من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
فصل (٥)
ومن أهاجيه، التي هي من قسم أفاعيه، قوله في هجاء غلام يباهي بتيهه، ويتلاعب في العالم بتمويهه. فإذا فطن بهوى مغرم، صيَّره هدفاً لكل مغرم.
وكان يرافقه، ولا يوافقه. ويقاربه، لكن يواربه. وهو مغضٍ على قذً، مقيمٌ على أذً. حتى بالغ في هجره، فبلغ نهاية هجره. واتفق للشيخ مجلسٌ رآه فيه يلعب بالنرد، فتعرف إليه، فعامله بالإعراض والرد، فقال:
أنكرتني ذاتُ السِّوارِ الصَّموتِعجباً ما لعرفتي من ثبوتِ
لا بلِ الغانياتُ يعددنَ من أمسكَ من وصلهنَّ حيًّا كميتِ
ومريدٌ من الغواني وفاءًمتدلِّن بشعرةِ العنكبوتِ
لا رعى اللهُ مهجةً علقتْهنَّ ولا أسعِفتْ بفضلِ القوتِ
خفرتْ هندُ ذمَّتي واستعاضتْمن صدوحِ الرِّياضِ بالعفريتِ
لست أنسى يومي بمجتمعِ اللَّهوِ وفكري فيها يُجيد نعوتي
إذ بدتْ في غلالةِ التِّيهِ والعجبِ وبُردِ الجلال والجبروتِ
تتهادى في السِّربِ حتى إذا ماوصلتْ حوزتي أرتنيَ موتي
بتغاضٍ مع التفاتٍ إلى الدُّونِ ومقتٍ ولست بالممقوتِ
ويحها لم تحيِّني بين جمعيلو تحيِّي قلنا لها حيِّيتِ
وتلاهت بالنَّردِ في ذلك المجلسِ خوفَ اتِّهامها بالسُّكوتِ
ثمَّ ولَّتْ وخلَّفتني أعض الكفَّ مستدركَ القضا بعد فوتِ
هندُ قلِّي من التَّجني فلسنامن يراضيه فضلةٌ من فتيتِ
لستِ لاثنين أو ثلاثٍ فنأسىأن تخصِّي بعضاً وبعضاً تفوتي
أنتِ وقفٌ على العبادِ ومن يطمعُ في الوقفِ واجبُ التَّبكيتِ
أتظنِّين أنَّ لي بكِ شغلاًليَ قلبي إن شئتِ ذا أو أبيتِ
إنَّني عفْتُ بيتَ حسنك مأهولاً فأنى وما به غيرُ بيتِ
ليس عندي بعد احتقارِكِ قدريلكِ كفؤٌ غير الطَّلاقِ الثَّبوتِ
لا أسوفاً على جمالِك إن بدِّلَ قبْحاً ومرَّ طعم الشتيتِ
غير أنِّي أسفْتُ أن ضاعَ شعريفيكِ لكنْ ما باختياري حبيتِ
إذ بلائي بمبتلاكِ دعا الفكرَ لأن شادَ فيكِ بعض بيوتِ
آهِ من صحبة العبادِ وآهاًلزمانٍ يمرُّ في تشتيتِ
صدقَ القائلُ السَّلامة في الصَّمتِ كذا الحسنُ في لزوم البيتِ
طالَ ما قد جررتُ ذيل التَّصابيوتناسيتُ غصَّة التفويتِ
لا يظنَّنَ عاقلٌ بيَ ميلاًلمليحٍ مؤانسٍ أو مقوتِ
رفضتْ نفسيَ الهوى خيفةَ الذُّلِ وأن تبتلى برقِّ فليتِ
وهجرتُ المُدامَ ممَّا يؤدِّيلافتضاح القؤولِ والسِّكِّيتِ
واختلاطٍ بغير مرضيِّ عقلٍوانطراحٍ مع قربِ ذي تنكيتِ
فإذا ما ادَّكرتُ أيامَ لهويقلت أيامَ صبوتي لا سقيتِ
لذَّة الحرِّ في اكتسابِ المعاليلاافتراشِ الدُّمى وحسوِ الكميتِ
وله في الغزل:
قاتِلي أنت لا محالَ فأحسِنقِتلة الصَّبِّ سيِّدي بحياتِكْ
أنت في الحلِّ من دمي فأثِبنيعنه تعجيل جنَّتي وجناتِكْ
هبكَ أظمأتَ ناظِري فاروِ سمعيبكؤوسِ العتابِ من لفظاتِكْ
إنَّ حُبِّيكَ قيَّد الفكر حتىعزَّ لو رمتُ وصفَ غيرِ صِفاتِكْ
أيُّ ذنبٍ جنيتُه يوجِب الهجرَ ويُجدي الحِرمان من حسناتِكْ
بحياةِ العيونِ جدْ لصريعٍما رمى قلبَه سِوى لحظاتِكْ
لا بغيرِ الحديثِ يا حاليَ اللَّفظِ ومُرِّ المذاقِ في نَفَراتِكُ
أن لحظَيْكَ عذَّباني ولكنثغرُكَ الجوهريُّ أعذبُ فاتِكْ
ما لجفنيكَ في الخلايقِ تُعزىأوَفي الحسنِ وحَّدوا غيرَ ذاتِكْ
حُسنُكَ الفرد مثل ما فيكَ عشقِيفارْعَ لي نسبتِي لبعضِ سِماتِكْ
من تجنِّيكَ ما برحتُ طريحاًومُصابي من جفنِكَ المتهاتِكْ
خلِّني يا عذولُ إن بسمعيصمماً لا أعِي إلى فشْراتِكْ
أنا من جادَ بالسُّلوّ لمن لامَ وبالنَّومِ للعيونِ الفواتِكْ
أنا من قالَ للعذولِ مليَّاًانجُ عنَّا فما لنا في بناتِكْ
يا عيوناً خامرنَ قلبيَ رِفقاًلست أصحو ما عشتُ من سكراتِكْ
ليَ قلبٌ يروي حديثَ سَقامِيوصحيحَ الغرامِ عن كسراتِكْ
فإلى كم تلك الأماني الكذوبات تعنِّي الأطماعَ في ترَّهاتِكْ
كن كما شئتَ إنَّ قلبيَ جلدٌلركوبِ الأخطارِ في مرضاتِكْ
حلَّه الحبُّ وهو خلوٌ وتكليفكَ ما لا تطيق نزعُ جِهاتِكْ
ومن غرره البديعة قصيدته الحائية، التي مدح بها آل البيت، وتخلَّص فيها لمدح بعض الأمراء. ومستهلها:
مهبَّ الصَّبا حيَّتكَ غرٌّ طوافِحُسوافِر بالفيضِ العميمِ سوافِحُ
تتوِّجُ منك الهضْبَ تاجاً كأنَّماحبتْهُ بأنواعِ النُّقوشِ القرائحُ
فإنَّ الصَّبا فوجٌ لها عند من صباأيادٍ كما شاء الغرامُ وضائحُ
تفتِّحُ أقفالَ القلوبِ كأنَّماسراها لأسرارِ القلوبِ مفاتحُ
وتعبثُ بالأشواقِ تبعثُ ميتهافما هي للأرواحِ إلا مراوحُ
تقدُّ قميصَ السُّحبِ عن منكبِ الفضاسحيراً فتقضي وهيَ نعمَ المصابحُ
مؤدِّيةً أسرارَ عرفٍ تعرَّفتلأهليه في ذاك الأداءِ مصالحُ
قريبةُ عهدٍ من مواطن جيرةٍمواطئهم في الرَّقمتينِ الجوارحُ
لذلك أرجو أن تهبَّ ندِيَّةًمعطَّرةَ الأردانِ مما تصافِحُ
على أن واديها المقدَّسَ في غنًىعن الطِّيبِ مما طيَّبتهُ الضرائِحُ
مشاهِدُ فيها من دمِ الشهداءِ مايطلُّ منهُ نافجَ المسكِ نافِحُ
معاهدُ لم يحْفظ بها عهدَ أهلِهاعصابةُ سوءٍ قد كستْها المفاضِحُ
تعدوْا حدود اللهِ في آلِ أحمدٍفآلوا بخزيٍ ليس عنه مسامِحُ
ولم يكُ إلا لعنةَ اللهِ كسبُهمبصفةِ خسرٍ خابَ فيها المرابِحُ
ليحرِز سبَّاقُ السَّعادةِ شأْوهاويُمحض للأشقى الشَّقا والفضائِحُ
قضاءٌ له حكمُ الإرادةِ واضِعٌبه جفَّتِ الأقلامُ والأمرُ واضِحُ
ألا عدِّ عمَّا يصدعُ القلبَ ذكرُهويُذكِي تباريحَ الأسَى منه بارِحُ
وإنِّي وإن موَّهتُ عنه فإنَّنيحليفُ جَوًى مما تجنُّ الجوانِحُ
ولكن لنا فيمن مضى أسوةُ الهوىإذا ما ورَى زندٌ من الوجدِ قادِحُ
سقى صيِّبُ الرِّضوانِ أرضاً بنورِهاتنير على صاحِي السَّماءِ الصَّحاصِحُ
مراقِدُ مثوى العلمِ والحلمِ والحياوكلِّ حميدٍ ما اهتدتْهُ المدائِحُ
رياضُ الرِّضى مغنى الغنى منتدى النَّدىجنانُ الجناحيثُ المنى والمنائِحُ
يميناً بهم لولا ممرُّ الصَّبا علىمضاجِعهم ما طابَ منها المصافِحُ
هم السَّادة الطُّهرُ الذينَ بحبِّهمْأدينُ إلهي يومَ يربحُ رابِحُ
وهم عمدتِي في كلِّ كربٍ وعدَّتيإذا ما غزى صبرِي الزَّمانُ المكافِحُ
ولي من سَنا آثارِهم كلَّما دجىعليَّ ظلامُ الموبِقاتِ مصابِحُ
وحاشا جنابَ الأكرمِين يضيعُ منلأعتابِهم قد طوَّحتهُ الطَّوائِحُ
وإنِّي لمن والاهمُ لمحاسِنٌوإنِّي لمن عاداهمُ لمقابِحُ
ولستُ بمن وافاهمُ المدحَ حقَّهوعذري وقد قصَّرتُ فيهِ لواضِحُ
وإني لفكرٌ أعْقمتْهُ همومهُوأصمتْهُ أصداءُ الزَّمانِ الفوادِحُ
يقومُ مقاماً تخرسُ الفصَحاءُ عنْعُلاهُ فكيفَ الأخرسُ المتفاضِحُ
ولكنَّني أرجو المفازَ ولو بأنيُشاعَ مجازاً أنَّني الآلَ مادِحُ
وحسبِي حُبٌّ للنبيِّ وآلهِومن قد أحبُّوهُ ولستُ أُكاشِحُ
وممَّا اقتضاني حبَّهم حُبُّ ذي علاًيطارِحُني ذِكراهمُ وأطارِحُ
محبُّ حبيبي موطنٌ لمحبَّتيوإنِّي لهُ خلٌّ صدوقٌ مناصِحُ
هو الأروعُ اللَّيثُ الذي حشو ثوبِهوقارٌ تغُضُّ الطَّرف عنه الملائِحُ
همامٌ يعيدُ الهمَّ رؤيةُ وجهِهِوليلٌ لوحدانيةِ اللهِ راجِحُ
أغرُّ يُريك النُّجحَ مهما لحظتَهُأساريرُ منها كوكبُ السَّعدِ لائِحُ
إذا سمعتْ أذنٌ بأوصافِ مجدِهِتقولُ غلوٌّ بالِغٌ وتسامِحُ
وحتَّى إذا ما عانيتْ منه سبَّحتْوقالت نعم في قدرةِ اللهِ صالِحُ
رأيتُ علاهُ فامتلأتُ مهابةًومن يلقَ ليثاً فهو لا غَرْو جامِحُ
وقد ظلتُ لمْ أسطِع جواباً وأنَّ ليلعضبُ لسانٍ تتَّقيهِ الجوارِحُ
كأنَّ مِدادي حينَ أرقمُ مدحَهُغوالِي الغوانِي والرَّويَّ الرَّوائِحُ
عجِبتُ لأقلامِي سعتْ في مديحِهعلى رأسِها جرياً بما هو سانِحُ
وقد طالَ ما استنْهضْتُها لِمُلمَّةٍفأعيتْ طِلابي وهي ثكلَى بوارِحُ
ولا غروَ أن تسعَى لمخدومِها الذيجميعُ مساعِيها لديهِ نواجِحُ
فديتُكَ يا ابن الأكرمينَ ومن بهِخُزاعةُ لم يرجَع عليها مراجِحُ
حنَانيْكَ إذ كانَ الجيوشُ تهابُ منلقائِكَ فاغذُر عاجِزاً يتكادَحُ
وأيُّ لسانٍ لا يَكَلُّ حديدُهُلدَى ذَرِبٍ ينبو لديهِ الصَّفائحُ
على أنَّني للشِّعر كنت محارباًولم ألقَ فيما بيننا من يُصالِحُ
وقد كنتُ أبوابَ القريضِ غلقْتُهاإلى أن أتتْها من يديكَ الفواتِحُ
ومن لم يكن في مثلِ مجدِك شاعِراًعصَتْهُ القوافِي واعتصتْهُ الفرائِحُ
ولستُ بمن يختارُ لُبثاً بغيرِ مامُقامِكَ لولا أفرُخٌ تتصادَحُ
تُسائِلُ عنِّي من يروحُ وتغتديسُؤالَ شجِيٍّ دمعُهُ يتسافَحُ
وأنت خبيرٌ أنَّ تلك علاقةٌتسُدُّ على الوحشِ الفضا وهو سارِحُ
ولو كان لي من فارِه الفحلِ مركبٌأُغادي به مغناكمُ وأُراوِحُ
لما قعدتْ بي عن حماكِم عزيمةٌولا اطَّرحتْني من سِواكَ مطارِحُ
ولي نفسُ حرٍّ تأنفُ الذُّلَّ لو أتَىلها بقرابِ الأرضِ مما يشاحِحُ
تألَّفتَها باللُّطفِ حتَّى تألَّفتْوحنَّت إليكم والدِّيارُ نوازِحُ
وحتَّى إذا وافتْك وافتْ مهذَّباًيُعيدُ رواءَ الدَّهرِ والدَّهرُ كالِحُ
حليماً لدى البأساءِ قُطبَ رحى الوغىرزينَ الحجا لا يزدَهيهِ ممازِحُ
بصيرٌ بتدبيرِ الخُطوبِ كأنَّماذكاهُ بأعقابِ الأمورِ يصارِحُ
له منطقٌ يستنزِنُ العُصمَ في الرِّضاوفي الباسِ رُسلٌ للمنايا فواضِحُ
فطبْ عمر الثَّاني بسرتِكَ التيبها كلُّ محزونٍ من الجورِ فارِحُ
إليكَ أتتْ رعبوبَةُ الحسنِ غادةٌلها من بديعِ المكرُماتِ وشائحُ
وبلقيسُ حسنٍ في منصَّةِ عرشِهابلابلُ أفنانِ الفنونِ صوادِحُ
شهودٌ بأنِّي في البلاغةِ واحدٌكانتْ علاً كلٌّ بمعناه طافِحُ
عسى هزَّةٌ أريحيَّتكَ التيتناشدَها الرُّكبانُ غادٍ وارئِحُ
تعلِّم من جاراكَ في حلبةِ العلىتلقِّيَ وفدِ الفضلِ أنَّى يُصافِحُ
ودُمْ وابقَ واسلمْ غصنَ مجدٍ يهزُّهأغاريدُ مُدَّاحِ العُلى والمدائِحُ
ومن غزلياته الرقيقة، التي هي الخمر على الحقيقة، قوله من قصيدة، مطلعها:
لحظاتٌ لا تحامِي القَوَداقد تناهبنَّ الحَشا والكبِدا
منها:
يا لِحاظاً نستلذُّ فتْكهالا عدِمنا عضبك المجرَّدا
دونكِ الصَّبرَ احطمي جنودَهُواجعلي شملَ السُّلوِّ بددَا
وامنعي ورداً ووِرْداً للحَياوالحياةِ ما انجنى أو وردا
يا مهزَّ الغصنِ من عِطفيهِ ملْواعتدلْ لم تلقَ من قال اعتدى
يا مناطَ القُرطِ من نغنُغِهِقد تركتَ الظَّبيَ يجري في الكُدى
كيف للظَّبيِ بفرعٍ فاحمٍزانَ بالتَّصفيفِ جيداً أجيَدا
مذ غدا المِحرابُ من حاجِبهقبلةً خرَّتْ جُفوني سجَّدا
هكذا الحُبُّ وعِزُّ شأْنِهِصنعَةَ اللهِ تعالى مُوجِدا
مالِكي بالحسنِ والحُسنَى احتكِمْحقَّ أن تُضحِي لمِثلي سَيِّدا
إنَّ من كنتَ له مولًى فقدْعاشَ يا مولايَ عيشَ السُّعَدَا
صبَّحَ اللهُ بكلِّ الخيرِ منْكان مرآكَ لعينيهِ ابتدَا
أنت رُوحي فإذا ما غبتَ عنْناظِري فارقَ روحِي الجَسدَا
وله يودع بعض إخوانه:
حيَّاكَ عهدَ الحبيبِ عهدُأوطفُ جفنِ السَّحابِ وِرْدُ
بعدَك ما جفَّ من جفونيدمعٌ ولم يجْفُهنَّ سُهْدُ
كأنَّما كان للَّياليدُيونُ بينٍ وحانَ وعدُ
يا ليتَ مذ فرَضتْ بِعاداًسَنَّتْ وَداعاً غداة تبدُو
أستودِعُ الله من جَفانيضَرورةً وهوَ لي يَوَدُّ
سارَ بقلبي حماهُ ربِّيولم يقُل كيف بعدُ تغدُو
حداهُ أنَّى انتحَى فلاحٌوقادَهُ للنَّجاحِ رُشدُ
وما عليهِ بِذاكَ عتبٌإرادةُ الله لا تُرَدُّ
وله في الغزل:
ما الذي أوجبَ صدَّكْولِما أخلفتَ وعدكْ
ألِشُغْلٍ دُنيويٍّأم عذابِي كانَ قصدكْ
أم دلالٍ أم تجنٍّأم قرينُ السُّوءِ صَدَّكْ
وعلى أيَّةٍ حالٍأسعدَ الغُفرانُ جدَّكْ
بالذي ولاَّكَ رِقِّيسيِّدي لا تنسَ عبدَكْ
أنا في قُربٍ وبُعدٍحافظٌ تالله عهدكْ
وفؤادِي حيثُما منْتَ وأيمُ الله عِندَك
لطفُكَ المعهودُ خَلاَّنِي أسيراً لكَ وحدَكْ
هل من الإنصافِ إقصاءُ الذي ينظِمُ قصدَكْ
حاشَ ألطافَكَ من أنْتمنعَ الظَّمآنَ وِردَكْ
أنا من شادَ كما شاءَ التُّقى والصَّونُ وُدَّكْ
كم خلَوْنا والمروءاتُ وَشَتْ بُردِي وبُردكْ
وعفافُ الذَّيلِ قد طوَّقَ جِيدَ الصَّبِّ زِندَكْ
هكذا نحنُ فظُنَّ الخيرَ يا سائلُ جُهدَكْ
أنا من يتْبَع غيَّ الحبِّ فاتبعْ أنت رُشدَكْ
وله:
إليك يا ابن أبي عنِّي نصيحةَ منيدُ التَّجاربِ قامتْ عنه بالأودِ
إيَّاك صحبةَ غير الجنْسِ ما بشَرٌيقوَى لأنْ يجْمَع الضِّدَّينِ في جسدِ
وله:
حيِّي وجهاً إذا سفرْأخجلَ الشمسَ والقمرْ
ومُحيًّا له الحياوخدوداً لها الخفَرْ
وقدوداً إذا انثنتْظَلتُ أثني على القدرْ
ومهاً في جفونِهاعالِمُ السِّحرِ قد مهرْ
يستفزُّ الحِجابِلاحاجَةٍ لِسوى النَّظرْ
وظِباءً ظِباؤهاليس تُبقي ولا تَذَرْ
غازلتْني بغزوِهاثمَّ ولَّتْ على الأثرْ
ودَّعتني وأودَعتْجفنِيَ النَّوحَ والسَّهرْ
وتباكتْ وقدْ بكيتُ وعند الهوى الخبرْ
ساجياتِ الجُفونِ لاتتَّخِذنَ البُكا سُتُرْ
لستُ فيكُنَّ لابِساًمن غرامي على غِررْ
ليس مَن دمعُهُ حَياًمثلَ من دمعُه حَذَرْ
أينَ دمعُ الدَّلالِ منعَبرةِ الهمِّ والعِبرْ
غيَّرَ الكُحلُ لونَ ذاواستحالتْ بذا الغِيَرْ
ليسَ من قلبُهُ قسَاكالَّذي قلبُه انفطرْ
ليس من باتَ هاجِعاًمثل من نَومَه هَجَرْ
ومن الفرشِ والوَسائدِ يُسْتثبتُ الخَبَرْ
وله:
أطالتْ وقالتْ من تصبَّرَ يظفرُفديتُكِ لكن مدَّةُ العمرِ تقصرُ
ففي كلِّ قُطرٍ غُربةٌ وتستُّتٌوفي كلِّ عصرٍ حُرقةٌ وتحسُّرُ
يخيَّل لي في كلِّ قفراءَ أنَّمابها الآلُ أشراكُ الهوانِ فأُقصِرُ
أهجِّرُ منها حيثُ تستعِرُ الحصاوتصخبُ حِرباءُ الهجيرِ وتزفِرُ
وحتَّى إذا شمسُ الأصيلِ تقنَّعتْحِداداً على فقدِ النَّهار أُشمِّرُ
فاختَبِطُ الظَّلماءَ أحسبُ أنَّهامسافةُ خطٍّ بالخُطى تتقصَّرُ
ولو أنَّ لي فيك التِفافَ مودَّةٍلما كنتُ أطوِي في البلادِ وأنشُرُ
وله:
الأهمَّ الأهمَّ إن كانَ لا بدَّفإنَّ الزَّمانَ فينا قصيرُ
لا تُضِعْ فرصةَ الحياةِ فما للعمرِ حيثُ انتهى مداهُ مُعِيرُ
وله:
ألا قلْ لمن أبدى اعتذاراً وقد أبىزِيارتنَا والرَّيبُ في ذلك العُذرِ
عليك أمانُ الله ما دمتَ عندَنامن القتلِ والتَّشليحِ ثمَّ فلا أدري
وله:
إذا كان فقرُ المرءِ يُزري كمالَهُفتنفِرُ منه الأصدقاءُ بلا عذرِ
فيا ضيعةَ الحُسنى ويا خيبةَ الرَّجاويا موتَ زرْ إنَّ الحياةَ على خُسرِ
وله:
أسفٌ يردَّدُ بالنفسِومدامِعٌ لا تُحتبسْ
وصبابةٌ من وقدِهانارُ الجوانِحِ تُقتبسْ
شوقاً إلى من بعدُهمْلم يبقِ لي إلا نفسْ
وشتاتُ شملِي عنهمُقد سلَّ روحي واختلسْ
صبراً لدهرٍ ما ابتسمْتُ تجلُّداً إلا عبسْ
وله، ويخرج منه اسم إبراهيم بطريق التعمية:
إنَّ رقيباً صدَّ من نعشقهُعنَّا وآذانا بلا تحاشِي
راحَ بِلا عاقبةٍ محمودةٍإذ حال بين الماءِ والعِطاشِ
وله:
تولَّى زمانِي بالتَّلاعبِ وانقضىوحبل شبابي بالمشيبِ تنقَّضا
أُراقِبُ لمحاً من سهيلِ مطالبيوأرصدُ برقاً من أمانيَّ أومَضَا
يخيَّلُ لي أنَّ الدُّجى وجهُ باخِلٍوكفَّ الثُّريَّا للسُّؤالِ تعرَّضا
فآنفُ من نيلِ الغِنى بمذلَّةٍوألوي عِنانَ القصدِ عنه مفوِّضا
وأعيَ طِلابي من زمانيَ صاحِباًيكون لحالي بالوفاءِ منهِّضا
فأيْقنتُ أنَّ الخلَّ أفقدُ ثالثٍمع الغولِ والعنقاءِ في قولِ من مضى
وقد صحَّ عندي أنَّما الخلُّ خلَّةٌأرومُ لها سدَّ الكفافِ مع الرِضا
إذا قطع الإنسانُ أطماعَ نفسِهمن النَّاس كان اليأسُ أهنا معوِّضا
هناك يكونُ المرءُ بالله مقبِلاًعلى شأنِه ما إن يكلُّ له مضا
فذاك الَّذي بالعقلِ صحَّ اتِّصافُهومن لا فلا والله بالِغ ما قضى
وله:
قبل التغزِّلِ مني فيه كان لهبعض التفاتٍ إلى حالي وقد مُنِعا
أمنتُ فيه من الأغيارِ فانتدبتْللمنعِ بنتُ لساني ليت لو قطعَا
يا ربِّ حتَّى أنا ساعٍ على تلفيما ذاك إلا لسوءِ الحظِّ قد وُضعا
وله:
أيُّها الغاصبُ قلبيخلِّه منك وديعهْ
لا تكنْ ضامنَ في الغصبِ بإتلافِ القطيعهْ
وله، وقد أجاد:
يا بعيدَ الغورِ من خصرٍ عفا لولا المعاطِفْ
وبعيدَ القرطِ من مَعقِدْ أطرافِ المطارِفْ
أعمودُ الصُّبح ما أطْلَعْتَ من طوقِ المناشفْ
أم بدا معصمُ كفِّ البرقِ للأبصارِ خاطفْ
أم طلا ظبيٍ مراعٍمسرعِ اللَّفتاتِ واجفْ
يا قضيباً من لجينِ اللُّطفِ نامٍ في حقائفْ
بات يُسْقى صَيِّبَ الدُّلِّ فأضحى وهو وارفْ
إن عَرى من حُلَلِ الخَزِّ اكتسى حُللَ اللطائفْ
دارَ هِميانكَ هَيْماناً لأخبارِ المراشفْ
ولقد طالَ المدى فانعَمْ بإرسالِ السَّوالفْ
قلت: هذا شعر أبهى من إرسال السوالف، وأشهر من ذكر الليالي السوالف.
وله إلى معذرٍ طرزت حاشيتا خديه بالقلم الريحاني، وغرزت صحيفتا وجنتيه بالطراز السبحاني:
هذا طرازُ الملكِ يحلووله لواءَ الحسنِ يعلو
فنواطقُ الأرواحِ آياتِ الصَّبابةِ فيه تتلو
نسخَ العُذارُ بخطِّهِعذرَ السلوِّ فكيف نسلو
عجباً لجمرٍ منه يصْلى القلبَ دبَّ عليه نملُ
ولِعقربٍ من عنبرٍحامتْ على وردٍ يُطِلُّ
ولِحُمرةٍ فيها تولَّدَ من حظوظِ الصَّبِّ شكلُ
وحِقاقِ ياقوتٍ عليهِ من الزُّمرُّدِ صيغَ قُفلُ
إنَّ الجمالَ الصَّرفَ معنًى عن تعلُّقه يجلُّ
أستغفرُ الله العظيمَ توهُّمُ الأفكارِ شغلُ
هذي طلاسِمُ قدرةٍلِلُجينِ كنزٍ فيه لَعْلُ
بل ظلُّ أهدابٍ شخصْنَ وفي مرائي الحسنِ صقلُ
فغدا صفاءُ أديمِهالخيالِ ذاك الظِّلِّ يجلو
وله في الغزل:
ملْ فإنِّي لميلكَ المُستميلِمتلَقٍ على مَراحِ القبولِ
وعجيبٌ ميلُ الغصونِ إلى نحوِ مهبِّ الهوى بغيرِ مميلِ
لكنِ الميلُ بانجذابِ هوى النَّفْسِ أبيُّ الزَّوالِ والتَّحويل
حبَّذا ميلةٌ خلستْ بها القلْبَ اختلاسَ الشَّمولِ حُرَّ العقولِ
معطفٌ عاطِفٌ وجيدٌ مجادٌوالتفتٌ يسبِي بطرفٍ كحيلِ
وطُلاً واضحٌ ولفظٌ خلوبٌينفثُ السِّحرَ في خلالِ المقُولِ
وبروحي إذا تغاضبتْ والمبْسمُ يفْترُّ عطفٍ ومنعةٌ في نكُولِ
هكذا هكذا تبارَك من أوْدَعَ في ذا الجمالِ كلَّ جميلِ
وله:
بِروحي الذي أشقى العيونَ ارتِقابهُوأخرجَ عن حدِّ التَّعادلِ أحوالي
تمثِّلُه الأشواقُ لي فإذا أرىمليحاً على بعدٍ تظنَّاه بَلْبالي
فاقصِدْهُ قصدَ العِطاش توهَّمتْشراباً فمذ دانته إذ هو بالآلِ
فصرت بحالٍ لو أراهُ حقيقةًنكِرتُ على عيني وكذَّبتُ آمالي
وله بتهنئة بختان:
الغصنُ يُحذَمُ باقتِضابِ فواضلٍمنه لينمو في الرِّياضِ ويَحمِلا
وكذاك أقلامُ الكمالِ لِبريِهاتعنو لها سمرُ الرِّماحِ تمثُّلا
والشَّمعُ لا يزهو ويُزهِرُ نورُهاحتَّى تَقُصَّ من الذُّبالةِ مُرسَلا
تناول هذا من قول محمد بن قاسم الحلبي، من تهنئته بختانٍ، يقول فيها:
هو الشَّمعُ إن قُطَّ لا غروَ أنأنارتْ به حالكاتُ اللَّيالي
وظُفرٌ بتقليمهِ لا يزالُأكفُّ المكارمِ منه حوالِ
وتشميرُ ذيلٍ لدى الاستِباقِلنيلِ الأماني وكسْبِ المعالي
وما لليراعِ إذا لم يقطَّفضلٌ يُعَدُّ على كلِّ حالِ
ومن بعد بريِ الغصونِ ازدهتْعليها أسِنَّةُ سمرِ العوالي
وإن كان سبقه في البعض ابن فضل الله، في ختان النَّاصر:
لم يروِّعْ له الختانُ جَناناًمذ أصابَ الحديدُ منه حديدا
مثلما تنقصُ المصابيحُ بالقطِّفتزدادُ في الضِّياءِ وقودا
وكذلك الصنوبري في قوله:
أرى طُهراً سيثمِرُ بعدُ عرساًكما قد تثمِر الطَّربَ المُدامهْ
وما قلمٌ بمغنٍ عنكَ إلاإذا ما أُلقِيَتَ عنه القُلامهْ
ومن الفصول المطربة في هذا الباب، فصلٌ للقاضي الفاضل: الحمد لله الذي أطلعه بثنيات الكمال، وبلَّغه غايات الجمال، ويسَّره لدرجات الجلال، ونقَّله تنقُّل الهلال، وشذَّبه تشذيب الأغصان، وهذَّبه تهذيب الشُّجعان، وأجرى فيه سُنةً سن لها الحديد، فنقصه للزيادة، واستخلصه للزيادة، ودربه للاصطبار، وأدَّبه للانتصار، وألقى عنه فضلةً في اطراحِها الفضيلة، وقطع عنه علقةً حقُّ مثلها ألا تكون بمثله موصولة.
فلم يزل التَّقليمُ منوِّهاً بالأغصان، ومنبِّهاً للثَّمر الوسنان، ومبشِّراً بالنَّماء، وميسِّراً للنَّشوِ والانتشاء.
ولطرز الريحان مضمِّناً بيت الأمير المنجكي:
عجبتُ من طالِعِ المحبِّ ومنسرعةِ إكذابِ بأسهِ الأملا
إن زارهُ من يحبُّ عن غلطٍأتاهُ كابوسُ يقظةٍ عجِلا
كأنَّه طارقُ المنونِ فلاحيلةَ في دفعهِ إذا نزَلا
أو الغريمُ الملِحُّ في زمنِ العُسرِ أو الدَّاءُ صادفَ الأجَلا
ثقيلُ روحٍ يزورُ في زمنٍلو زار فيه الحبيبُ ما قُبِلا
يقول إيهٍ وقدْ وجمتُ ومَنينطقُ أو من يطيقُ محتمِلا
يسألُ ما تشتكي فقلتُ لهُداءٌ عرانِي فقال لا وصَلا
فقلتُ آمينَ يا مجيبُ أزِلْما نشتكيهِ فإن يدمْ قَتَلا
يا ليتَ لو أنَّه استُجيبَ لنادعوتنا تلك والمكانُ خَلا
لم يحُلْ بل ضاعَ وقتُنا هَدَرَاًوملَّ منَّا الحبيبُ وارتحلا
وله، متغزِّلاً:
أبُنَيَّ لا أُعدِمتُ فضلكْوأدامَ لي مولايَ ظِلَّكْ
يا جامِعاً شملَ البَهالا فرَّقَ الرَّحمنُ شملكْ
أفدِيكَ لم ترَ في الهوىمثلِي ولا أبصرتُ مِثلكْ
حاشَا طِباعكَ والوفامن أن تَمَلَّ وأن أمَلَّكْ
وكُفِيتَ نزْغاتِ الوُشاةِ وجلَّ قدرُكْ أن تُزِلَّكْ
كم ذي جمالٍ باهرٍلم أرضهُ ليديرَ نعلكْ
ومُمَنَّعٍ في الحسنِ ليسَ إلى وصالٍ منه مسلكْ
أمسَى يعرِّضُ نفسهُليحلَّ من قلبي محلَّكْ
هيهاتَ ما للرُّوحِ منبدلٍ ولو أوسعتَ بذلكْ
ها أنت روحي ليسَ بُدٌّمنكَ دعْ من شاءَ يهلكْ
بحياةِ ما بيني وبينكْ لا تُضِعْ يا خِلُّ خِلَّكْ
أسفي على زمنٍ يضيعُ ولم أُشاكِل فيه شكلكْ
عيناكَ قد نصبتْ علىكنزِ المحاسنِ منكَ مهلكْ
فبحقِّها لا ترمِ منلحظاتِها لِسواي نبلكْ
إنِّي أغارُ إذا بغيرِ حشاشتي أغمدَتْ نصلكْ
يفديكَ كلِّي لا تملْلمماذِقٍ في الودِّ كُلَّكْ
وانظر بعينِ العدلِ تعلمْ من هداكَ ومن أضلَّكْ
ومن اجتلاكَ لأجلِ لذَّةِ مشتهاهُ ومن أجلَّكْ
قسماً بِمعناك الذيمنِّي تملَّكَ ما تملَّكْ
لولاك لم أكُ قائِلاًشعراً قلاهُ القلبُ قبلكْ
فكِّر بكاساتِ الخطوبِ لعلَّ تطمعُ أن يُعِلَّكْ
إنِّي وأحوالُ الشَّبابِ تحوَّلتْ والدَّلُّ دَلَّكْ
لكنَّ ميلي للجمالِ طبيعةٌ والطَّبعُ أملكْ
ويصوغُ مجهودُ القريحةِ ما حِسابُ الشَّوقِ فذلكْ
إن رمتَ إرجاعَ الفوائتِ قال ضيقُ الوقتِ من لكْ
فأقولُ للقلبِ اقتنِعْبالطَّلِّ لستَ تطولُ وبلكْ
وأبيكَ لو أمليكَ بعضَ أليمِ ما أخفي أُملَّكْ
لكنَّني أجزتُ خيفةَ أن تقولَ أطلتَ فضلكْ
وبسطتُ عذري في هواكَ عساكَ تقبلُه وعلَّكْ
وله هذه القصيدة في الغزل، وهي أشهر شعره:
نفسٌ أمانيها تعلِّلهاتُعلِّلها تارةً وتُنهلها
ولوعةٌ في الضلُّوعِ أصعبُ مايُذيبُ صلدَ الحجار أسهلها
غداةَ بانوا فلا وربِّك ماظننتُني في الرِّكاب أُثقلها
رفقاً بها حاديَ المطيِّ ففيخلبِ فؤادي تدوسُ أرجلها
وفي سبيل الغرام ليَ كبدٌتبيتُ أيدي النَّوى تململها
تعلةٌ للمنونِ قائدةٌآخرُها كاذبٌ وأوَّلها
أساورُ النَّجمَ أبتغي قصراًلليلتي والجوى يُطوِّلها
وليتَ ساجي اللِّحاظِ يرحمُ منيبيتُ من أجلهِ يدمِّلها
الله في ذمَّةٍ أضعتَ وفيحشاشةٍ ملَّها معلِّلها
أما وجفنيكَ والفتورِ وماأورثَ جسمي ضنًى مذبَّلها
وأسهمٍ قد أراشها حورٌتقصدُ حبَّ القلوبِ أنصلها
لمهجتي في هواك تكبرُ أنيصدَّها ما يقولُ عذَّلها
إلى ما تقضي وفي الحشا حرقٌلا تستطيعُ الجبالُ تحْملها
صبابةٌ إن أردتُ أجملهالديكَ ذلُّ الهوى يُفصِّلها
أوجمُ تالله مذ أراك فقدأعجزُ عن كلمةٍ أحصِّلها
ومنطقي فيك عن فصاحتِهيعودُ سحبانُ وهو باقلُها
وهذه حالةُ الكئيبِ ولوْجحدتَها ما أظنُّ أجهلها
تركتَني واستعضْتَ عنِّي منأخفُّ ألفاظِه أثاقِلُها
أعدَمني الله في الهوى فِئةًثناكَ عن وُصلتي تقوُّلُها
هم أشربُوا طبعك القساوةَ هلْتراكَ يوماً لِلُّطفِ تُبدِلُها
أما عرفتَ العفافَ من دَنِفٍمداخِلُ السُّوءِ ليس يدخلُها
يأنفُ بالطَّبعِ كلَّ فاحشةٍمذاهِبُ الشَّرعِ ليس تَقبلُها
غُذي لِبانَ الهوى على صِغرٍفهو لأهلِ الشُّجونِ موئلُها
إن راحَ يحكي صبابةً خضعتْلهُ القوافِي ودان مُشكِلُها
يعلِّمُ النَّوحَ كلَّ ساجعةٍفهو صدى دَوحِها وبُلبُلُّها
ويحَ قلوبِ المتيَّمينَ إذاتصرَّمتْ في الهوى حبائلُها
أفديكَ يا قاتلِي بلا سببٍقتلةَ مُضناكَ من يحلِّلُها
أصبحتُ شيخَ الغرامِ فيك ويارِوايةً أدمُعي تسلسِلُها
وفيكَ حلوَ الشبابِ مرَّ ولمْأفُزْ بأمنيةٍ أُؤَمِّلُها
وفيكَ لَعمرُ الهوى رِضاكَ فإنعزَّ فيها خيبةً أنازِلُها
تالله لو شاهدتْ عيونُكَ ماألقاهُ سحَّتْ وجادَ وابِلُها
عساكَ تحنو لِمن مطامِعُهعليكَ دونَ الورى معوَّلُها
وكمْ ليالٍ سهِرْتُهُنَّ وليرامِحُها سامرٌ وأعزلُها
ومِفرَشي وسطَ كلِّ مسْبِعةٍقتادُها والوِسادُ قنقَلُها
وليسَ إلا هواكَ يؤنِسُنيبصورةٍ منكَ لي يُمثِّلُها
أما كفا يا ظَلومُ ما فعلتْغَزاةُ جفنيكَ لي وغُزَّلُها
ولستُ أشكوكَ بل يَلَذّ لمنتولَّهتْ نفسُه تذلُّلُها
فأنت عندي ولو هدرتَ دميخَير ولاةِ الورى وأعدَلُها
وإن توارتْ شموسُ حُسنِكَ عننواظِري فالفؤادُ عاقِلُها
وإن تناءتْ ركائِبي ودنتْرسائِلي فالرِّياحُ تنقُلُها
فاسلم ولا تكترثْ بحُرقةِ ذينفسٍ أمانيها تعلِّلُها
وله:
هو الحبُّ أبحاثُهُ مشكلُهُوكم نظرٍ ضلَّ في مسألَهْ
ومن يستدِّلُّ بغيرِ العفافِعلى طرقِ الحبِّ لن يوصلَهْ
وما القلبُ قلبي إن عاقهُمعيقٌ عن الحبِّ أو أشغلَهْ
ولا العمرُ عمرٌ إذا لم يكنْبه الوجدُ آخِرهُ أوَّلَهْ
سقى الله ريعانَ صبوِي بمايرنِّحُ منه غصونَ الولَهْ
وأكثرَ في كلامِ الحسودِوخيَّبهُ في الذي أمَّلَهْ
يُعيبُ الصَّبابةَ من لا يرى الصَّبابَة والنُّسكَ غير البلَهْ
ولا عيبَ في الحبِّ إلا نحافةُ الطَّبعِ والرِّقَّةُ الحاصلَهْ
ومن كانَ عن ذاكَ في معزِلٍفغيرُ ملومٍ إذا أهملَهْ
وحسبُ المباشِرِ أمراً من الفضيحةِ فيه بأن يجهلَهْ
ألا حدَّدَ الله نَبلَ الزمانِ ولله راميهِ ما أنبلَهْ
كحيلُ العيونِ مثيرُ الفتونِدليلُ المَنونِ إلى المقتلَه
وله:
ملكتمْ زمامَ الرُّوحِ ثم قضيتُمبرحلةِ جسمي فاسمحوا بِخالِكمْ
عقلتُمْ عُرَى عقلي وقلتم تجاهُلاًكأنَّ به جذباً نعمْ بحبالِكُمْ
وله:
عَنِّي إليكمْ بني هذا الزَّمانِ فقدعاهدتُ قلبي أن لا رامَ وُدُّكُمُ
أباحكُم بيتَ ودٍّ كان تصدِيةًصلاتُكم عندَه فالآنَ صدَّكُمُ
وله، ويخرج منه اسم عمر، وعمرو، بطريق التعمية:
بدْر كستْ شمسُ الطُّلا وجهَهُحُسناً وأغفى جفنهُ وابتسمْ
فقلتُ نبِّهْ عمراً واعتلِقمنه نطاقَ الخصرِ عقداً ونَمْ
قوله: نبِّه عمراً ونمْ هذا كالمثل.
قال ابن مكرم في مختصر الأغاني في ترجمة بشار: كان أبو الوزير مولى عبد القيس من عمال الخرج، وكان عفيفاً بخيلاً، فسأل عمر بن العلاء، وكان جواداً شجاعاً، في رجلٍ، فوهب له مائة ألف درهم.
فدخل أبو الوزير على المهدي، فقال: يا أمير المؤمنين، إن عمر بن العلاء خائن.
قال: ومن أين علمت بذلك؟ قال: كلَّمتُه في رجلٍ كان أقصى أملِه ألف درهم، فوهب له مائة ألف درهم.
فضحك المهدي، وقال: كلاكما عمل على شاكلته، أما سمعت قول بشارٍ فيه:
إذا دَهمتْكَ عِظامُ الأمورِفنبِّه لها عمراً ثمَّ نمْ
فتًى لا يبيتُ على دِمنَةٍولا يشربُ الماءَ ألا بدَمْ
وقول أبي العتاهية:
إنَّ المطايا تشتكيكَ لأنَّهاقطعتْ إليكَ سباسِباً ورِمالا
فإذا وردنَ بنا وردنَ خفائِفاًوإذا صدرنَ بنا صدرنَ ثِقالا
أوَليس هو الذي يقول أبو العتاهية فيه:
يا ابنَ العلاءِ ويا ابنَ القرْمِ مِرداسِإني لأُطريكَ في أهلي وجُلاَّسي
حتى إذا قيلَ ما أعطاكَ من نشبٍأُلفيتُ من عظمِ ما أوليْتَ كالنَّاسي
ثم قال: من اجتمعت ألسن النَّاس على مدحه، كان حقيقاً أن يصدِّقَها بفعله. انتهى.
وله يمتدح الأستاذ محمد بن زين العابدين البكري، بمصر:
بعثتْ له الذِّكرى شجنْفصبا وحنَّ إلى الوطنْ
دنِفٌ إذا ابتسمَ الخَلِيُّغشاهُ تعبيسُ الحَزَنْ
قلقُ الرَّكائبِ ما استقرَّبه النَّوى إلا ظَعَنْ
والبينُ أصعبُ ما يراهُ أخو الشَّدائدِ والمِحَنْ
من مبلِغٍ تلكَ المرابِعِ والمراتِعِ والدِّمنْ
أشواقِي اللاَّتي زحَمْنَ الرُّوحَ في مثوى البدَنْ
في ذِمَّةِ اللهِ الَّذينَ هم فروضِي والسُّنَنْ
بي منهمُ الرَّشأُ الغَضيضُ الطَّرفِ نهَّابُ الوسَنْ
متناسِقُ الألحاظِ أيًّاما لحظتَ به فَتَنْ
مُلَحٌ تعلِّمُ عاشِقيهِ به التَّغزُّلَ والفَنَنْ
فكأنَّها من روضِ مَدْحِ أبي بكرٍ فنَنْ
الضَّاربينَ على الفخارِ سُرادِقاً من كلِّ فَنّْ
السَّادةِ البيضِ المآثِر في العُلا غُرَرِ الزَّمَنْ
ومقلِّدي أعناقَ هـذا الخلقِ أطواقَ المِنَنْ
بوراثةٍ نبويَّةٍكُلاًّ أتتهُ على سنَنْ
حتَّى استقلَّ بها الإمامُ ابنُ الإمام المؤتَمَنْ
قطبُ العلومِ محمدٌذو الخلق والخلقِ الحسَنْ
منَّاحُ كلِّ نفيسةٍفي الفضلِ ليسَ لها ثمَنْ
عن فيضِ وهبٍ جلَّ عنكسبِ التَّفهُّم والفِطنْ
طلعتْ بأُفقِ فؤادِهِشمسُ الغرامِ فلمْ يرِنْ
وغدتْ معرِفهُ تطوفُ على العقولِ ببنتِ دَنّ
وكذلكَ السِّرُّ المصونُ فويْحَ من فيهِ طعَنْ
يا سيِّدي ولئِن قبِلتَ تعبُّدي فلأفخَرَنْ
عطفاً على قلبِي الكسِيرِ بنظرةٍ فلأَجبرَنْ
إنِّي أنحتُ مطيَّتيبمضيفِ مجدِكَ فاقبلَنْ
مولايَ دعوةُ موثَقٍبيدِ القطِعةِ مُرتهَنْ
متصبِّرٍ والصَّبرُ أولى ما تداوَى المُمتحَنْ
لكِن يعايَر بالجِراحِ مفرِّطٌ ألْقى المِجَنْ
ومدِيحِ علياكُمْ بني الصِّدِّيقِ جُنَّةُ ذي الشجَنْ
وبحبِّكمْ تُشفَى القلوبُ وتنجلي ظُلَمُ الشِّحَنْ
هذا هو الفخرُ العليُّوما سِواهُ فممتَهَنْ
من جاءَ يفخرُ عندكُمْقولوا لهُ أنتَ ابنُ منْ
يا سادةَ النَّاسِ الذينَ من استعانَ بهم يُعَنْ
قسماً بكم لولا هواكُمْ في الجوانِحِ قدْ سكَنْ
لم ينتجِ الفكرُ العَقيمُ من القريحَةِ ما اسْتجَنْ
فالفضلُ في إيجادِهِلكُمُ وإن يقبلْ أُهَنْ
وشعاريَ التَّقصيرُ لكنِّي قدمتُ بحسنِ ظنْ
أبمدحَتي أوفيكمُحقَّ الولا هيهاتَ أنْ
لكنَّني أبقى تُمَحَّضُ زلَّتي فلعلَّ أنْ
غوثاهُ يا أهل الحفاظِ العونَ في ضيقِ العطنْ
إن لم ألذْ بجنابكمْأخطأتُ والله المَظنْ
وإذا سعدتُ بنظرةٍمنكمْ كفتني عنْ وعَنْ
نهجُ الهدايةِ حبُّكمْمن زاغَ عنه قدِ افتتنْ
فعليكمُ سُحبُ الرِّضاما ضنَّ مشتاقٌ وأنّ
وعلى ضريحٍ ضمَّ جدَّكمُ شآبيبُ المِننْ
ما الصبحُ جاءَ بنورهِوالليل بالظَّلْماء جنّ
وله من قصيدة:
عاطياني علالةَ الأشجانِبكؤوسِ الذِّكرى وروضِ الأماني
بأبي أنتما عسى ينفَح الشَّوقُ رسيساً جنَّتْ مطاوي الجنانِ
أوليس العجيبُ والغبنُ عيشُ المرءِ عيشَ المشيبِ في العنفوانِ
ما اعتذارُ الفؤادِ للغيدِ والشَّيبُ ينادي عليه بالحرمانِ
حقُّ من يركض الجديدانِ فيهأن يُرى فيهما طليقَ العنانِ
وله مجيباً لمن عاب عليه كتمان الحب، وأثر الشهوة، وقال بأن كتم الحب من الجبن:
ليسَ جُبناً كوني أموِّهُ في الحبِّواُخفي وأستشين البيانا
غيرَ أني أُجلُّ مالكَ رقِّيأنَّ مثلي يشدو به إعلانا
فإذا ما فخرتُ أفخرُ بالصَّبرِ وألفى لسرِّهِ صوَّانا
وإذا ما شكوتُ فلتكُ شكوايَ إليه عساهُ أن يتدانى
فشُجاع الهوى الجسورُ على جرْحِ مُباريه صارماً وسنانا
لا الذي إن تشكَّه بادرةُ الطرفِ تراهُ يقرعُ الأسنانا
أنا من قسَّم الفؤادَ فأعطىمنه كُلاًّ كما يليقُ مكانا
ومراحُ الغزالِ فيه مصونٌعن سواهُ وحقُّه أن يصانا
وله
لا تتركِ الجدَّ في جمع الكمالِ لأنْبارتْ تجارةُ سوق العقلِ في الزَّمنِ
لا بد أن ترغمَ الجُهَّال حاجتهمْإلى كمالكَ أن يرضوكَ في الثَّمنِ
وحسْبكَ الله إن لم تلقَ مشترياًعن الغبيِّ بعَرفِ العُرفِ أنت غني
وله:
نفسي لتؤْثرُ أن تفنى بمحنتهمْلأنَّها لسوَى الأحبابِ لم تكنِ
المرءُ يُرجى لضرٍّ أو لمنفعةٍوما خُلقتُ لغيرِ الحبِّ والشَّجنِ
وله:
لا تقطعنَّ مودَّةً فلربَّماتحتاجُ من أَقْصيتهُ تُدنيهِ
فالسِّلكُ بعد القطعُ يمكنُ وصلهُلكنَّ عقدةَ وصلهِ تزريهِ
هذا كثير في الشعر، من قول أبي الفتح المالكي:
من لي بردِّ معاشرٍكثروا عليَّ فأكثروا
صادقتهمْ وأرى الخروجَ عن الصداقةِ يعسرُ
كالخطِّ يسهلُ في الطُّروسِ ومَحوُه يتعذَّرُ
وإذا أردتَ كشطْتهُلكنَّ ذاك يؤثِّرُ
وقوله أيضاً:
ويمكنُ وصلُ الحبلِ من بعدِ قطعهِولكنَّهُ يبقى به أثرُ الرَّبطِ
وللشهاب الخفاجي، من فصل: أنت وإن وصلت بعد القطع حبل المودة، فقد يبقى من أثر ذلك في القلب عقدة.
وله:
يا واصلينَ حبالاًكانت لشدِّ المودَّهْ
لا تقطعوها ببعدٍقد غيَّرَ الناسُ عهدهْ
فإن تقولوا وصلْنامن بعد ذا القطع شَدَّهْ
يبقى وحقِّكَ فيهامن ذلك الوصل عُقدهْ
وله:
وكم لي في طرازِ العمرِ شطحٌبه انقلبَ الزَّمانُ فعاد شحطا
ونسخةُ لوعةٍ صحَّتْ بقلبيفلم ينظر بها الواشونَ كشطا
إبراهيم بن عبد الرحمن السؤالاتي وافر الحظ من البراعة، صائب اللحظ في زخرفة اليراعة.
اكتسب الأدب بكده وجده، وانتهى من القوافي والفقه إلى أقصى حده.
وكان وبعارضه ريحانةٌ شرقت بماء شبابه، ومزجته وجداً وصبابةً بقلوب أحبابه.
وضع عقله في يد الهوى، وتطوح معه في كل مهوى.
فأقام حيناً وله إلى التصابي لجاجة، وما حلي يمينه في مواسم العيش إلا زجاجة.
وله في غضون ذلك موشحات وشحت كل جمع، وشنفت بجواهر كلماتها كل سمع.
ثم تعاورته نوائب جلت فكادت تتجلى، وتوالت عليه مصائب تولت فما أوشكت تتولى.
وانقلبت به المحاسنة، إلى المخاشنة.
وتبدَّلت المجاملة، إلى المحاملة.
فاقلع عن تلك الهنات، ومحا كثيراً من سيِّئاته بحسنات، ولزم الفقه متجِّراً في مسائله، وكان لتحصيل أمانيه من أعظم وسائله.
وقد صحبته والأيام أمالت قناته، وأمر المرض المؤلم مِجنَّاته، فاستحالت صفته، وتقلصت شفته.
لكنها وإن ذبلت خمائله، فلم تزل غضةً شمائله.
وإن تفرَّقت ديمه، فما برحت ملائمة شيمه.
فكنت أتمتع من منادمته الحلوة، بلطائف لها في كل قلبٍ خلوة.
وأخذت عنه من أشعاره ما يبهر الشمس في الشروق، ويتمشَّى تمشِّي الرَّاح السَّلسل في العروق.
وها أنا ذا أورد منه ما يطري ويطرب، ويجعله زاده كل مشرِّقٍ ومغرِّب. فمن ذلك قوله يمدح المولى عارف، المذكور في ديباجة الكتاب:
جَذبَتْ محاسنُك القلوباحتى غدوتَ لها الحبيبا
وطلعتَ من أُفقِ العُلابدراً لخُرَّدِهِ خطيبا
ونفثتَ روحاً في النُّفوسِ فكنتَ لها الطَّبيبا
وغدا بقُطرِ نداك روْضُ الفضلِ مُخْضَلاً خصيبا
وكسوتَ من حُللِ الرَّبيعِ جِنانه برداً قشيبا
فحدائِقُ الآدابِ منكَ تنفَّستْ مِسكاً وطيبا
وتجاذبتْ فيها نسائِمُ لطفِك الغصنَ الرَّطيبا
وغدا يُناغي فوقه القمريُّ بلبلها الطَّروبا
وأدرتَ من سلسالِهاما بيننا كأساً وكوبا
وأبحتَ خِلاَّنَ السُّرورِ من العُلا الصَّدرَ الرحيبا
يا فاضِلاً أنسى العِمادَ بديعه وسما الخصيبا
وجلا على الأسماعِ منأبكارِه عرُباً كعوبا
من للثُّغورِ من الحسانِ عن المحابرِ أن تنوبا
وخدودهنَّ تكونُ قِرطاساً لراحتِهِ رقيبا
وقدودُهنَّ يراعةٌمن لمسِ أُنملهِ قريبا
ونواظرُ الأحداقِ أنفاساً إذا أنشى نسيبا
مولايَ يا ربَّ الكمالِ ومن غدا الشَّهمَ الأريبا
يا عارِفَ الوقتَ الذيتَخِذَ الفخارَ له نصيبا
أبديتَ بالسِّحرِ الحلالِ من البيانِ لنا العجيبا
وتلوتَ من آياتِ فضلِكَ ما بهرتَ به اللَّبيبا
وأعدتَ للدَّاعي الوجودَ وكنتَ سائِله مجيبا
فشموسُه بكَ أشرقتْمن بعدِ أن دنتِ الغروبا
وبعثتَ من فضحَ الرَّبيعَ من البديعِ لنا ضروبا
أشهى إلى الظمْآنِ منفضفاضِ كوثرِهِ ضُروبا
وأرقُّ من مرِّ النَّسيمِ على خمائلِه هبوبا
فطفقتُ يلثمُ مسمعيلِكؤوسِها ثغراً شنيبا
وتقولُ في جنَّاتٍ اسْطُرُ طِرسِها عينايَ طوبى
لا زلتَ ترقى في الفضائِلِ والعُلا الشَّرفا الحَسيبا
وبقيتَ تهدي للنُّفوسِ نفائِساً تجلو الكُروبا
ومن غزلياته، قوله:
حتَّى مَ تُعرِض عن محِبكْوتصدُّني عن طيبِ قربِكْ
إن دامَ هذا الهجرُ أقضِي بالمحبَّةِ إي وربِّكْ
يا أيُّها التيَّاه فيزهوِ الصِّبا رفقاً بصبِّكْ
ما كنتُ بالسَّالي هواكَ ولسْتُ بالتَّالي لعتبِكْ
تجنِي عليَّ وتجتنِيظُلمي وتأخذُني بذنبِكْ
شرَّقْتني بالدَّمعِ مذْغرَّبتْ عني تحتَ حجبِكْ
أأبيتُ إلى فُرُشِ الضَّنىوتبيتُ ملتهِياً بسربِكْ
يا منيةِ القلبِ الأمانَ فلستُ من أكفاءِ حربِكْ
وقوله:
لا تلمنِي أنا الألوفُ وقدْمِتُّ غراماً من فقدِ إِلفٍ رقيبِ
هكذا في الرَّقيبِ حالي فقل ليكيفَ حالي وقدْ جفاني حبيبي
وقوله، وهو مما قاله بديهاً:
همُّ المعيشةِ حالَ مابيني وبينَ حبائِبي
ولربَّما نهضتْ إلىنيلِ العلوِّ مراتِبي
فيفوقُني همُّ المعيشةِ عن جميعِ مطالبِي
فكأنَّني الدُّولابُ أصعدُ للهبوطِ بجانبِي
لو كلِّفَ السَّيفُ المعاشَ نبا بكفِّ الضَّاربِ
وله في الغزل:
إنَّ الغزالَ الذي في طرفِهِ حوَرٌفي مِرشفيهِ سُلافُ الرَّاحِ والحبَبُ
حارتْ لرؤيتِهِ الأبصارُ حينَ بداغصنُ الجمالِ حلاهُ اللُّطفُ والأدبُ
ما مالَ من هيَفٍ ميَّالُ قامتِهإلا عليهِ فؤادُ الصَّبِّ يضطَربُ
دارتْ إليه قلوبُ العالمينَ فماقلبٌ لغيرِ هواهُ اليومَ ينقلِبُ
وله:
تقمَّصَ ثوبَ اللاَّذِ من فوقِ لؤلؤٌورصَّعَ بالدُّرِّ الجمانَ بديدا
وألْبسنِي مِرطَ النُّحولِ مخلَّقاًوأعدمني بردَ الشَّبابِ جديدا
غزالُ كِناسٍ لو رأتْهُ من السَّماكوكِبُها خرَّتْ إليهِ سُجودا
وله:
رِياضٌ سقتْها سحبُ جدواكَ لا ذوتْولا برِحتْ بالفضلِ معشِبةً خضرا
ولا برِحتْ رسلُ المحامِدِ والثَّناإليكَ مدى الأيَّامِ واردةً تترى
وله:
تصبَّرْ ففي اللأواءِ قدْ يُحمدُ الصَّبرُولولا صرفُ الدَّهرِ لم يعرفِ الحرُّ
وإنَّ الذي أبلى هوَ العونُ فانتدِبْجميلَ الرِضا يبقى لكَ الذِّكرُ والأجرُ
وثقْ بالَّذي أعطى ولا تكُ جازعاًفليسَ بحزمٍ أن يروِّعكَ الضُّرُّ
فلا نِعمٌ تبقى ولا نِقمٌ ولايدومُ كِلا الحالينِ عسرٌ ولا يسرُ
تقلُّبُ هذا الدَّهرِ ليسَ بدائمٍلديهِ معَ الأيامِ حلوٌ ولا مرُّ
وله:
حتَّى مَ يا ظبيَ النَّقاعنِّي تُحجَّبُ في كِناسكْ
لا تنأَ عن عيني وتهجرني قلًى من دونِ ناسكْ
أنا عبدُ رقِّكَ أرتجيكَ وأختشِي سطواتِ باسِكْ
لا تبغِ بالإعراضِ قتْلي واسقِني بحياةِ راسِكْ
وله:
وحياتهِ وحياتِهإنِّي لرؤيتِهِ كَلِفْ
صنمٌ لبستُ الغيَّ فيهِ وقلتُ للرُّشْدِ انصرِفْ
حسنٌ وإن كانَ المُسيءَ لمن بعشقتِه تلِفْ
ما استحسنتْ عيني سِوىحسنٍ ولا قلبي ألِفْ
وكتب إلى بعض الأعيان، يمدحه:
أهديْتني وأجزْتني وبررْتنيوشملْتني بالبرِّ والألطافِ
ولئِنْ بشكرِكَ راحَ لفظِي كاسِياًنعماكَ كاسِيةٌ بها أعطافِي
لا بِدعَ إنْ أسديتَ معروفاً فذالكَ من عوائِدِ سنَّةِ الأسلافِ
ومدح بعض الكبار بقصيدة، فانتقصه، فكتب إليه:
مدحْتُكَ لا رغبةً في نداكَوإنْ ملَّكَتْهُ الورَى رِقَّها
ولا رهبةً من سَطاكَ الَّذيأذاقَ الأعادِيا ما ذاقَهَا
ولكنْ لمعنًى تراهُ الكِرامُوذاكَ لأقضي العُلا حقَّها
ومما أنشده لنفسه قوله:
على مَ الصُّدودُ ولا ذنبَ ليوفيمَ التَّجنِّي وصبرِي بَلِي
بمن أوْدعَ السِّحرَ في مقلتيْكَوحكَّمَ لحْظيْكَ في مقتلِي
دَعِ الصَّدَّ وارفُقْ بمن قلبُهعلى حرِّ نارِ الغَضا ينْقلِي
إلى اللهِ أشكو أليمَ الجوَىوقلباً بحرِّ الجوَى ممتلِي
لحى اللهُ قلبي الظَّلومَ الَّذيعن النُّصحِ ما انفكَّ من معزِلِ
كليمُ الصَّبابةِ لا ينتهيعنِ الوجدِ في الرشأ الأكحلِ
رثى ليَ في الحبِّ من لامَنيورقَّ الحسودُ وما رقَّ لي
يميناً بهِ حبَّهُ ما سلوتُولا مِلتُ عنهُ إلى عُذَّلي
مليحٌ أبى اللهُ إلا هواهُعلى رُغمِ أنفِ البليدِ الخلِي
ومن غرامياته قوله:
يا هل ترى لو نظرَ الغادونَ حالِي رحِموا
أو علِموا ما صنعوابي من أسايَ ندِموا
يا منْ لوجدِي عَمَرواوالصَّبرَ منِّي هدموا
تاللهِ من بعدِكُمُكلُّ وجودٍ عَدَمُ
وله مضمناً:
واصَلتُ ودَّكَ بالوَفا فقطعْتنيورفعتُ ذِكراكَ في الوَرى فوضعْتني
وزعمتُ أنَّكَ ذو غنًى فأضعتنيأبعينِ مُفتقرٍ إليكَ نظرتني
وهذا المصراع من مقطوع يروى للمتنبي، ولم يوجد في ديوانه، وبعده:
... فأهنتَنِي وقذفْتني من حالِقِ
لستَ الملومَ أنا الملومُ لأنَّنيأنزلتُ آمالِي بغيرِ الخالِقِ
وله:
عشِقَ المعشوقُ ظبْياً مثلهُواعتراهُ في هواهُ ولَهُ
كانَ معشوقاً فأمسى عاشِقاًفقضى الحبُّ عليهِ ولَهُ
وله:
بي أغيدٌ تشخصُ الأبصارُ حينَ بدَافي طلعةٍ جَلَّ من بالحسنِ عدَّلها
كأنَّما الحسنُ لمَّا زانَ صورتَهُقدْ قال للحسنِ كنْ وجهاً فكانَ لهَا
ورأيت بخطه، وقد نسبه إلى نفسه:
في أزرقِ الملبوسِ مرَّ مُعذِّبيمتمايِلاً كالغُصنِ في خيْلائِهِ
ورقى دُخَانُ التَّبْغِ غشَّى وجههُمن فيهِ مثلَ الغيْمِ يومَ شِتاتِهِ
وكأنَّهُ لمَّا بدا من شرقِهِبدرٌ تبدَّى في أديمِ سمائِهِ
سترَ الجمالَ عن العُيونِ مخَافَةًأن لا تكونَ النَّاسُ من قُتَلائِهِ
مثله لبعضهم:
ولمَّا بدَا في أزرَقٍ من قِبائِهِيَتِيهُ لِفرطِ الحُسنِ في خُيَلائِهِ
خلعتُ عِذارِي ثمَّ صِحْتُ عواذِليقِفوا وانظُروا بدرَ الدُّجى في سَمائِهِ
قلت: وفي لون السماء للأدباء اختيارات، وذلك بحسب حالاتٍ واعتبارات،؛ فبعضهم يصفه بالزُّرقة، كما وقع لهذين الشاعرين، وقد تبعا أبا عثمان الناجم في قوله، وقد رأى جارية وعليها ثوبٌ أزرق:
ما تعدَّتْ قَبُولُ حين تحلَّتّشِبهَ زِيٍّ لوجهِها ذِي البَهاءِ
لبِستْ أزرقاً فجاءتْ بوجهٍيُشبِهُ البدرَ في أديمِ السَّماءِ
وهذا مذهب القدماء، وزرقته عارضةٌ من شعاع الشمس، وهو مائل إلى البياض، كما أن العرق الأبيض إذا جرى فيه الدَّم رُئِيَ لازوردياً، فتولَّدَ من اللونين لونٌ آخر.
وبعضهم من أهل الآثار يجعله أخضر؛ لحديث: ما أظلَّتِ الخضراءُ ولا أقلَّتِ الغبراءُ أصدقَ من أبي ذَرٍّ.
وبعضهم يجعله لازورديًّا؛ كما قال أبو حفص بن برد، في غلام بدا له في ثوبٍ لازورديٍّ:
لمَّا بدَا في لازورْدِيِّ الحريرِ وقد بهَرْ
أكبرتُ من فَرطِ الجمالِ وقلتُ ما هذا بَشَرْ
فأجابني لا تُنْكِرَنْثوبَ السَّماءِ على القمرْ
وبعضهم يجعله بنفسجيًّا، كما قال ابن المعتز في غلام عليه ديباج حرميّ:
وبنفسجِيّ اللَّونِ قتْلُ مُحِبِّهِ من رائِه
الآن صِرْتَ البدرَ إذأُلبسْتَ لونَ سمائِه
أبو بكر العصفوري باهر السمت في النظم والنثر، طائر الصيت في الآفاق بقادمتي النسر.
للمعاني الأبكار مخترع، ولبنات الأفكار مفترع.
وكان خرج من عشه وهو صغير السن، لكنه إذا قدح زنده بالبراعة يرن.
ومن أمثالهم: الديك الفصيح، من البيضة يصيح.
فحلَّ بمصر وأفياء الكرم مساقطه، وحبُّ القلوب ملاقطه.
وأقام يصدح في سرحة المجد، ويفصح في ناديها بلسان الوجد.
وتنصب حبالة الولا، فتقتنصه أشراك العُلى، ولا تضمه إلا أقفاص النُّبلا.
وقد أبدى من أشعاره التي تطرب ترنُّماً ولحنا، وإذا تليت في محفلٍ تضم عليها الجوانح وتحنى.
ما هو لصدور البزاة ينسب، ومن أرقاب الحمام في البذرقة يحسب.
وثمة ألفاظ استعار الروض منها أصناف الملح، وخطوطٌ كأنما فيها لمن يبصر من ريش الطواويس لمح.
وله موشحاتٌ إذا أنشدت كأنما أدار الكأس مديرها، وجاوب المثانيَ والمثالث بَمُّها وزئيرها.
وأغانٍ لم تتنحنح بأمثالها الحناجر، ولم تتقلب لأشباهها الخناصر والبناصر.
وكنت أتمنى لقياه، لأتملى بطلعة محياه.
فصادته قبل وصولي إلى مصر خطاطيف المنون، فعرَّس بفِناء الفنا، وخلَّد عرائس الفنون.
وهذه قطعة من تحائف خاطره، تستدل منها على غائبه بحاضره.
فمنها مقصورته التي بها امتدح الأستاذ محمد البكري.
ومطلعها:
عيذتْ بك الدُّنيا وعيدَ لكَ الهناواعتدتِ الحِسنى وعُدَّ لك المُنى
عجباً لمن نظرَ الهلالَ وما رأىأن الهلالَ إذا بدوتَ له بدا
شغفاً بطلعتك التي قسماتُهامهما تبدَّتْ تنكسِفْ شمسُ الضُّحى
وبغرَّةٍ قمريَّةٍ في طرَّةٍسَبَجيَّةٍ كالبدر في غسقِ الدجى
ما البدرُ ما الشَّمسُ المنيرةُ ما الضُّحىما الظبيُ ما الرشأُ الشُّويدنُ ما الطَّلا
غسقٌ على شفقٍ على قمرٍ علىفننٍ على دِعصٍ على قدٍّ علا
مثل الغزالةِ في السماءِ وفي الفلافَهُما وأنتَ إذا اعتبرتَ سوا سوا
أرأيتَ راتعةَ الفلا أرأيتَ آلِفةَ العَرا أرأيت شاردة المها
وبصبح وجهٍ إن تبسَّم ثغرهُيبدو الصباحُ ويحمدُ القوم السُّرى
يا قاتلي من غيرِ ما ذنبٍ ألاتدنو فتبصرَ ما لقيتُ من النَّوى
قلبي تمزَّقَ فيكَ كلَّ ممزَّقٍأسمعتَ ما قالوه في أيدي سبا
ألِفَ الضَّنى جسمي فلو فارقْتهلفنيتُ من أسفٍ على فقدِ الضَّنى
وتعوَّدتْ عيني السُّهادَ فلو غفتْلرأت خيالَ السُّهدِ في سنَةِ الكَرى
وألِفتُ سمعَ العذلِ حتَّى لو صغتْأذني لغيرِ العذلِ شقَّيْتُ القبا
وعلمتُ أنَّ الصَّبرَ مرٌّ طعمهُلكنني عانيتهُ حلوَ الجنى
ونعمتُ بالضِّدَّينِ حتى استقطرتْعينايَ ماءَ الدَّمعِ من جمرِ الغضا
وسهامُ جفنكَ بعدما ريَّشتهابغِشا الكُلى وسقيتها بدمِ الحشا
هيهاتَ تحسِنُ نزعها من بعدمانبتتْ وأطلعَ غصنها ثمر الهوى
ووحقِّ أشواقي لوجهكَ إنَّ ليزفراتِ وجدٍ لا أروم لها انقِضا
وجوًى تودُّ حشاشتي لو أنَّهكان انطفا ويسوؤها مهما انطفا
وشفاءُ سقمي في لماكَ وليتهُيشفي غليلي بردُ ذيَّاكَ اللَّمى
ويزيدني قربي إليك حرارةًكالنُّوقِ في البيداءِ يقتلُها الظَّما
يا سلًّم الله المحبة إنهانعشتْ فؤاداً سلَّمتهُ إلى الجوى
يا قاتلي وأنا الفداءُ لقاتلٍأبداً بغير حديثهِ لا يُشتفى
العينُ بعدكَ ما غفتْ والطَّرفُ بعدكَ ما سها والدَّمعُ بعدك ما رقا
لله جفنٌ تحت وعدِكَ ساهرٌأملاً يشوبُ المرسلاتِ بهل أتى
حافظْ على صِدقِ العهودِ فإنهمما يدلُّ على المودَّةِ والصَّفا
أتشكُّ أن الصدقَ ينفع أهلَهأولستَ تعرف غيرَ صحبِ المصطفى
ويستحسن له قوله:
في الاشتقاقِ وفي التَّدبيجِ قد نظموابيتاً له من بديع الحُسنِ لألاءُ
الحُسنُ أحمرُ والتَّحسين أصفر والْإحسانُ أخضر والحسناءُ بيضاءُ
وقوله:
ليس بِدعاً عتابُ خيرِ البراياإنما يعتِب الحبيبُ الحبيبا
بل عجيبٌ تقديمُه العفوَ قبل العَتْبِ حِرصاً عليه أن يسْتريبا
أصل هذا ما ذكره أصحاب السِّير، أن أبا بكر الصديق، ﵁، دخل على النبي ﷺ، وهو ميت مسجًّى، فكشف عن وجهه الشريف، وقبل بين عينيه، وقال: فديتُ من أقسم الله بتراب قدمه، فقال: " لا أقسم بهذا البلد، وأنت حلٌّ بهذا البلد "، فديت من قدم الله له العفو قبل العتب، فقال: " عفى الله عنك لم أذنت لهم ".
ومن موشحاته التي أحكم فيها المناسبة والصنعة، قوله:
أخمِدْ بريقِكَ ما أذكيتَ من وهَجِفما تركتَ فؤاداً فيك غير شجِ
وارحم حشاشةَ صبٍّ فيك قد قُتِلتْما بينَ معتركِ الأحداقِ والمهجِ
وعلِّلِ القلبَ بالتَّمنِّيأو فاقتُلِ الصبَّ بالتَّجنِّي
أنا القتيلُ بلا إثمٍ ولا حرجِولمْ أقلْ جزعاً يا أزمةُ انفرِجي
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع