من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
يحيى [بن محمد] بن عبد الرحمن بن بقي الأندلسي القرطبي
كان آية في النثر والنظم، بارعا في نظم الموشحات مجيدا فيها كلّ الإجادة، إلا أنه كان حرب
زمانه، حسبت حرفة الأدب عليه براعته من رزقه فحكمت بإقلاله وحرمانه، فامتطى غارب الاغتراب، ووقف في البلاد على كل باب، فلم تستقرّ به النوى حتى اتصل من الأمير يحيى بن علي بن القاسم بسبب، فتفيّأ ظلاله وحطّ في رحابه رحاله.
توفي ابن بقي سنة أربعين وخمسمائة.
ومن شعره قوله في قصيدة:
هو الشعر أجري في ميادين سبقهوأفرج من أبوابه كلّ مبهم
فسل أهله عنّي هل امتزت منهمبطبعي وهل غادرت من متردّم
سلكت أساليب البديع فأصبحتبأقوالي الركبان في البيد ترتمي
وربّتما غنّى به كلّ ساجعيردّده في شجوه والترنم
وضيّعني قومي لأني لسانهمإذا أفحم الأقوام عند التكلم
وطالبني دهري لأني زنتهوأني فيه غرّة فوق أدهم
وله:
ولي همم ستقذف بي بلادانأت إما العراق أو الشآما
وألحق بالأعاريب اعتلاءبهم وأجيد مدحهم اهتماما
لكيما تحمل الركبان شعريبوادي الطلح أو وادي الخزامى
وكيما يعلم الفصحاء أنيخطيب علّم السجع الحماما
وقد أطلعتهنّ بكلّ أرضبدورا لا يفارقن التماما
فلم أعدم وإياها حسوداكما لا تعدم الحسناء ذاما
وقال:
بأبي غزال غازلته مقلتيبين العذيب وبين شطّي بارق
وسألت منه زيارة تشفي الجوىفأجابني فيها بوعد صادق
بتنا ونحن من الدجى في لجةومن النجوم الزهر تحت سرادق
عاطيته والليل يسحب ذيلهصهباء كالمسك الفتيق لناشق
وضممته ضمّ الكميّ لسيفهوذؤابتاه حمائل في عاتقي
حتى اذا مالت به سنة الكرىزحزحته عني وكان معانقي
أبعدته عن أضلع تشتاقهكي لا ينام على وساد خافق
لما رأيت الليل آخر عمرهقد شاب في لمم له ومفارق
ودّعت من أهوى وقلت مشيّعاأعزز عليّ بأن أراك مفارقي
ومن موشحاته قوله:
عبث الشوق بقلبي فاشتكىألم الوجد فلبّت أدمعي
أيها الناس فؤادي شغفوهو من بغي الهوى لا ينصف
كم أداريه ودمعي يكفأيها الشادن من علّمكا
بسهام اللحظ قتل السبعبدر تمّ تحت ليل أغطش
طالع في غصن بان منتشيأهيف القدّ بخدّ أرقش
ساحر الطرف وكم قد فتكابقلوب درّعت بالأضلع
وانثنى يهتزّ من سكر الصباأيّ رئم رمته فاجتنبا
كقضيب هزّه ريح الصباقلت هب لي يا حبيبي وصلكا
واطّرح أسباب هجري ودعقال خدي زهره مذ فوّفا
جرّد الطرف حساما مرهفاحذرا منه بأن لا يقطفا
إنّ من رام جناه هلكافأزل عنك أماني الطمع
ذاب قلبي في هوى ظبي غريروجهه في الدّجن صبح مستنير
وفؤادي بين كفيه أسيرلم أجد للصبر عنه مسلكا
فانتصاري بانسكاب الأدمع
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع