من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
محمد بن جعفر القزاز القيرواني
أبو عبد الله التميمي: كان إماما علامة قيّما بعلوم العربية، ذكره الحسن بن رشيق في «كتاب الأنموذج» فقال: مات بالقيروان سنة اثنتي عشرة وأربعمائة وقد قارب التسعين، وهو جامع «كتاب الجامع» في اللغة وهو كتاب كبير حسن متقن يقارب «كتاب التهذيب» لأبي منصور الأزهري رتبه على حروف المعجم؛ وكتاب ما يجوز للشاعر استعماله في ضرورة الشعر.
قال ابن رشيق: وكان مهيبا عند الملوك والعلماء وخاصة الناس محبوبا عند العامة يملك لسانه ملكا شديدا، وقد مدحه الشعراء فقال فيه يعلى بن إبراهيم الأربسي:
نسجت شعاعا بيننا فكأننابتنا جميعا تحت ثوب مذهب
فمزجتها من فيه ثم شربتهاولثمته برضاب ثغر أشنب
في ليلة للدهر كانت غرّةيرنو إليها الخطب كالمتعجب
فتّ الأنام بها كما فتّ الورىسبقا محمد بالفخار الأغلب
أبدا على طرف السؤال جوابهفكأنما هو دفعة من صيّب
يغدو مساجله بعزّة صافحويروح معترفا بذلة مذنب
فالأبعد النائي عليه في الذييفترّ كالداني إليه الأقرب
وكان القزاز معجبا بهذه الكلمة ويقول: ما مدحت بأحبّ إليّ منها. وقال الحسن بن رشيق في «العمدة»: وحاجى شيخنا أبو عبد الله بعض تلاميذه فقال:
أحاجيك عباد كزينب في الورىولم تؤت إلّا من صديق وصاحب
فأجابه التلميذ في الحال:
سأكتم حتى ما تحسّ جوارحيبما انهلّ منها في دموعي السواكب
فمعكوس عباد كزينب، سرّك ذائع. وسأكتم جواب على الظاهر حسن.
ومعكوسه: منك أتيت، وهو جواب لما حوجي به بديع مقابل ولم تؤت إلا من صديق وحبيب تفسير حسن بديع جدا.
وشعر أبي عبد الله جيد مطبوع مصنوع ومن شعره يتغزل:
أما ومحلّ حبّك من فؤاديوقدر مكانه فيه المكين
لو انبسطت لي الآمال حتىتصيّر من عنانك في يميني
لصنتك في مكان سواد عينيوخطت عليك من حذر جفوني
فأبلغ منك غايات الأمانيوآمن فيك آفات الظنون
فلي نفس تجرّع كلّ حينعليك بهنّ كاسات المنون
إذا أمنت قلوب الناس خافتعليك خفيّ ألحاظ العيون
فكيف وأنت دنياي ولولاعقاب الله فيك لقلت ديني
ومن شعره أيضا:
إذا كان حظي منك لحظة ناظرعلى رقبة لا أستديم لها لحظا
رضيت بها في مدة الدهر مرةوأعظم بها من حسن وجهك لي حظا
وله أيضا:
لو أنّ في حكم قلبي فيك أو بصريما استمتعت لي عين منك بالنظر
أخشى وأحذر من عيني القريحة ماأخشى وأحذره من أعين البشر
ويلاه إن كان حظّي فيه مشتركاوكيف يشترك الحيان في عمر
يناله وادع لا يستعدّ لهولست أبلغ أولاه من الحذر
وله أيضا:
أضمروا لي ودّا ولا تظهروهيهده منكم إليّ الضمير
ما أبالي إذا بلغت رضاكمفي هواكم لأيّ حال أصير
وله أيضا:
أحين علمت أنك نور عينيوأني لا أرى حتى أراكا
جعلت مغيب شخصك عن عيانييغيّب كلّ مخلوق سواكا
وله أيضا:
وا حسرتا مات أحبابي وخلّانيوشيّب الدهر أترابي وأخداني
وغيرت غير الأيام خالصتيوالمنتصى الحرّ من أهلي وإخواني
ومن تصانيف أبي عبد الله أيضا: كتاب أدب السلطان والتأدب له، عشر مجلدات. كتاب التعريض والتصريح، مجلد. كتاب إعراب الدريدية، مجلد.
كتاب شرح رسالة البلاغة، في عدة مجلدات. كتاب أبيات معان في شعر المتنبي.
كتاب ما أخذ على المتنبي من اللحن والغلط. كتاب الضاد والظاء، مجلد.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع