تجاوز إلى المحتوى

من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)

محمد بن داود بن علي الظاهري

الإمام ابن الإمام الأصفهاني البغدادي الفقيه الأديب صاحب «كتاب الزهرة»: من أذكياء العالم، جلس للفتيا وناظر ابن سريج. سئل عن حدّ السكر متى هو ومتى يكون الانسان سكران فقال: إذا عزبت عنه الهموم وباح بسره المكتوم. حفظ القرآن وله سبع سنين.

وله: كتاب الانذار والاعذار. مختار الأشعار. الايجاز في الفقه. البراعة.

الانتصار لأبيه من الناشىء المتكلم. الانتصار لأبيه من محمد بن جرير. التقصي في الفقه. الايجاز لم يكمل. الوصول إلى معرفة الأصول. اختلاف مسائل الصحابة.

الفرائض. المناسك.

توفي في شهر رمضان سنة سبع وتسعين ومائتين وعمره اثنتان وأربعون سنة. كان يلقب بعصفور الشوك لنحافته وصفرة لونه.

قال محمد: ما انفككت من هوى قط منذ دخلت الكتّاب. [وقال]: بدأت بعمل الزهرة وأنا في الكتاب ونظر أبي في أكثره.

ودخل يوما على ثعلب النحوي فقال له ثعلب: اذكرك شيئا من صبوتك، فقال:

سقى الله أياما لنا ولياليالهن بأكناف الشباب ملاعب
للشاعر الصَمَّة القُشَيري، اقرأ القصيدة
إذ العيش غضّ والزمان بغرةوشاهد أوقات المحبين غائب

فبكى ثعلب.

وقال القاضي محمد بن يوسف بن يعقوب: كنت يوما أساير أبا بكر ابن داود، فسمع جارية تغنّي بشعره وتقول:

أشكو غليل فؤاد أنت متلفهشكوى عليل إلى إلف يعلّله
سقمي يزيد على الأيام كثرتهوأنت في عظم ما ألقى تقلله
الله حرّم قتلي في الهوى سفهاوأنت يا قاتلي ظلما تحلّله
للشاعر ابن داود الظاهري، من قصيدة «أشكو عليل فؤاد أنت متلفه»

فقال: يا أبا عمر، كيف السبيل إلى استرجاع مثل هذا؟ فقلت: هيهات سارت به الركبان.

ومن شعره:

أكرّر في روض المحاسن ناظريوأمنع نفسي أن تنال المحرما
رأيت الهوى دعوى من الناس كلّهمفما إن أرى حبا صحيحا مسلما
للشاعر ابن داود الظاهري، من قصيدة «أنزه في روض المحاسن مقلتي»

ومنه أيضا:

وإني لأدري أن في الصبر راحةولكنّ إنفاقي عليّ من الصبر
للشاعر ابن داود الظاهري، من قصيدة «وإني لأدري أن في الصبر راحة»
فلا تطف نار الشوق بالشوق طالباسلوا فإن الجمر يسعر بالجمر
للشاعر ابن داود الظاهري، من قصيدة «وإني لأدري أن في الصبر راحة»

وكان محمد يهوى فتى حدثا من أهل أصبهان يقال له محمد بن جامع، ويقال ابن زخرف، وكان طاهرا في عشقه عفيفا، وكان ابن جامع ينفق عليه، ولم ير معشوق ينفق على عاشق غيره، ولم يزل في حبه حتى قتله.

دخل ابن جامع يوما إلى الحمام وخرج فنظر في المرآة فأعجبه حسنه، فغطى وجهه بمنديل وجاء إلى محمد بن داود وهو على تلك الحالة، فقال: ما هذا: قال:

نظرت في المرآة فأعجبني حسني فما أحببت أن يراه أحد قبلك، فغشي عليه.

دخل على ابن داود ابراهيم بن محمد نفطويه وقد ضني على فراشه فقال له: يا أبا بكر ما هذا مع القدرة والمحبوب مساعد؟ فقال: أنا في آخر يوم من الدنيا، لا أنالني الله شفاعة محمد ﷺ إن كنت حللت سراويلي على حرام قط. حدثني أبي بإسناده إلى ابن عباس، قال قال رسول الله ﷺ: من عشق فكتم وعفّ فصبر ثم مات مات شهيدا وأدخله الله الجنة ...

ولما مات جلس ابن سريج في عزائه وبكى، وجلس على التراب وقال: ما آسى إلا على لسان أكله التراب من أبي بكر. ويحكى أنه لما بلغته وفاته كان يكتب شيئا، فألقى الكراسة من يده وقال: مات من كنت أحث نفسي وأجهدها على الاشتغال لمناظرته ومقاومته ...

واجتمع محمد يوما هو وابن سريج في مجلس الوزير ابن الجراح، فتناظرا في

الإيلاء فقال له ابن سريج: أنت بقولك: من كثرت لحظاته دامت حسراته، أبصر منك بالكلام في الإيلاء، فقال له أبو بكر: لئن قلت ذلك فإني أقول:

انزّه في روض المحاسن مقلتيوأمنع نفسي أن تنال محرما
للشاعر ابن داود الظاهري، من قصيدة «أنزه في روض المحاسن مقلتي»
وأحمل من ثقل الهوى ما لو انهيصبّ على الصخر الأصمّ تهدما
للشاعر ابن داود الظاهري، من قصيدة «أنزه في روض المحاسن مقلتي»
وينطق طرفي عن مترجم خاطريفلولا اختلاسي ردّه لتكلما
للشاعر ابن داود الظاهري، من قصيدة «أنزه في روض المحاسن مقلتي»

فقال له ابن سريج: وبم تفتخر عليّ، ولو شئت أنا أيضا لقلت:

ومساهر بالغنج من لحظاتهقد بتّ أمنعه لذيذ سباته
ضنا بحسن حديثه وعتابهواكرّر اللحظات في وجناته
حتى إذا ما الصبح لاح عمودهولّى بخاتم ربه وبراته

فقال أبو بكر: يحفظ الوزير عليه ذلك، حتى يقيم عليه شاهدي عدل أنه ولّى بخاتم ربه وبراته، فقال ابن سريج: يلزمني في ذلك ما يلزمك في قولك: أنزّه في روض المحاسن مقلتي ... فضحك الوزير وقال: لقد جمعتما ظرفا ولطفا وفهما وعلما.

[ووردت هذه الحكاية برواية أخرى] قال أبو علي التنوخي: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن البختري الدّاودي، حدّثني أبو الحسن ابن المغلّس الدّاودي، قال: كان محمد بن داود، وابن سريج إذا حضرا مجلس أبي عمر القاضي، لم يجر بين اثنين فيما يتفاوضانه أحسن مما يجري بينهما، فسأل أبا بكر عن العود الموجب لكفّارة الظّهار، فقال: إعادة القول ثانيا، وهو مذهبه، ومذهب أبيه، فطالبه بالدليل، فشرع فيه، فقال ابن سريج: يا أبا بكر هذا قول من من المسلمين [تقدمكم فيه] ؟ فغضب أبو بكر، وقال: أتظنّ أنّ من اعتقدت قولهم إجماعا في هذه المسألة عندي إجماع؟ أحسن أحوالهم أن أعدهم خلافا [وهيهات أن يكونوا كذلك]. فغضب ابن سريج، وقال: أنت بكتاب «الزّهرة» أمهر منك بهذه الطّريقة، قال: [وبكتاب «الزهرة» تعيرني؟] والله ما تحسن تستتمّ قراءته قراءة من يفهم، وإنه لمن أحد المناقب لي إذ أقول فيه:

أكرّر في روض المحاسن مقلتي

الأبيات

فقال ابن سريج: فأنا الذي أقول:

ومشاهد بالغنج من لحظاته

الأبيات فقال أبو بكر: أيّد الله القاضي، قد أخبر بحاله، ثمّ ادعى البراءة مما توجبه، فعليه البيّنة، فقال ابن سريج: [من] مذهبي أن المقرّ إذا أقرّ إقرارا ناطه بصفة، كان إقراره موكولا إلى صفته تلك.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجم الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.