من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
نصر بن أحمد بن نصر بن المأمون
، أبو القاسم البصري المعروف بالخبزارزي: شاعر أميّ مجيد، كان لا يتهجّى ولا يكتب، وكان خبازا يخبز خبز الأرز بدكان له في مربد البصرة، فكان يخبز وهو ينشد ما يقوله من الشعر، فيجتمع الناس حوله ويزدحمون عليه لاستماع شعره وملحه، ويتعجبون من إجادته في مثل حاله وحرفته. وكان ممن يفضل الذكور على الإناث، فكان أحداث البصرة يلتفون حوله ويتنافسون بميله إليهم ويحفظون شعره لسهولته ورقته. وكان شاعر البصرة ابن لنكك مع علوّ قدره يجلس اليه ويتردد على دكانه وعني بجمع ديوان شعره.
ذكر الخطيب في «تاريخ مدينة السلام» أن أبا محمد عبد الله بن محمد
الأكفاني قال: خرجت مع عمي أبي عبد الله الأكفاني الشاعر وأبي الحسين ابن لنكك وأبي عبد الله المفجع وأبي الحسن السماك في بطالة العيد، وأنا يومئذ صبيّ أصحبهم، فانتهوا إلى نصر الخبزارزي وهو يخبز على طابقه، فجلسوا يهنّونه بالعيد وهو يوقد السعف تحت الطابق، فزاد في الوقود فدخنهم فنهضوا حين تزايد الدخان، فقال نصر لابن لنكك: متى أراك يا أبا الحسين؟ فقال له: إذا استخت ثيابي، ثم مضينا في سكة بني سمرة حتى انتهينا إلى دار أبي أحمد ابن المثنى، فجلس ابن لنكك وقال: إن نصرا لا يخلي المجلس الذي مضى لنا معه من شيء يقوله فيه ويجب أن نبدأه قبل أن يبدأنا، فاستدعى بدواة وكتب إليه:
لنصر في فؤادي فرط حبّأنيف به على كلّ الصحاب
أتيناه فبخّرنا بخورامن السّعف المدخّن بالتهاب
فقمت مبادرا وحسبت نصراأراد بذاك طردي أو ذهابي
فقال متى أراك أبا حسينفقلت له إذا اتسخت ثيابي
فلما وصلت الرقعة إلى نصر أملى على من كتب له بظهرها الجواب، فلما وصل إلينا قرأناه فإذا هو فيه:
منحت أبا الحسين صميم ودّيفداعبني بألفاظ عذاب
أتى وثيابه كالشيب بيضفعدن له كريعان الشباب
وبغضي للمشيب أعدّ عنديسوادا لونه لون الخضاب
ظننت جلوسه عندي لعرسفجدت له بتمسيك الثياب
وقلت متى أراك أبا حسينفجاوبني إذا اتسخت ثيابي
ولو كان التقزز فيه خيرلما كني الوصيّ أبا تراب
ومن شعره أيضا:
رأيت الهلال ووجه الحبيبفكانا هلالين عند النظر
فلم أدر من حيرتي فيهماهلال السما من هلال البشر
ولولا التورد في الوجنتينوما راعني من سواد الشعر
لكنت أظنّ الهلال الحبيبوكنت أظنّ الحبيب القمر
وقال:
شاقني الأهل لم تشقني الدياروالهوى صائر إلى حيث صاروا
جيرة فرقتهم غربة البين وبين القلوب ذاك الجوار
كم أناس رعوا لنا حين غابواوأناس خانوا وهم حضّار
عرضوا ثم أعرضوا واستمالواثم مالوا وأنصفوا ثم جاروا
لا تلمهم على التجنّي فلو لميتجنّوا لم يحسن الإعتذار
وقال:
فلا تمنّ بتنميق تكلّفهلصورة حسنها الأصليّ يكفيها
إن الدنانير لا تجلى وان عتقتولا تزاد على الحسن الذي فيها
وقال:
إذا ما لسان المرء اكثر هذرهفذاك لسان بالبلاء موكّل
إذا شئت أن تحيا عزيزا مسلّمافدبّر وميّز ما تقول وتفعل
توفي نصر بن أحمد الخبزارزي سنة سبع وعشرين وثلاثمائة.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع