تجاوز إلى المحتوى

من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)

محمد بن زياد المعروف بابن الأعرابي

أبو عبد الله: كان مولى لبني هاشم لأنه من موالي العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، وكان أبوه زياد عبدا سنديا، وكان من أكابر أئمة اللغة المشار إليهم في معرفتها، نحويا لم يكن للكوفيين أشبه برواية البصريين منه راوية لأشعار القبائل ناسبا، وكان ربيبا للمفضل الضبي: سمع منه الدواوين وصححها، وأخذ عن الكسائي «كتاب النوادر» وأخذ عن أبي معاوية الضرير والقاسم بن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود القاضي، وأخذ عنه إبراهيم الحربي وأبو عكرمة الضبي وأبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب وابن السكيت، وكانت طريقته طريقة الفقهاء والعلماء، وكان أحفظ الناس للغات والأيام والأنساب.

وقال أبو العباس ثعلب: قال لي ابن الأعرابي أمليت قبل أن تجيئني يا أحمد حمل جمل.

وقال ثعلب: انتهى علم اللغة والحفظ إلى ابن الأعرابي. وكان يزعم أن الأصمعي وأبا عبيدة لا يحسنان قليلا ولا كثيرا.

وقال ثعلب: سمعت ابن الأعرابي يقول في كلمة رواها الأصمعي: سمعت من ألف أعرابي خلاف ما قاله الأصمعي.

وقال: شاهدت ابن الأعرابي وكان يحضر مجلسه زهاء مائة إنسان، كل يسأله أو يقرأ عليه ويجيب من غير كتاب. قال: ولزمته بضع عشرة سنة ما رأيت بيده كتابا قط، وما أشك في أنه أملى على الناس ما يحمل على أجمال، ولم ير أحد في علم الشعر واللغة أغزر منه.

وقال محمد بن الفضل الشعراني: كان للناس رؤساء: كان سفيان الثوري رأسا في الحديث، وأبو حنيفة رأسا في القياس، والكسائي رأسا في القرآن، فلم يبق الآن رأس في فن من الفنون أكبر من ابن الأعرابي فإنه رأس في كلام العرب، وكان ممن وسم بالتعليم فكان يأخذ كلّ شهر ألف درهم فينفقها على أهله وإخوانه، وتماسك في آخر أيامه بعد سوء حاله.

ويحكى أنه اجتمع أبو عبد الله الأعرابي وأبو زياد الكلابي على الجسر ببغداد، فسأل أبو زياد ابن الأعرابي عن قول النابغة:

على ظهر مبناة [جديد سيورها]

فقال: النطع، بفتح النون وسكون الطاء، فقال أبو زياد: النطع بكسر النون وفتح الطاء، فقال أبو عبد الله: نعم، وإنما أنكر أبو زياد النطع بفتح النون وسكون الطاء لأنها لم تكن لغته.

ورأى ابن الأعرابي في مجلسه يوما رجلين يتحدثان فقال لأحدهما: من أين أنت؟ فقال: من اسفيجاب وقال: للآخر من أين أنت؟ فقال: من الأندلس، فعجب من ذلك وأنشد:

رفيقان شتّى ألّف الدهر بينناوقد يلتقي الشتّى فيأتلفان

ثم أملى على من حضر مجلسه بقية الأبيات الآتية:

نزلنا على قيسية يمنيةلها نسب في الصالحين هجان
فقالت وأرخت جانب الستر بيننالأية أرض أم من الرجلان
فقلت لها أما رفيقي فقومهتميم وأما أسرتي فيماني
رفيقان شتّى ألّف الدهر بينناوقد يلتقي الشتّى فيأتلفان

وحكى عبيد الله بن عبد الله بن طاهر قال: اجتمع عندنا أبو نصر أحمد بن حاتم وابن الأعرابي، فتجاذبا الحديث إلى أن حكى أبو نصر أن أبا الأسود دخل على عبيد الله بن زياد وعليه ثياب رثة فكساه ثيابا جددا من غير أن يعرض له بسؤال، فخرج وهو يقول:

كساك ولم تستكسه فحمدتهأخ لك يعطيك الجزيل وناصر
فإن أحقّ الناس إن كنت مادحابمدحك من أعطاك والعرض وافر

فأنشد أبو نصر قافية البيت الأول «وياصر» بالياء يريد و «يعطف» فقال له ابن الأعرابي: وناصر بالنون فقال: دعني يا هذا وياصري، وعليك بناصرك.

وحدث الصولي قال: غني في مجلس الواثق بشعر الأخطل:

وشارب مربح بالكاس نادمنيلا بالحصور ولا فيها بسوّار
للشاعر الأخطل، من قصيدة «تغير الرسم من سلمى بأحفار»

فقيل بسوار وبسئّار، فوجه إلى ابن الأعرابي وهو يومئذ بسرّ من رأى فسئل عن ذلك فقال: بسوار يريد بوثاب، أي لا يثب على ندمائه، وبسئّار أي لا يفضل في القدح سؤره، وقد رويا جميعا، فأمر له الواثق بعشرة آلاف درهم. وحكي عن ابن الأعرابي أنه روى قول الشاعر:

ولا عيب فينا غير عرق لمعشركرام وأنا لا نحطّ على النمل

نحطّ بحاء مهملة وقال: معناه أنا لا نحط على بيوت النمل لنصيب ما جمعوه- وهذا تصحيف- وإنما الرواية لا نخط على النمل واحدتها نملة، وهي قرحة تخرج بالجنب تزعم المجوس أن ولد الرجل إذا كان من أخته ثم خط على النملة شفي صاحبها، ومعنى البيت إنا لسنا بمجوس ننكح الأخوات.

وعن أبي عمران قال: كنت عند أبي أيوب أحمد بن محمد بن شجاع فبعث غلامه إلى أبي عبد الله ابن الأعرابي يسأله المجيء إليه، فعاد إليه الغلام فقال: قد سألته ذلك فقال لي: عندي قوم من الأعراب فإذا قضيت أربي معهم أتيت، قال الغلام: وما رأيت عنده أحدا إلا أني رأيت بين يديه كتبا ينظر فيها، فينظر في هذا مرة وفي هذا مرة، ثم ما شعرنا حتى جاء، فقال له أبو أيوب: إنه ما رأى عندك أحدا وقد قلت له إنا مع قوم من الأعراب فإذا قضيت أربي معهم أتيت، فأنشد:

لنا جلساء ما نملّ حديثهمألبّاء مأمونون غيبا ومشهدا
يفيدوننا من علمهم علم ما مضىوعقلا وتأديبا ورأيا مسدّدا
فلا فتنة نخشى ولا سوء عشرةولا نتقي منهم لسانا ولا يدا
فإن قلت أموات فما أنت كاذبوإن قلت أحياء فلست مفنّدا

وقال محمد بن حبيب: سألت أبا عبد الله ابن الأعرابي في مجلس واحد عن بضع عشرة مسألة من شعر الطرماح يقول في كلها لا أدري، ولم أسمع، أفأحدث لك برأيي؟

وقال أبو العباس ثعلب: سمعت ابن الأعرابي يقول: من لا قبول عليه فلا حياة لأدبه. وقال: ما رأيت قوما أكذب على اللغة من قوم يزعمون أنّ القرآن مخلوق.

واغتاب رجل عنده بعض العلماء فقال له: لو لم تقل فينا ما قلت عندنا فلا تجلسنّ إلينا.

وله من التصانيف: كتاب النوادر وهو كبير. كتاب الأنواء. كتاب صفة النخل.

كتاب صفة الزرع. كتاب الخيل. كتاب النبت والبقل. كتاب نسب الخيل. كتاب تاريخ القبائل. كتاب تفسير الأمثال. كتاب النبات. كتاب معاني الشعر. كتاب صفة الدرع. كتاب الألفاظ. كتاب نوادر الزبيريين. كتاب نوادر بني فقعس. كتاب الذباب، وغير ذلك.

قال أبو العباس ثعلب سمعت ابن الأعرابي يقول: ولدت في الليلة التي مات

فيها أبو حنيفة. وقال أبو غالب علي بن النضر: توفي ابن الاعرابي سنة ثلاثين ومائتين وقيل سنة إحدى وثلاثين وقيل سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، وقد بلغ من العمر احدى وثمانين سنة وأربعة أشهر وثلاثة أيام، وكانت وفاته في خلافة الواثق بن المعتصم وصلى عليه قاضي القضاة أحمد بن أبي دواد الإيادي.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجم الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.