىيناله الأبيض والأسود
كلّ يوفّى رزقه كاملامن كفّ عن جهد ومن يجهد
وذكر من اقتدار سلم الخاسر على الشعر أنه اخترع شعرا على حرف واحد ولم يسبق إلى مثل ذلك لأن أقل شعر العرب على حرفين نحو قول دريد بن الصمة:
يا ليتني فيها جذعأخبّ فيها وأضع
فقال سلم الخاسر لأمير المؤمنين موسى الهادي شعرا على ضرب واحد منه:
موسى المطرغيث بكر
ثم انهمرلمّا اغتفر
ثم غفرلما قدر
ثم اقتصرعدل السّير
باقي الأثرخير البشر
فرع مضربدر بدر
لمن نظرهو الوزر
لمن حضروالمفتخر
ولما بويع الهادي بالخلافة وهو بجرجان دخل عليه سلم الخاسر وأنشده:
لما أتت خير بني هاشمخلافة الله بجرجان
شمّر للحزم سرابيلهبرأي لا غمر ولا وان
لم يدخل الشورى على رأيهوالحزم لا يمضيه رأيان
وقال لهارون الرشيد حين ولي الخلافة:
بهارون قرّ الملك في مستقرّهوأشرقت الدنيا وأينع نورها
وليس لأيام المكارم غايةتتمّ بها إلا وأنت أميرها
وقال في يحيى بن خالد بن برمك:
وفتى خلا من مالهومن المروءة غير خال
وإذا وأى لك موعداكان الفعال مع المقال
لله درّك من فتىما فيك من كرم الخلال
أعطاك قبل سؤالهفكفاك مكروه السؤال
ولسلم شعر كثير أجاد في أكثره، وتوفي في خلافة الرشيد سنة ست وثمانين ومائة.
-
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع