تجاوز إلى المحتوى

من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)

عمرو بن بحر بن محبوب (٢)

عمرو بن عثمان بن قنبر أبو بشر: ويقال أبو الحسن، وأبو بشر أشهر، مولى بني الحارث بن كعب ثم مولى آل الربيع بن زياد الحارثي. وسيبويه لقب ومعناه رائحة التفاح، يقال كانت أمه ترقّصه بذلك في صغره، ورأيت ابن خالويه قد اشتق له غير ذلك فقال: كان سيبويه لا يزال من يلقاه يشمّ منه رائحة الطيب فسمي سيبويه، ومعنى سي ثلاثون وبوي الرائحة، فكأنه رأى ثلاثين رائحة طيب، ولم أر أحدا قال ذلك غير

ابن خالويه. وأصله من البيضاء من أرض فارس ومنشأه البصرة. مات فيما ذكره ابن قانع بالبصرة سنة احدى وستين ومائة وقال المرزباني: مات بشيراز سنة ثمانين ومائة، وذكر الخطيب أن عمره كان اثنتين وثلاثين سنة، ويقال إنه نيف على الأربعين سنة، وهو الصحيح، لأنه قد روى عن عيسى بن عمر، وعيسى بن عمر مات سنة تسع وأربعين ومائة، فمن وفاة عيسى إلى وفاة سيبويه إحدى وثلاثون سنة، وما يكون قد أخذ عنه إلا وهو يعقل، ولا يعقل حتى يكون بالغا، والله أعلم.

وقال أحمد بن يحيى ثعلب في «أماليه»: قدم سيبويه العراق في أيام الرشيد وهو ابن نيف وثلاثين سنة، وتوفي وعمره نيف وأربعون سنة بفارس. قال الأصمعي:

قرأت على قبر سيبويه بشيراز هذه الأبيات، وهي لسليمان بن يزيد العدوي:

ذهب الأحبة بعد طول تزاورونأى المزار فأسلموك وأقشعوا
تركوك أوحش ما تكون بقفرةلم يؤنسوك وكربة لم يدفعوا
قضي القضاء وصرت صاحب حفرةعنك الأحبة أعرضوا وتصدّعوا

وأخذ سيبويه النحو والأدب عن الخليل بن أحمد ويونس بن حبيب وأبي الخطاب الأخفش وعيسى بن عمر.

نقلت من خط أبي سعد السمعاني مما انتخبه من «طبقات أهل فارس وشيراز» تأليف الحافظ أبي عبد الله محمد بن عبد العزيز الشيرازي القصّار: بشير بن سعيد، وقيل عمرو بن عثمان بن قنبر، يكنى أبا بشر سيبويه النحوي عن الخليل بن أحمد، وهو من الحارث بن كعب، مات وكان على مظالم فارس، وقبره في شيراز، لم يزد في ترجمته على هذا. وورد بغداد وناظر بها الكسائي وتعصبوا عليه وجعلوا للعرب جعلا حتى وافقوه على خلافه، ولذلك قصة ذكرت فيما بعد.

وكان سبب طلب سيبويه النحو ما ذكرناه في أخبار حماد بن سلمة. وحدث أبو عبيدة قال: لما مات سيبويه قيل ليونس بن حبيب إن سيبويه قد ألّف كتابا في ألف ورقة من علم الخليل، قال يونس: ومتى سمع سيبويه هذا كلّه من الخليل؟ جيئوني

بكتابه، فلما نظر فيه رأى كلّ ما حكى، فقال: يجب أن يكون هذا الرجل قد صدق عن الخليل في جميع ما حكاه كما صدق فيما حكاه عني.

وذكر صاعد بن أحمد الجياني من أهل الأندلس في كتابه قال: لا أعرف كتابا ألف في علم من العلوم قديمها وحديثها فاشتمل على جميع ذلك العلم وأحاط بأجزاء ذلك الفن غير ثلاثة كتب: أحدها المجسطي لبطلميوس في علم هيئة الأفلاك، والثاني كتاب ارسطا طاليس في علم المنطق، والثالث كتاب سيبويه البصري النحوي، فإن كلّ واحد من هذه [الكتب الثلاثة] لم يشذّ عنه من أصول فنه شيء إلا ما لا خطر له.

وكان إذا أراد إنسان قراءة كتاب سيبويه على المبرد يقول له: أركبت البحر، تعظيما واستصعابا.

وحدث محمد بن سلام قال: كان سيبويه جالسا في حلقته بالبصرة، فتذاكرنا شيئا من حديث قتادة، فذكر حديثا غريبا وقال: لم يرو هذا إلا سعيد بن أبي العروبة، فقال بعض ولد جعفر بن سليمان: ما هاتان الزائدتان يا أبا بشر؟ فقال: هكذا يقال لأن العروبة هي الجمعة، ومن قال ابن عروبة فقد أخطأ، قال ابن سلام: فذكرت ذلك ليونس فقال: أصاب لله دره.

وحدث ابن النطاح قال: كنت عند الخليل بن أحمد فأقبل سيبويه فقال الخليل: مرحبا بزائر لا يمل قال [أبو عمر المخزومي] وكان كثير المجالسة للخليل: وما سمعت الخليل يقولها لغيره. قال: وكان شابا جميلا نظيفا.

وحدث أحمد بن معاوية بن بكر العليمي قال: ذكر سيبويه عند أبي فقال:

عمرو بن عثمان، قد رأيته، وكان حدث السن، كنت أسمع في ذلك العصر أنه أثبت من حمل عن الخليل، وقد سمعته يتكلم ويناظر في النحو، وكانت في لسانه حبسة، ونظرت في كتابه فرأيت علمه أبلغ من لسانه.

وحدث أبو الحسن سعيد بن مسعدة والمبرد وثعلب وجمعت بين أقاويلهم وحذفت التكرار قالوا: قدم سيبويه إلى العراق على يحيى بن خالد البرمكي فسأله عن خبره فقال: جئت لتجمع بيني وبين الكسائي فقال: لا تفعل فإنه شيخ مدينة السلام وقارئها ومؤدب ولد أمير المؤمنين وكلّ من في المصر له ومعه، فأبى إلا أن يجمع بينهما، فعرف الرشيد خبره فأمره بالجمع بينهما، فوعده بيوم، فلما كان ذلك اليوم غدا سيبويه وحده إلى دار الرشيد فوجد الفراء والأحمر وهشام بن معاوية ومحمد بن سعدان قد سبقوه، فسأله الأحمر عن مائة مسألة، فما أجابه عنها بجواب إلا قال: أخطأت يا بصري، فوجم سيبويه وقال: هذا سوء أدب، ووافى الكسائي وقد شقّ أمره عليه، ومعه خلق كثير من العرب، فلما جلس قال له: يا بصري كيف تقول خرجت وإذا زيد قائم، قال: خرجت وإذا زيد قائم، قال: فيجوز أن تقول خرجت فاذا زيد قائما؟ قال: لا، قال الكسائي: فكيف تقول قد كنت أظنّ أن العقرب أشدّ لسعة من الزنبور فإذا هو هي أو فإذا هو إياها، فقال سيبويه: فإذا هو هي ولا يجوز النصب، فقال الكسائي: لحنت، وخطّأه الجميع. وقال الكسائي: العرب ترفع ذلك كله وتنصبه، ودفع سيبويه قوله، فقال يحيى بن خالد: قد اختلفتما وأنتما رئيسا بلديكما فمن يحكم بينكما؟ وهذا موضع مشكل، فقال الكسائي: هذه العرب ببابك قد جمعتهم من كل أوب، ووفدت عليك من كل صقع، وهم فصحاء الناس، وقد قنع بهم أهل المصرين، وسمع أهل الكوفة والبصرة منهم، فيحضرون ويسألون، فقال يحيى وجعفر: قد أنصفت، وأمر بإحضارهم، فدخلوا وفيهم أبو فقعس وأبو دثار وأبو ثروان فسئلوا عن المسائل التي جرت بينهما، فتابعوا الكسائي، فأقبل يحيى على سيبويه فقال: قد تسمع أيها الرجل، فانصرف المجلس على سيبويه، وأعطاه يحيى عشرة آلاف درهم وصرفه، فخرج وصرف وجهه تلقاء فارس وأقام هناك حتى مات غما بالذّرب، ولم يلبث إلا يسيرا ولم يعد إلى البصرة.

قال أبو الحسن علي بن سليمان الأخفش: وأصحاب سيبويه إلى هذه الغاية لا اختلاف بينهم أن الجواب كما قال سيبويه وهو: فإذا هو هي، أي فإذا هو مثلها،

وهذا موضع رفع وليس بموضع نصب. فإن قال قائل: فأنت تقول خرجت فإذا زيد قائم وقائما، فتنصب قائما، فلم لم يجز فإذا هو إياها لأن إيّا للمنصوب وهي للمرفوع، والجواب في هذا أن قائما انتصب على الحال وهو نكرة، وإيا مع ما بعدها مما أضيفت اليه معرفة، والحال لا تكون إلا نكرة فبطل إياها ولم يكن إلا هي وهو خبر الابتداء، وخبر الابتداء يكون معرفة ونكرة، والحال لا يكون إلا نكرة، فكيف تقع إياها وهي معرفة في موضع ما لا يكون إلا نكرة وهذا موضع الرفع؟ وقد قال أصحاب سيبويه: الأعراب الذين شهدوا للكسائي من أعراب الحطمة الذين كان الكسائي يقوم بهم ويأخذ عنهم.

ولما مرض سيبويه مرضه الذي مات فيه جعل يجود بنفسه ويقول:

يؤمل دنيا لتبقى لهفمات المؤمل قبل الأمل
حثيثا يروّي أصول النخيلفعاش الفسيل ومات الرجل

قالوا: ولما اعتلّ سيبويه وضع رأسه في حجر أخيه فبكى أخوه لما رآه لما به، فقطرت من عينه قطرة على وجه سيبويه، ففتح عينه فرآه يبكي فقال:

أخيين كنّا فرّق الدهر بينناإلى الأمد الأقصى ومن يأمن الدهرا

وحدث أبو الطيب اللغوي عن أبي عمر الزاهد قال، قال ثعلب يوما في مجلسه: مات الفراء وتحت رأسه كتاب سيبويه، فعارضه أبو موسى الحامض بما قد كتبناه في أخباره.

وحدث محمد بن عبد الملك التاريخي فيما رواه عن ثعلب عن محمد بن سلام قال: حدثني الأخفش أنه قرأ كتاب سيبويه على الكسائي في جمعة فوهب له

سبعين دينارا، قال: وكان الكسائي يقول لي: هذا الحرف لم أسمعه فاكتبه لي، فأفعل. قال: وكان الأخفش يؤدّب ولد الكسائي؛ قال التاريخي: فكأن الجاحظ سمع هذا الخبر فقال، مما يعدده من فخر أهل البصرة على أهل الكوفة: وهؤلاء يأتونكم بفلان وفلان وبسيبويه الذي اعتمدتم على كتبه وجحدتم فضله.

وحدث التاريخي أيضا وهارون بن محمد بن عبد الملك الزيات، قال هارون:

دخل الجاحظ على أبي وقد افتصد فقال له: أدام الله صحتك، ووصل غبطتك، ولا سلبك نعمتك، قال: ما أهديت لي يا أبا عثمان؟ قال: أطرف شيء، كتاب سيبويه بخط الكسائي وعرض الفراء.

وقال التاريخي، قال الجاحظ: أردت الخروج إلى محمد بن عبد الملك ففكرت في شيء أهديه له فلم أجد شيئا أشرف من كتاب سيبويه، وقلت له: أردت أن أهدي لك شيئا ففكرت فإذا كل شيء عندك، فلم أر أشرف من هذا الكتاب، وهذا كتاب اشتريته من ميراث الفراء، قال: والله ما أهديت إليّ شيئا أحبّ إليّ منه.

وحدث التاريخيّ عن المبرد عن الزراري أبي زيد قال: قال رجل لسماك بالبصرة: بكم هذه السمكة؟ قال: بدرهمان، فضحك الرجل، فقال السماك:

ويلك أنت أحمق، سمعت سيبويه يقول: ثمنها درهمان.

وحدث عن المبرد عن المازني عن الجرمي قال: في كتاب سيبويه ألف وخمسون بيتا سألت عنها فعرف ألف ولم تعرف خمسون.

وحدثت عن النظام أنه دخل على سيبويه في مرضه فقال له: كيف تجدك أبا بشر؟ قال: أجدني ترحل العافية عني بانتقال، وأجد الداء يخامرني بحلول، غير أني وجدت الراحة منذ البارحة. قلت: فما تشتهي؟ قال: أشتهي أن أشتهي؛ فلما كان من بعد ذلك اليوم دخلت إليه وأخوه يبكي وقد قطرت من دموعه على خده، فقلت: كيف تجدك؟ فقال:

يسرّ الفتى ما كان قدّم من تقىإذا عرف الداء الذي هو قاتله

قال النظام: ثم مات من يومه.

وحدث أبو حاتم السجستاني قال: دخلت على الأصمعي في مرضه الذي مات فيه فسألته عن خبره ثم قلت: كم سنة مضى من عمرك؟ فقال: لا أدري، ولكني أحدثك، كنت شابا مقتبلا فتزوجت فولد لي وولد لأولادي وأنا حي، ثم أنشد:

إذا الرجال ولدت أولادهاواضطربت من كبر أعضادها
للشاعر أيمن بن خريم الأسدي، اقرأ القصيدة
وجعلت أسقامها تعتادهافهي زروع قد دنا حصادها
للشاعر أيمن بن خريم الأسدي، اقرأ القصيدة

فقلت له: في نفسي شيء أريد أن أسألك عنه، قال: سل، فقلت: حدثني بما جرى بينك وبين سيبويه من المناظرة، فقال: والله لولا أني لا أرجو الحياة من مرضتي هذه ما حدثتك: إنه عرض عليّ شيء من الأبيات التي وضعها سيبويه في كتابه، ففسرتها على خلاف ما فسره، فبلغ ذلك سيبويه، فبلغني أنه قال: لا ناظرته إلا في المسجد الجامع، فصليت يوما في الجامع ثم خرجت فتلقاني في المسجد فقال لي: اجلس يا أبا سعيد، ما الذي أنكرت من بيت كذا وبيت كذا، ولم فسرت على خلاف ما يجب؟ فقلت له: ما فسرت إلا على ما يجب، والذي فسّرته أنت ووضعته خطأ، تسألني وأجيب. ورفعت صوتي فسمع العامة فصاحتي ونظروا إلى لكنته، فقالوا: غلب الأصمعيّ سيبويه، فسّرني ذلك فقال لي: إذا علمت أنت يا أصمعيّ ما نزل بك مني لم ألتفت إلى قول هؤلاء، ونفض يده في وجهي ومضى. ثم قال الأصمعي: يا بنيّ فو الله لقد نزل بي منه شيء وددت أني لم أتكلم في شيء من العلم.

وعن أبي عثمان المازني قال، حدثني الأخفش قال: حضرت مجلس الخليل، فجاءه سيبويه فسأله عن مسألة وفسّرها له الخليل فلم أفهم ما قالا، فقمت وجلست له في الطريق فقلت له: جعلني الله فداءك، سألت الخليل عن مسألة فلم أفهم ما ردّ عليك ففهمنيه، فأخبرني بها فلم تقع لي ولا فهمتها، فقلت له: لا تتوهم أني أسألك إعناتا فاني لم أفهمها ولم تقع لي، فقال لي: ويلك ومتى توهمت أنني أتوهم أنك تعنتني، ثم زجرني وتركني ومضى.

وحدث المازني قال، قال الأخفش: كنت عند يونس فقيل له: قد أقبل

سيبويه، فقال: أعوذ بالله منه. قال: فجاء فسأله فقال: كيف تقول مررت به المسكين؟ فقال جائز أن أجرّه على البدل من الهاء، قال فقال له: فمررت به المسكين على معنى المسكين مررت به، فقال: هذا خطأ لأنّ المضمر قبل الظاهر.

قال فقال له: إن الخليل أجاز ذلك وأنشد فيها أبياتا، فقال: هو خطأ، فغمّني ذلك، قال: فمررت به المسكين، فقال: جائز فقال: على أيّ شيء ينصب؟ فقال: على الحال، فقال سيبويه: أليس أنت أخبرتني أن الحال لا تكون بالألف واللام؟ فقال له: صدقت، ثم قال لسيبويه، فما قال صاحبك فيه، يعني الخليل؟ فقال سيبويه:

قال لي إنه ينصب على الترخيم، فقال: ما أحسن هذا، ورأيته مغموما بقوله نصبته على الحال.

عمرو بن مسعدة بن سعد بن صول بن صول الصولي، كنيته أبو الفضل، من جلة كتاب المأمون وأهل الفضل والبراعة والشعر منهم. وذكر الجهشياري أن مسعدة كان مولى خالد بن عبد الله القسري وأنه كان يكتب لخالد، وكان بليغا كاتبا مات في سنة أربع عشرة ومائتين، وقيل في سنة سبع في أيام المأمون، وكان مسعدة من كتاب خالد بن برمك ثم كتب بعده لأبي أيوب وزير المنصور على ديوان الرسائل.

قال الصولي، قال أحمد بن عبد الله: كان لمسعدة أربعة بنين: مجاشع وهو الذي يقول فيه أبو العتاهية:

علمت يا مجاشع بن مسعدهأن الشباب والفراغ والجده
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «الحمد لله على تقديره»

مفسدة للمرء أيّ مفسده

ومسعود وعمرو ومحمد، وقد ذكر أن المنصور قال يوما لكتابه: اكتبوا لي تعظيم الاسلام، قال: فبدر مسعدة فكتب: الحمد لله الذي عظم الاسلام واختاره،

وأوضحه وأناره، وأعزه وأنافه، وشرّفه وأكمله، وتممه وفضله، وأعزه ورفعه، وجعله دينه الذي أحبه واجتباه، واستخلصه وارتضاه، واختاره واصطفاه، وجعله الدين الذي تعتدّ به ملائكته، وأرسل بالدعاء عليه أنبياءه، وهدى له من أراد إكرامه وإسعاده من خلقه، فقال جلّ من قائل: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ

(آل عمران:) وقال جل وعلا: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ

(آل عمران:) وقال: مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ

(الحج:) فبهذا الإسلام والدخول فيه والعلم به وأداء شرائعه والقيام بمفروضاته وصلت ملائكته ورسله إلى رضوان الله ورحمته وجواره في جنته، وبه تحرزوا من غضبه وعقوبته، وأمنوا نكال عذابه وسطوته. فقال المنصور: حسبك يا مسعدة، اجعل هذا صدر الكتاب إلى أهل الجزيرة بالاعذار والانذار.

وأما عمرو بن مسعدة ففضله شائع ونبله ذائع أشهر من أن ينبّه عليه، أو يدلّ بالوصف إليه، قد ولي للمأمون الأعمال الجليلة، وألحق بذوي المراتب النبيلة، وسماه بعض الشعراء وزيرا لعظم منزلته لا لأنه كان وزيرا وهو قوله:

لقد أسعد الله الوزير ابن مسعدهوبثّ له في الناس شكرا ومحمده

في أبيات.

فحدث إسماعيل بن أبي محمد اليزيدي قال: كان عمرو بن مسعدة أبيض أحمر الوجه، وهو من أولاد صول الأكبر جدّ محمد بن صول بن صول، وقد ذكرت أصلهم في أخبار إبراهيم بن العباس من هذا الكتاب. وكان المأمون يسميه الرومي لبياض وجهه.

ووصف الفضل بن سهل بلاغة عمرو بن مسعدة فقال: هو أبلغ الناس، ومن بلاغته أن كلّ أحد إذا سمع كلامه ظنّ أنه يكتب مثله فإذا رامه بعد عليه، وهذا كما قيل لجعفر بن يحيى ما حدّ البلاغة؟ فقال: التي إذا سمعها الجاهل ظنّ أنه يقدر على مثلها فإذا رامها استصعبت عليه.

وحدث العباس بن رستم قال: كان لعمرو بن مسعدة فرس أدهم أغرّ لم يكن لأحد مثله فراهة وحسنا، فبلغ المأمون خبره، وبلغ عمرو بن مسعدة ذلك، فخاف أن يأمر بقوده إليه فلا يكون له فيه محمدة، فوجّه به إليه هدية وكتب معه:

يا إماما لا يدانيهـ إذا عدّ إمام
للشاعر عمرو بن مسعدة، اقرأ القصيدة
فضل الناس كما يفضل نقصانا تمام
للشاعر عمرو بن مسعدة، اقرأ القصيدة
قد بعثنا بجوادمثله ليس يرام
للشاعر عمرو بن مسعدة، اقرأ القصيدة
فرس يزهى به للحسن سرج ولجام
للشاعر عمرو بن مسعدة، اقرأ القصيدة
دونه الخيل كما دونك في الفضل الأنام
للشاعر عمرو بن مسعدة، اقرأ القصيدة
وجهه صبح ولكنسائر الجسم ظلام
للشاعر عمرو بن مسعدة، اقرأ القصيدة
والذي يصلح للمولى على العبد حرام
للشاعر عمرو بن مسعدة، اقرأ القصيدة

وكتب عمرو بن مسعدة إلى الحسن بن سهل: أما بعد فإنك ممن إذا غرس سقى، وإذا أسّس بنى، ليستتم تشييد أسّه، ويجتني ثمار غرسه، وثناؤك عندي قد شارف الدروس، وغرسك مشف على اليبوس، فتدارك بناء ما أسست وسقي ما غرست، إن شاء الله تعالى.

وحدث الصولي قال: لما مات عمرو بن مسعدة رفع إلى المأمون أنه خلف ثمانين ألف ألف درهم، فوقّع على الرقعة: هذا قليل لمن اتصل بنا وطالت خدمته لنا، فبارك الله لولده فيه. وعمرو القائل في رواية المرزباني:

ومستعذب للهجر والوصل أعذبأكاتمه حبي فينأى وأقرب
إذا جدت مني بالرضا جاد بالجفاويزعم أني مذنب وهو أذنب
للشاعر عمرو بن مسعدة، اقرأ القصيدة
تعلمت ألوان الرضى خوف هجرهوعلّمه حبي له كيف يغضب
ولي غير وجه قد عرفت طريقهولكن بلا قلب إلى أين أذهب
للشاعر عمرو بن مسعدة، اقرأ القصيدة

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجم الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.