تجاوز إلى المحتوى

من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)

عمر بن عثمان بن الحسين بن شعيب الجنزي

أبو حفص، من أهل ثغر جنزة:

ذكره عبد الكريم السمعاني فقال: هو أحد أئمة الأدب، وله باع طويل في الشعر والنحو، ورد بغداد وأقام بها مدة، وصحب الأئمة واقتبس منهم، وأكثر ما قرأ الأدب على أبي المظفر الأبيوردي، ثم رجع إلى بلده وعاد ثانيا إلى بغداد وذاكر الفضلاء بها وبالبصرة وخوزستان، وبرع في العلم حتى صار علّامة زمانه، وأوحد عصره وأوانه، وكان غزير الفضل وافر العقل حسن السيرة كثير العبادة متوددا سخي النفس، صنف التصانيف وجمع الجموع، وشرع في إملاء تفسير لو تم لم يوجد مثله. سمع بهمذان عبد الرحمن الدوني، كتبت عنه بمرو، وأنشدني لنفسه:

أحادي عيسي إن بلغت مقاميفبلّغ صحابي لا عدمت سلامي
وخبرهم عما أعاني من الجوىومن لوعتي في هجرهم وسقامي
وقل لهم إني متى ما ذكرتكمغصصت لذكراكم بكلّ طعام
وان دموعي كلّما لاح كوكبترقرق في خدّي كصوب غمام
وإن هبّ من أرض الحبيب نسيمةتقلقل أحشائي وهاج غرامي
وان غرّدت وهنا حمامة أيكةأجبت بنوحي لحن كلّ حمام

وله:

قالت وخطتك شيبة كالعينكم تذرف عيناك ذروف العين
قد قلت لها أيا سواد العينيزداد من الثلوج ماء العين

العين الأولى الطليعة.

ومات الجنزي في رابع عشر ربيع الآخر سنة خمسين وخمسمائة بمرو وقد جاوز السبعين.

وذكره أبو الحسن ابن أبي القاسم البيهقي في «كتاب الوشاح» فقال: هو إمام في النحو والأدب لا يشق فيهما غباره، ومع ذلك فقد تحلّى بالورع ونزاهة النفس، لكن الزمان عانده وما بسط في أسباب معاشه يده، جاس خلال الديار وقال: أدركت زمان الأشجّ، ورأيت مصلّاه في طنجة المغرب إلا أني لم أمكث حتى أراه. وأدّب بنيسابور أولاد الوزير فخر الملك، ثم ارتحل من نيسابور في شهور سنة خمس وأربعين وخمسمائة، ثم لم يعد إليها، وقضى نحبه بعد انتقاله من نيسابور بأيام قلائل، وأنشد له قصيدة واحدة في مدح الإمام محمد بن حمويه منها:

ألم تذكرا ربعا بعسفان عامراوبيضا يودّعن الأحبة خرّدا
يشعّثن بالعنّاب ضغث بنفسجويضربن بالأسروع خدّا موردا
كأن النوى لم تلق غير جوانحيومقلتي العبرى مرادا وموردا
وتذري على الورد الجمان بنرجسحمته بنان تترك الصبّ مقصدا
وشابهتها إذ أعرضت في ثلاثةتزيد لها حسنا وتورثنا الردى
حكى خدّها دمعي وقلبي قلبهاوحاجبها قدّي لما قد تأودا
وإن بخلت عيني وضنّت بمائهاإذا جاد قلبي بالدماء وأنجدا
وأبدع منه أنّ حرّ أضالعيولوعاتها تغلي الشراب المبردا
وتصعد من صدري رياح بواردإذا أنا أذكرت اللوى متنهدا

قرأت بخط أبي سعد: أنشدنا أبو حفص عمر بن عثمان الجنزي لنفسه يعزي الكمال المستوفي بزوجته:

إذا جلّ قدر المرء جل مصابوكلّ جليل بالجليل يصاب
يروح الفتى في غفلة عن مآلهويشغله عنه هوى وشباب
ولم يتفكر أنّ من عاش ميتوأن الذي فوق التراب تراب
وان ثراء يقتنيه مشتّتوأنّ بناء يبتنيه خراب
ونعمة ذي الدنيا بلاء ومحنةوماذيّها سمّ يضرّ وصاب
وفرحتها عند الأكايس ترحةوسلسالها للأولياء سراب
فلا يخدعنّ المرء نعمى حلالهاحساب عليه والحرام عقاب
وللدهر مستوف عليهم مناقشله مع أهل الخافقين خطاب
على كلّ نفس مشرفان لربهغدا لهما فيما أتته كتاب

وهي طويلة.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجم الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.