من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
هبة الله بن الحسين بن أحمد البغدادي
عرف بالبديع الاسطرلابي، كان أديبا فاضلا شاعرا بارعا حكيما عارفا بالطب والرياضي والهيئة والنجوم والرصد والزيج، متقنا عمل الآلات الفلكية سيّما الأسطرلاب فنسب إليه، وحصل له مال جزيل من عمله، ولم يخلفه في صناعته مثله، وقد أقام على صحة ما يعمله من الآلات الحجج الهندسية، وبرهن عليها بالقوانين الاقليديسية، وأتى فيها باختراعات أغفلها المتقدمون، فزاد في الكرة ذات الكرسيّ وكمل نقصها الذي مرت عليه الأعوام، وأكمل نقص الآلات الشاملة التي وضعها الخجندي وجعلها لعرض واحد، وأقام الدليل على أنه لا يمكن أن تكون لعروض متعددة، فلما وصلت إلى البديع تأملها واهتدى إلى طريق لعملها لعروض متعددة، واختبر ما زاد فيها بالقواعد الهندسية فصحّ عمله، وحمل ما صنع منها إلى الأكابر والأجلّاء من أهل هذا الفن فتلقوها بالقبول. وله في عمل الأسطرلاب والبركار والمساطر وغيرها من الآلات اليد الطولى،
وقد صار ما صنعه من ذلك من الذخائر التي يتغالى بها أهلها، وعانى عمل الطلاسم ورصد لها ما يوافقها من الأوقات السعيدة، وحملها إلى الملوك والأمراء والوزراء فجربوها فصحّت وحصل له منها ومن سائر صنائعه أموال جمة.
وصنف رسالة في الآلات الشاملة التي كملها. ورسالة في الكرة ذات الكرسي.
واختار ديوان ابن الحجاج وسماه «درة التاج من شعر ابن الحجاج» رتبه على مائة وأحد وأربعين بابا، جعل كلّ باب في فن من فنون شعره. وله ديوان شعر دوّنه وجمعه بنفسه.
مات ببغداد بعلة الفالج سنة أربع وثلاثين وخمسمائة.
ومن شعره الرائق الفائق قوله:
وذو هيئة يزهو بخال مهندسأموت به في كل وقت وأبعث
محيط بأوصاف الملاحة وجههكأنّ به إقليدسا يتحدث
فعارضه خطّ استواء وخالهبه نقطة والخدّ شكل مثلث
وقال:
أذاقني حمرة المنايالما اكتسى خضرة العذار
وقد تبدّى السواد فيهوكارتي بعد في العيار
وقال:
قام إلى الشمس بآلاتهلينظر السعد من النحس
فقلت أين الشمس قال الفتىفي الثور قلت الثور في الشمس
وقال:
يا صدور الزمان ليس بوفرما رأيناه في نواحي العراق
إنما عمّ ظلمكم سائر الأرض فشابت ذوائب الآفاق
الوفر: الثلج بلغة أهل العراق، قال ذلك في عام نزل فيه ببغداد ثلج كثير.
وقال:
أهدي لمجلسك الشريف وإنماأهدي له ما حزت من نعمائه
كالبحر يمطره السحاب وما لهفضل عليه لأنه من مائه
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع