تجاوز إلى المحتوى

من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)

عيسى بن يزيد بن دأب الليثي

هو عيسى بن يزيد بن بكر بن كرز بن الحارث بن عبد الله بن أحمد بن يعمر الشداخ بن عوف بن كعب بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر، وفي نسبه اختلاف هذا أظهره، أبو الوليد، الراوية النسّاب من أهل الحجاز، وكان يضعّف في روايته، مات في سنة احدى وسبعين ومائة في أول خلافة الرشيد.

وحدث المرزباني قال، قال عبد الله بن جعفر: كان عيسى بن يزيد بن دأب يكنى أبا الوليد، وكان من رواة الأخبار والأشعار وحفاظهم، وكان معلما من علماء الحجاز.

وحدث فيما رفعه إلى رفيع بن سلمة عن أبي عبيدة قال: أنشد ابن دأب:

وهم من ولدوا أشبوابسرّ الأدب المحض

فبلغ ذلك أبا عمرو بن العلاء فقال: أخطأت استه الحفرة، إنما هو أشبؤوا أي كفوا، أما سمع قول الشاعر:

وذو الرمحين أشباكمن القوة والحزم

فبلغه عن ابن دأب شيء فقال: على نفسها تجني براقش، أما سمعتم قول الليثي:

ألا من مبلغ دأب بن كرزأبا الخنساء ذائدة الظليم
فلا تفخر بأحمر واطّرحهفما يخفى الأغرّ من البهيم
فعند الله سرّ من أبيهكراع زيد في عرض الأديم

وحدث فيما رفعه إلى جابر بن الصلت البرقي قال: وعد المهدي ابن دأب جارية فوهبها له، فأنشد عبد الله بن مصعب الزبيري قول مضرّس الأسدي:

فلا تيأسن من صالح أن تنالهوإن كان قدما بين أيد تبادره

فضحك المهدي وقال: ادفعوا إلى عبد الله فلانة لجارية أخرى، فقال عبد الله بن مصعب:

أنجز خير الناس قبل وعدهأراح من مطل وطول كدّه
للشاعر عبد الله بن مصعب، اقرأ القصيدة

فقال ابن دأب: ما قلت شيئا، هلا قلت:

حلاوة الفضل بوعد منجزلا خير في العرف كنهب منهز

فضحك المهدي وقال: أحسن الوفاء ما تقدمه ضمان.

وحدث عن سعيد بن سلم قال: ما شيء أجلّ من العلم، كان ابن دأب أحفظ الناس للأنساب والأخبار، وكان تيّاها، فكان ينادم الهادي ولا يتغدّى معه ولا

بين يديه فقيل له في ذلك فقال: أنا لا أتغدى في مكان لا أغسل يدي فيه، فقال له الهادي: فتغد، فكان الناس إذا تغدوا تنحّوا لغسل أيديهم وابن دأب يغسل يده بحضرة الهادي.

وحدث المرزباني عن الحسين بن علي عن أحمد بن سعيد عن الزبير بن بكار عن عمه مصعب عن موسى بن صالح قال: كان عيسى بن دأب كثير الأدب عذب الألفاظ، وكان قد حظي عند الهادي حظوة لم تكن لأحد، وكان يدعو له بتكاء، ولم يكن يطمع أحد من الخلق في هذا في مجلسه ولا يفعل بغيره، وكان يقول له: ما استطلت بك يوما ولا ليلة، ولا غبت عن عيني إلا تمنيت ألّا ترى غيرك. وكان لذيذ المفاكهة طيّب المسامرة، كثير النادرة، جيد الشعر، حسن الانتزاع له، قال: فأمر له ليلة بثلاثين ألف دينار، فلما أصبح ابن دأب وجّه قهرمانه إلى باب موسى الهادي وقال له: انطلق إلى باب الحاجب فقل له: توجّه إلينا بالمال، فانطلق فأبلغ الحاجب رسالته، فتبسم وقال: ليس هذا إليّ، فانطلق إلى صاحب التوقيع ليخرج لك كتابا إلى الديوان فتديره هناك ثم تفعل به كذا وتفعل به كذا، فرجع الرسول إلى ابن دأب فأخبره، فقال: دعها فلا تعرض لها ولا تسأل عنها، قال: فبينما موسى في مستشرف له إذ نظر إلى ابن دأب قد أقبل وليس معه إلا غلام واحد، فقال لابراهيم بن ذكوان الحراني (وإليه ينسب طاق الحراني ببغداد بالكرخ): أما ترى ابن دأب ما غيّر من حاله ولا تزيّا لنا، وقد بررناه بالأمس ليرى عليه أثرنا، فقال إبراهيم: إن أذن لي أمير المؤمنين عرّضت له بشيء من هذا، فقال: لا هو أعلم بأمره، ودخل ابن دأب فأخذ في حديثه إلى أن عرّض له الهادي بشيء من أمره فقال: أرى في ثوبك غسيلا وهذا الشتاء محتاج فيه إلى لبس الجديد واللين، فقال: يا أمير المؤمنين باعي قصير عمّا أحتاج إليه، فقال: وكيف ذاك وقد صرفنا إليك من برنا ما ظننا صلاح شأنك معه؟! فقال: ما وصل إليّ ولا قبضت منه شيئا، فدعا بصاحب بيت المال فقال له: عجل الآن بثلاثين ألف دينار، فحملت بين يديه.

وحدث بإسناد رفعه إلى أبي زهير قال: كان ابن دأب أحظى الناس عند

الهادي، فخرج الفضل بن الربيع يوما فقال: إنّ أمير المؤمنين يأمر من ببابه بالانصراف، فأما أنت يا ابن دأب فادخل، قال ابن دأب: فدخلت وهو منبطح على فراشه وأن عينيه لحمراوان من السهر وشرب الليل فقال لي: حدثني بحديث من حديث الشراب، فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، خرج نفر من كنانة إلى الشام يجلبون الخمر فمات أحدهم فجلسوا على قبره يشربون، فقال أحدهم:

لا تصرّد هامة من شربهااسقه الخمر وإن كان قبر
اسق أوصالا وهاما وصدىناشعا ينشع نشع المنبهر
كان حرّا فهوى فيمن هوىكلّ عود ذي هنون منكسر

قال: فدعا بدواة فكتبها، ثم كتب إلى الخزان بأربعين ألف درهم وقال: عشرة آلاف لك وثلاثون ألفا للثلاثة الأبيات، قال: فأتيت الخزّان فقالوا: صالحنا على عشرة آلاف أنك تحلف لنا ألا تذكرها لأمير المؤمنين، فحلفت ألا أذكرها حتى يبدأني، فمات ولم يذكرها.

وحدث قال: دخل ابن دأب على عيسى بن موسى عند منصرفه من فخّ فوجده واجما يلتمس عذرا لمن قتل، فقال له: أصلح الله الأمير، أنشدك شعرا كتب به يزيد بن معاوية يعتذر فيه إلى أهل المدينة من قتل الحسين بن علي ﵉؟

قال: أنشدني فأنشده:

يا أيها الراكب الغادي لطيّتهعلى عذافرة في سيرها قحم
أبلغ قريشا على شحط المزار بهابيني وبين حسين الله والرّحم
وموقف بفناء البيت أنشدهعهد الإله وما ترعى به الذمم
عنّفتم قومكم فخرا بأمكمأمّ حصان لعمري برّة كرم
هي التي لا يداني فضلها أحدبنت الرسول وخير الناس قد علموا
وفضلها لكم فضل وغركممن قومكم لهم في فضلها قسم
إني لأعلم أو ظنا كعالمهوالظنّ يصدق أحيانا فينتظم
أن سوف يترككم ما تطلبون بهقتلى تهاداكم العقبان والرّخم
يا قومنا لا تشهوا القوم إذ خمدتومسّكوا بحبال السلم واعتصموا
قد جرّت الحرب من قد كان قبلكممن القرون وقد بادت بها الأمم
فأنصفوا قومكم لا تهلكوا بذخافربّ ذي بذخ زلّت به القدم

قال: فسري عن عيسى بعض ما كان فيه.

قال ابن مناذر يهجو ابن دأب:

ومن يبغ الوصاة فإنّ عنديوصاة للكهول وللشباب
خذوا عن مالك وعن ابن عونولا ترووا أحاديث ابن داب
ترى الغاوين يتبعون منهاملاهي من أحاديث كذاب
إذا طلبت منافعها اضمحلّتكما ينجاب رقراق السراب

وحدث عن عمر بن أبي عبيدة النميري عن خاله ابن أبي شميلة قال: كان خلف الأحمر ينسب ابن دأب إلى الكذب، قال: فغدوت يوما أنا وخلف على ابن دأب، فأخذ في حديث ذي الخلصة حتى انقضى، فلما انصرفنا قلت لخلف: يا أبا محرز أتراه كذب؟ قال: لا أدري، والله لا أعرف مما حدث به قليلا ولا كثيرا.

قال عمر: ولخلف الأحمر في أبي العيناء محمد بن عبيد الله:

لنا صاحب مولع بالمراءكثير الخطاء قليل الصواب
أشدّ لجاجا من الخنفساءوأزهى إذا ما مشى من غراب
للشاعر خلف الأحمر، اقرأ القصيدة
وليس من العلم في فقرةإذا حصل العلم غير التراب
أحاديث ألفها شوكروأخرى مؤلفة لابن داب

قال المرزباني: وقوم يروون في هذه الأبيات زيادة، وأبيات خلف هي هذه،

والزيادة عليها فيما ذكر المقدّمي والكراني لأبان بن عبد الحميد اللاحقي. وروى عبد الله بن المعتز عن عمر بن شبة قال: شوكر شاعر بالبصرة يضع الأخبار والأشعار.

وحدث الرياشي قال، قال الأصمعي، قلت لخلف الأحمر: أما ترى ما جاء به ابن دأب؟ أين الحجاز والشوكري من الكوفة؟ فقال: إنما يروي لهؤلاء من يقول:

قالت ستي، ويدعو ربه من دفتر، ويسبح بالحصى، ويحلف محيت المصحف، ويدع حدثنا وأخبرنا، ويقول أكلنا وشربنا.

وزعم العنزي أنّ ابن دأب كان يتشيع ويضع أخبارا لبني هاشم، وكان عوانة بن الحكم عثمانيا ويضع أخبارا لبني أمية.

وحدث مصعب بن عبد الله الزبيري قال: شيطان الردهة شيء وضعه ابن دأب، وهو ذو الثدية فيما زعم، قال: جاءت أمه تستسقي ماء فوقع بها شيطان فحملته وحدث المرزباني فيما رفعه إلى مصعب الزبيري عن أبيه قال: كنا جماعة نجالس الهادي، أنا وسعيد بن سلم الباهلي وابن دأب وعبد الله بن مسلم العزيزي وكان أجرأنا عليه، فخرج علينا مغيظا متغيرا، فسأله العزيزي عن خبره فقال: لم أر كصاحب الدنيا أكثر آفات ولا أدوم هموما، قد عرفتم موضع لبانة بنت جعفر بن أبي جعفر مني وأثرتها عندي، وإنها أغلظت لي بادلالها في شيء فلم أجد صبرا فنلتها بيدي فندمت عليه، فسكتنا خوفا من تعنيفه أو تصويب رأيه فيبلغها ذلك، فقال ابن دأب: وما في ذلك يا أمير المؤمنين؟ هذا الزبير بن العوام حواريّ رسول الله ﷺ وابن عمته ضرب امرأته أسماء بنت أبي بكر الصديق، وهي من أفضل نساء زمانها حتى كسر يدها، وكان ذلك سبب مفارقته إياها لأنه قال: أنت طالق إن حال عبد الله بيني وبينك، يعني ابنه عبد الله بن الزبير، فلم يخلّه وخلصها، وهذا عمر ﵁ يقول: لا يسأل الرجل فيم يضرب امرأته، وهذا كعب بن مالك الأنصاري وهو أخو الزبير، آخى رسول الله ﷺ بينهما، عتب على امرأته، وهي من المهاجرات في شيء فضربها حتى حال بنوها بينهما فقال:

لولا بنوها حولها لخبطتهاإلى أن تداني الموت غير مذمّم
ولكنهم حالوا بمنعي دونهافلا تعدميهم بين ناه ومقسم
فمالت وفيها جائش من عبيطهاكحاشية البرد اليماني المسهم

قال: فضحك الهادي وسرّي عنه، وأمر بالطعام، وأمر لابن دأب بخمسين ألف درهم وخمسين ثوبا، قال عبد الله بن مصعب: فتأسفت كيف سبقني إلى شيء أحفظه مثل حفظه.

وحدث أبو الطيب اللغوي في كتاب «مراتب النحويين» قال: فأما مدينة الرسول ﷺ فلا نعلم بها إماما في العربية؛ حدث الأصمعي قال: أقمت بالمدينة زمانا مع جعفر بن سليمان الهاشمي واليها فما رأيت بالمدينة قصيدة واحدة صحيحة إلا مصحفة أو مصنوعة، وكان ابن دأب يضع الشعر وأحاديث السمر وكلاما ينسبه إلى العرب، فسقط وذهب علمه وخفيت روايته، قال: وكان شاعرا وعلمه بالأخبار أكثر، قال الأصمعي: وأتعجب لابن دأب حين يزعم أن أعشى همدان يقول:

من رأى لي غزيّليأربح الله تجارته
وخضاب بكفّهأسود اللون قارته
للشاعر أعشى همدان، اقرأ القصيدة

ثم قال الأصمعي: يا سبحان الله، يحذف الألف التي قبل الهاء في الله، ويسكن الهاء، ويرفع تجارته وهو منصوب، ويجوز هذا عنه، ويروي الناس عن مثله!! قال: ولقد سمعت خلفا الأحمر يقول: لقد طمع ابن دأب في الخلافة حين يجوز مثل هذا عنه.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجم الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.