من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
هبة الله القاضي السعيد بن القاضي
الرشيد جعفر بن سناء الملك محمد بن
هبة الله بن محمد السعدي المصري المعروف بابن سناء الملك: أحد أدباء العصر وشعرائه المجيدين، ذاع صيته وسار ذكره، أخذ عن الحافظ أبي طاهر أحمد بن سلفة، واتصل بالقاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني فكانت له منزلة عنده، وكان في خدمته بدمشق سنة إحدى وسبعين وخمسمائة ثم عاد إلى القاهرة، وكان بينه وبين الفاضل ترسل، ومدحه بعدة قصائد.
وصنف كتاب روح الحيوان لخّص فيه كتاب الحيوان للجاحظ. وله ديوان موشحات سماه دار الطراز. وديوان شعر. وديوان رسائل.
مات يوم الأربعاء رابع شهر رمضان سنة ثمان وستمائة بالقاهرة.
ومن شعره قوله يمدح الملك المعظم توران شاه وأجاد ما شاء:
تقنعت لكن بالحبيب المعمّموفارقت لكن كلّ عيش مذمّم
وباتت يدي في طاعة الحبّ والهوىوشاحا لخصر أو سوارا لمعصم
وأثريت من دينار خدّ ملكتهفأحسن وجه بعده مثل درهم
يزيد احمرارا كلما زدت صفرةكأنّ به ما كان بي زمن الدم
توقد ذاك الخدّ واخضرّ نضرةفأبصرت منه جنة في جهنم
ومنها:
سعدت ببدر برجه برج عقربفكذّب عندي قول كلّ منجم
وأقسم ما وجه الصباح إذا بدابأوضح منّي حجة عند لوّمي
ولا سيّما لما مررت بمنزلكفضلة صبر في فؤاد متيّم
وما بان لي إلا بعود أراكةتعلّق في أطرافه ضوء مبسم
ولا عجبا أن متّ فيه صبابةفما النفس إلا بعض مغرم مغرم
بنفسي من قبلته ورشفتهفقال الهوى فز بالحطيم وزمزم
فجردت قلبي من مخيط همومهوطاف به والقلب في زيّ محرم
ومنها:
ولم ير طرفي قطّ شملا مبددافقابله إلا بدمع منظم
تبسّم ذاك الطرف عن ثغر دمعهوربّ قطوب كامن في التبسم
ولم يسل قلبي أو فمي عن غزالةوعن غزل الا بمدح المعظم
هذا والله السحر الحلال، والسهل الممتنع الذي لا ينال.
ومن شعره أيضا قوله يمدح القاضي الفاضل عبد الرحيم:
عادني من هوى الأحبة عيدفلباسي فيه غرام جديد
ونحرت الجفون من بعد أن أشعرت قلبي بأن صبري بعيد
كلف عاد بعد شيبي وليداوكذا البدر بعد شيب وليد
فغرامي بالبدر كالبدر لكنينقص البدر والغرام يزيد
بأبي من أبى مرادي كمثل الدهر عندي يريد ما لا أريد
صدّ عطفا وصاد طرفا فما ينفكّ هذا يصدّ أو ذا يصيد
كيف خلّدت في جهنم ذا الصدّ وديني في حبّه التوحيد
ومنها في المديح:
لي من راحتيه جنة مأوىوله بالثناء مني خلود
أنا عبد وخدمتي مدح مولىنجح القصد عنده والقصيد
هو قاض لا بل أمير إذا شئت لديه من المعالي جنود
وفقيه النوال يلقي على الخلق عطاياه والغمام معيد
أوسعوا جوده ملاما وتفنيدا فضاع الملام والتفنيد
ردّدوا عذلهم فردّ عليهمكلّ شيء مردّد مردود
ومن شعره الذي سارت به الركبان قصيدته الحماسية الغزلية وهي:
سواي يخاف الدهر أو يرهب الردىوغيري يهوى أن يكون مخلدا
ولكنني لا أرهب الدهر إن سطاولا أحذر الموت الزؤام إذا عدا
ولو مدّ نحوي حادث الدهر طرفهلحدثت نفسي أن أمدّ له يدا
توقّد عزم يترك الماء جمرةوحلية حلم تترك السيف مبردا
وفرط احتقار للأنام فاننيأرى كلّ عار من حلى سؤددي سدى
وأظمأ إن أبدى لي الماء منّةولو كان لي بحر المجرة موردا
ولو كان إدراك الهدى بتذللرأيت الهدى أن لا أميل إلى الهدى
وقدما بغيري أصبح الدهر أشيباوبي بل بفضلي أصبح الدهر أمردا
وإنك عبدي يا زمان وإننيعلى الكره مني أن أرى لك سيدا
وما أنا راض أنني واطىء الثرىولي همة لا ترتضي الأفق مقعدا
ولو علمت زهر النجوم مكانتيلخرّت جميعا نحو وجهي سجّدا
ولي قلم في أنملي لو هززتهفما ضرّني أن لا أهزّ المهندا
إذا جال فوق الطّرس وقع صريرهفان صليل المشرفيّ له صدى
ومنها في التخلص إلى الغزل:
ومن كلّ شيء قد صحوت سوى هوىأقام عذولي بالملام وأقعدا
إذا وصل من أهواه لم يك مسعديفليت عذولي كان بالصمت مسعدا
يحبّ حبيبي من يكون مفنّدافيا ليتني كنت العذول المفنّدا
وقال لقد «آنست نارا» بخدّهفقلت وإني ما «وجدت بها هدى»
والقصيدة طويلة، كل بيت منها فريدة في عقد، وشعره كثير واكثره جيد.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع