تجاوز إلى المحتوى

من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)

محمود بن عمر بن أحمد أبو القاسم

الزمخشري جار الله: كان إماما في

التفسير والنحو واللغة والأدب، واسع العلم كبير الفضل متفننا في علوم شتى، معتزليّ المذهب متجاهرا بذلك.

قال ابن أخته أبو عمرو عامر بن الحسن السمسار: ولد خالي بزمخشر من أعمال خوارزم يوم الأربعاء السابع والعشرين من رجب سنة سبع وستين وأربعمائة، وأخذ الأدب عن أبي مضر محمود بن جرير الضبي الأصبهاني وأبي الحسن علي بن المظفر النيسابوري، وسمع من شيخ الإسلام أبي منصور نصر الحارثي، ومن أبي سعد الشفاني، وأصابه خراج في رجله فقطعها واتخذ رجلا من خشب، وقيل أصابه برد الثلج في بعض أسفاره بنواحي خوارزم فسقطت رجله، وحكي أن الدامغاني المتكلم الفقيه سأله عن سبب قطع رجله فقال: دعاء الوالدة، وذلك أني أمسكت عصفورا وأنا صبيّ صغير وربطت برجله خيطا فأفلت من يدي ودخل خرقا فجذبته فانقطعت رجله، فتألمت له والدتي وقالت: قطع الله رجلك كما قطعت [رجله]، فلما رحلت إلى بخارى في طلب العلم سقطت عن الدابة في أثناء الطريق فانكسرت رجلي واصابني من الالم ما أوجب قطعها.

ولما قدم الزمخشري إلى بغداد قاصدا الحج زاره الشريف أبو السعادات هبة الله بن الشجري مهنئا له بقدومه، فلما جلس إليه أنشده متمثلا:

كانت مساءلة الركبان تخبرنيعن أحمد بن دواد أطيب الخبر
حتى التقينا فلا والله ما سمعتأذني بأحسن مما قد رأى بصري

وأنشد أيضا:

وأستكبر الأخبار قبل لقائهفلما التقينا صغّر الخبر الخبر
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أطاعن خيلا من فوارسها الدهر»

ثم أخذ يثني عليه، فلم ينطق الزمخشري حتى فرغ ابن الشجري من كلامه، فلما أتم كلامه شكر الشريف وعظّمه وتصاغر له ثم قال: إن زيد الخيل دخل على رسول الله ﷺ، فلما بصر بالنبي ﷺ رفع صوته بالشهادتين، فقال له النبي ﷺ: يا زيد الخيل، كلّ رجل وصف لي وجدته دون الصفة إلا انت فانك فوق ما وصفت، وكذلك سيدنا الشريف، ثم دعا له وأثنى عليه.

توفي أبو القاسم الزمخشري بقصبة خوارزم ليلة عرفة سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة.

ومن شعره:

العلم للرحمن ﷻوسواه في جهلاته يتغمغم
ما للتراب وللعلوم وإنمايسعى ليعلم أنه لا يعلم
للشاعر الزمخشري، من قصيدة «العلم للرحمن جل جلاله»

وقال أيضا:

كثر الشكّ والخلاف وكلّيدّعي الفوز بالصراط السويّ
للشاعر الزمخشري، من قصيدة «كثر الشك والخلاف وكل»
فاعتصامي بلا إله سواهثم حبي لأحمد وعلي
للشاعر الزمخشري، من قصيدة «كثر الشك والخلاف وكل»
فاز كلب بحبّ أصحاب كهفكيف أشقى بحبّ آل نبي
للشاعر الزمخشري، من قصيدة «كثر الشك والخلاف وكل»

وله في مدح «تفسير الكشاف»:

إن التفاسير في الدنيا بلا عددوليس فيها لعمري مثل كشّافي
للشاعر الزمخشري، من قصيدة «إن التفاسير في الدنيا بلا عدد»
إن كنت تبغي الهدى فالزم قراءتهفالجهل كالداء والكشاف كالشافي
للشاعر الزمخشري، من قصيدة «إن التفاسير في الدنيا بلا عدد»

ومن كلامه ما استخرجته من كتابه «الأطواق» قال: استمسك بحبل مواخيك، ما استمسك بأواخيك، واصحبه ما صحب الحقّ وأذعن، وحل مع أهله وظعن، فان تنكرت أنحاؤه، ورشح بالباطل إناؤه، فتعوض عن صحبته وإن عوّضت الشّسع، وتصرّف بحبله ولو أعطيت النّسع. فصاحب الصدق أنفع من الترياق النافع، وقرين السوء أضرّ من السم الناقع.

وقال: الدعة من الضّعة مرة، لا تشره إليها نفس حرة.

وقال: الكريم إذا ريم على الضيم نبا، والسريّ متى سيم الخسف أبى. وقلما عرفت الأنفة والإباء، في غير من شرفت منه الآباء.

وقال: عزة النفس وبعد الهمة، الموت الأحمر والخطوب المدلهمة، ولكن من عرف منهل الذلّ فعافه، استعذب نقيع العزّ وذعافه.

وقال: أحمق من النعامة، من افتخر بالزعامة؛ لم أر أشقى من الزعيم، ولا أبعد منه من الفوز بالنعيم، هالك في الهوالك، خابط في الظلم الحوالك، على آثاره العفاء، أدركته بمجانيقها الضعفاء.

وقال: الدنيا أدوار، والناس أطوار، فالبس لكلّ يوم بحسب ما فيه من الطوارق، وجانس كلّ قوم بقدر ما لهم من الطرائق، فلن تجري الأيام على أمنيتك، ولن تنزل الأقوام على قضيتك.

وقال: ألا أحدثك عن بلد الشوم، ذلك بلد الوالي الغشوم، فاياك وبلد الجور وان كانت أعزّ من بيضة البلد، وأحظى أهله بالمال المثمر والولد، وتوقع أن تسقط فيه الطيور النواعق، وتأخذ أهله الرجفة والصواعق.

وقال: لا تقنع بالشرف التالد، فذلك الشرف للوالد، واضمم إلى التالد طريفا، حتى تكون بهما شريفا، ولا تدلّ بشرف أبيك، ما لم تدلّ عليه بشرف فيك.

وقال: كبّ الله على مناخره، من زكّى نفسه بمفاخره، على أن ربّ مساخر، يعدها الناس مفاخر.

وقال: ما لعلماء السوء جمعوا عزائم الشرع ودوّنوها، ثم رخصوا فيها لأمراء السوء وهوّنوها، إنما حفظوا وعلّقوا، وصفّفوا وحلّقوا، ليقمروا المال وييسروا، ويفقروا الأيتام ويوسروا، أكمام واسعة، فيها أصلال لاسعة، وأقلام، كأنها أزلام، وفتوى، يعمل بها الجاهل فيتوى.

ومن إنشائه ما كتب به إلى حافظ الاسكندرية أبي الطاهر السلفي جوابا عن كتاب كتبه إليه يستجيزه به وهو: ما مثلي مع أعلام العلماء، إلا كمثل السّها مع مصابيح السّماء، والجهام الصّفر من الرّهام مع الغوادي الغامرة للقيعان والآكام، والسّكيت المخلّف عن خيل السباق، والبغاث مع الطير العتاق، وما التلقيب بالعلّامة، إلا شبه الرقم والعلامة، والعلم مدينة أحد بابيها الدراية، والثاني الرواية،

وأنا في كلا البابين ذو بضاعة مزجاة، ظلّي فيه أقلص من ظلّ حصاة، أما الرواية فحديثة الميلاد، قريبة الإسناد، لم تستند إلى علماء نحارير، ولا إلى أعلام مشاهير؛ وأما الدراية فثمد لا يبلغ أفواها، وبرض ما يبلّ شفاها.

إلى أن قال: ولا يغرنكم قول فلان وفلان..... فيّ، وذكر جماعة من العلماء والشعراء أثنوا عليه ومدحوه ثم قال: فان ذلك اغترار بالظاهر الممّوه، وجهل بالباطن المشوّه، ولعلّ الذي غرهم مني ما رأوا من حسن النصح للمسلمين، وبلوغ الشفقة على المستفيدين، وقطع المطامع، وإفاءة المبارّ والصنائع، وعزة النفس والربء بها عن السفاسف، والاقبال على خويّصتي، والاعراض عما لا يعنيني.

فجللت في عيونهم وغلطوا فيّ ونسبوني إلى ما لست منه في قبيل ولا دبير. الخ.

والكتاب طويل اقتصرت منه على ما أوردت.

ولأبي القاسم من التصانيف: الكشاف في تفسير القرآن. الفائق في غريب الحديث. نكت الاعراب في غريب الاعراب (في غريب اعراب القرآن). كتاب متشابه أسماء الرواة. مختصر الموافقة بين أهل البيت والصحابة، الأصل لأبي سعيد الرازي إسماعيل. الكلم النوابغ في المواعظ. أطواق الذهب في المواعظ. نصائح الكبار. نصائح الصغار. مقامات في المواعظ. نزهة المستأنس. الرسالة الناصحة.

رسالة المسأمة. الرائض في الفرائض. معجم الحدود. المنهاج في الأصول. ضالّة الناشد. كتاب عقل الكل. الأنموذج في النحو. المفصّل في النحو أيضا. المفرد والمؤلف فيه أيضا. صميم العربية. الأمالي في النحو. أساس البلاغة في اللغة.

جواهر اللغة. كتاب الأجناس. مقدمة الأدب في اللغة. كتاب الأسماء في اللغة.

القسطاس في العروض. حاشية على المفصل. شرح مقاماته. روح المسائل.

سوائر الأمثال. المستقصى في الأمثال. ربيع الأبرار في الأدب والمحاضرات. تسلية الضرير. رسالة الأسرار. أعجب العجب شرح لامية العرب. شرح المفصل. ديوان التمثيل. ديوان خطب. ديوان رسائل. ديوان شعر. شرح كتاب سيبويه. كتاب الجبال والأمكنة. شافي العي من كلام الشافعي. شقائق النعمان في حقائق النعمان في مناقب الإمام أبي حنيفة. المحاجاة ومتمم مهام أرباب الحاجات في الأحاجي والألغاز. المفرد والمركب في العربية، وغير ذلك.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجم الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.