من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
عوف بن محلم الخزاعي أبو المنهال
أحد العلماء الأدباء، والرواة الفهماء، والندامى الظرفاء، والشعراء الفصحاء. وكان صاحب أخبار ونوادر، وله معرفة بأيام الناس. وكان طاهر بن الحسين بن مصعب قد اختصه لمنادمته، واختاره لمسامرته، وكان لا يخرج في سفر إلا أخرجه معه، وجعله زميله وأنيسه وعديله، وكان يعجب به.
قال محمد بن داود: ويقال إن سبب اتصاله بطاهر أنه نادى على الجسر بهذه الأبيات في أيام الفتنة ببغداد، وطاهر ينحدر في حراقة في دجلة، فسمعها منه فأدخله وأنشده إياها وهي:
عجبت لحرّاقة ابن الحسين كيف تعوم ولا تغرق
وبحران من تحتها واحدوآخر من فوقها مطبق
وأعجب من ذاك عيدانهاوقد مسّها كيف لا تورق
وأصله من حران، فبقى مع طاهر ثلاثين سنة لا يفارقه، وكان يستأذنه في الانصراف إلى أهله ووطنه فلا يأذن له ولا يسمح به، فلما مات طاهر ظن أنه قد تخلص وأنه يلحق به ويرجع إلى وطنه، فقرّبه عبد الله بن طاهر من نفسه وأنزله منزلته من أبيه، وكان عبد الله أديبا فاضلا عالما بأخبار الناس، فلما وقف على أدب عوف وفضله تمسك به وأفضل عليه حتى كثر ماله وحسن حاله، وتلطف بجهده أن يأذن له عبد الله في العود إلى وطنه فلم يكن إلى ذلك سبيل، وحفزه الشوق إلى أهله وأهمه أمرهم، فاتفق ان خرج عبد الله من بغداد يريد خراسان، فصيّر عوفا عديله يستمتع
بمسامرته ويرتاح إلى محادثته إلى أن دنا من الري، فلما شارفها سمع صوت عندليب يغرّد بأحسن تغريد وأشجى صوت، فأعجب عبد الله بصوته والتفت إلى عوف بن محلم فقال له: يا ابن محلم هل سمعت قطّ أشجى من هذا الصوت وأطرب منه؟
فقال: لا والله أيها الأمير وإنه لحسن الصوت شجيّ النغمة مطرب التغريد، فقال عبد الله: قاتل الله أبا كبير حيث يقول:
ألا يا حمام الأيك إلفك حاضروغصنك ميّاد ففيم تنوح
أفق لا تنح من غير شيء فإننيبكيت زمانا والفؤاد صحيح
ولوعا فشطت غربة دار زينبفها أنا أبكي والفؤاد قريح
فقال عوف: أحسن والله أبو كبير وأجاد، ثم قال: أصلح الله الأمير إنه كان في الهذليين مائة وثلاثون شاعرا ما فيهم إلا مفلق، وما كان فيهم مثل أبي كبير، فإنه كان يبدع في شعره ويفهم آخر قوله أوله، وما شيء أبلغ في الشعر من الابداع فيه، قال عبد الله: أقسمت عليك إلا أجزت شعر أبي كبير، قال عوف: أصلح الله الأمير قد كبر سني وفني ذهني وأنكرت كل ما كنت أعرفه، قال عبد الله: سألتك بحقّ طاهر إلا فعلت، وكان لا يسأل بحقّ طاهر شيئا إلا ابتدر إليه لما كان يوجبه له، فلما سمع عوف ذلك أنشأ يقول:
أفي كلّ عام غربة ونزوحأما للنوى من ونية فتريح
لقد طلّح البين المشتّ ركائبيفهل أرينّ البين وهو طليح
وأرقني بالريّ نوح حمامةفنحت وذو البثّ الغريب ينوح
على أنها ناحت ولم تذر دمعةونحت وأسراب الدموع سفوح
وناحت وفرخاها بحيث تراهماومن دون أفراخي مهامه فيح
ألا يا حمام الأيك إلفك حاضروغصنك ميّاد ففيم تنوح
عسى جود عبد الله أن يعكس النوىفتلقى عصا التطواف وهي طريح
فإن الغنى يدني الفتى من صديقهوعدم الغنى بالمقترين طروح
قال: فاستعبر عبد الله ورقّ له وجرت دموعه وقال له: والله إني لضنين بمفارقتك شحيح على الفائت من محاضرتك، ولكن والله لا أعملت معي خفّا ولا حافرا إلا راجعا إلى أهلك، ثم أمر له بثلاثين ألف درهم، فقال يمدح عبد الله وأباه:
يا ابن الذي دان له المشرقانوألبس الأمن به المغربان
إنّ الثمانين وبلّغتهاقد أحوجت سمعي إلى ترجمان
وأبدلتني بالشّطاط انحناوكنت كالصّعدة تحت السنان
وعوّضتني من زماع الفتىوهمتي همّ الهجان الهدان
وقاربت منّي خطى لم تكنمقاربات وثنت من عنان
وأنشأت بيني وبين الورىعنانة من غير نسج العنان
ولم تدع فيّ لمستمتعإلا لساني وبحسبي لسان
أدعو به الله وأثني بهعلى الأمير المصعبيّ الهجان
وهمت بالأوطان وجدا بهاوبالغواني أين مني الغوان
فقرّباني بأبي أنتمامن وطني قبل اصفرار البنان
وقبل منعاي إلى نسوةأوطانها حرّان والرّقّتان
سقى قصور الشاذياخ الحيامن بعد عهدي وقصور الميان
فكم وكم من دعوة لي بهاأن تتخطاها صروف الزمان
وهذه قصور بخراسان بناحية نيسابور لآل طاهر.
ثم ودع عبد الله وسار راجعا إلى أهله فمات قبل أن يصل إليهم.
وقد روي في خبر هذه الأبيات أن عوف بن محلم دخل على عبد الله بن طاهر فسلّم عبد الله عليه فلم يسمع، فأعلم بذلك، فزعموا أنه أنحل هذه القصيدة.
وكان قد ورد على عبد الله بن طاهر شاعر يقال له روح، وعرض على عوف شعره فمنعه من إنشاده عبد الله، وقال: إن عبد الله رجل عالم فاضل لا ينفق عليه من الشعر إلا أحسنه، فقال له: قد حسدتني، وتوصّل حتى أنشده عبد الله فاسترذله
واستبرده وردّه، فبلغ ذلك عوفا فقال:
أنشدني روح مديحا لهفقلت شعرا قال لي فايش
فصرت لما أن بدا منشداكأنني في قبّة الخيش
وقلت زدني وتفهمتهوالثلج في الصيف من العيش
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع