من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
الباب الثالث في نوابغ بلغاء الروم
وهذا الباب فيه الغرض المروم؛ فإن دار خلافتها وإن تباين فيها اللسان، ففي أهلها حذق لا يعيقه مزية وجدت في نوع الإنسان.
فسبحان من جعل جبالها السبع بمنزلة الأفلاك، مطالع الأضوا ومغارب الأحلاك، ومغرد طيور جملة الأملاك، وسبب انتظام هذه الأسلاك.
فسما بها الفرع الباسق، والأصل الثابت، وطاب لعمري فيها المنبت والنابت.
كيف وهي حاضرة الدنيا، وواحدة المفردة والثنيا.
ومجمع أهل الفضل تنظمهم في سلك، وتنزههم فيما أنالها الله من ملك وملك.
وقد أمنت بحمد الله من الصائل، وحمدت فيها البكر والأصائل.
ولها الحظوة التامة، والمحاسن الخاصة إلى الخيرات العامة.
مع اللطافة المشربة بالغضارة، والطلاقة الممكنة من مفاصل النضارة.
فهي قيعة الظل الأبرد، وكناس الغيد الخرد.
ومهوى هوى الغيث الهاتن، ومأوى اللفظ الساحر واللحظ الفاتن.
وبها المباني الشم الأنوف، والقصور الجمة الحلي والشنوف.
رياضها وريقه أريضة، وأهويتها صحيحة مريضة.
ومرابعها مراتع النواظر، ومطالع المسرات النواضر.
تصبو النسمات إلى مسارحها الرحاب، وتبكي شوقاً إليها جفون السحاب.
ولعهدي بها إذا أخذت بدائع زخارفها، ونشرت طرائف مطارفها.
وقد ساقت إليها أرواح الجنائب، زقاق خمر السحائب.
فسقت مروجها مدام الطل، فنشأ على أزهارها حبابٌ كاللؤلؤ المنحل.
هناك رأيت كل شعب يحدث عن شعب بوان، وكل منظر يتجلى عن أشكال من الزهر وألوان.
بُسِطت فَوقه بُرودُ ربيعٍعندما زاره وفودُ الشمائلْ
خُطَّ فيه كتابُ توحيد ربِّينَقْطُه النَّورُ والمياهُ الجداولْ
فتلتْه طيورُه دارساتٍوأعادتْه مُفْصِحات العنادِلْ
أغْنَتِ السمعَ عن مِراءِ جدالٍرامياتٍ لنقْل حمْل الدلائلْ
وأنا إذا بسطت فيها القول، وهدرت هدر الشول.
فغاية ما أقول: هي العروس المتبرجة، والروضة المتأرجة.
فصان الله جمالها وجلالها، ووقى من حر الهجير ببرد النعيم ظلالها.
ولا زالت قوافل العوائد الإلهية واصلةً إليها، ودامت دار إيمانٍ إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
ومع ما أعطاها الله من تحفٍ تحف بها وكرامة، فقد اجتنت أهلها أثمار الرحلة في ظل الإقامة.
فكلهم عصابة بارعة، وآراؤهم إلى الغوامض مسارعة.
بأنفس كريمة الشمائل والغرائب، وقرائح تقذف بحارها بدرر الغرائب.
وحرص على لقاء كل ذي علم، وتخلق بأخلاق كل ذي مروءة وحلم.
وقد خرج جماعةٌ من أعيانهم، زانوا الأدب وزينوه بحسن بيانهم.
أشعارهم بالألسنة الثلاثة حجة أهل اللسن، وفاضحة المذهبات الثلاث الماء والخضرة والوجه الحسن.
لو كنت أوفيهم حقهم الراتب، وأخلص من تبكيت المزدري والمعاتب.
لجعلت الطرس من صحيفة الخد، والقلم من ألف القد.
ثم كتبت وصفهم بالتبر، فضلاً عن الحبر.
ووهبت للناسخ، نفس ودي الراسخ.
وقلت فليكن الناقل، ممن لا يقذف صفحته إلا إلى الصاقل.
وقد ابتدأت الباب باثنين منهم، رويت حديث الثنا في محلهم عنهم.
وعقبتهم باثنين آخرين، رأيتهما بدمشق وقد بزغا كالقمرين.
ثم أذكر بعدهم من له شعرٌ عربي اطلعت عليه، ثم من له شعر تركي انتخبت من شعره مفردات عربتها ونسبتها إليه: شيخ محمد بن لطف الله بن زكريا بن بيرام أستاذي وملاذي، وعتادي وعياذي.
عين المعالي وإنسانها، وقلب المعارف ولسانها.
صحيفة مجده لم يجد نقط شكلها حسود، وأقلام مدحه ليس همها إلا ركوع وسجود.
أنديته مصب مزن الفضل، فهي ذات سقيط وندىً مخضل.
تبذل الأعمار في لقائه نقدها، وتنتطق الجوزاء في خدمته عقدها.
ومن حق هيبته عند ذوي الآداب، أن يعقدوا إذا لمحوه الحواجب بالأهداب.
أراد البحر أن يحاكي نداه، فقصر عنه ولم يدرك أدنى مداه.
فهو لذلك في اضطراب وأمواجه في التطام، وطفل النبت يغتذي بندى كفه فلا يخشى عليه منها إلا الفطام.
فلو استجارت أوراق الخريف، بظل حمى نداه الوريف.
لما سلبت برداً زهى للعيون وراق، وظلت شاكرةً فضل الربيع بلسان الأوراق.
إليه انتهت الرغائب، وحضر نداه الخضر وهو غائب.
وهو الذي دخلت الروم لأجله، وحصلت من لقاه على أعظم الأمل وأجله.
وهو إذ ذاك عن رتبة البدر متقاعد، ومع الشمس في الظهور رابعة النهار متواعد.
فشاهدت ملكاً في صورة إنسان، يملأ العين بالحسن والكف بالإحسان.
وله السعادة مهيأة، وبه الدنيا وأهاليها مهنأة.
فوردت بحراً من جوده نميرا، وارتقيت حيث أعد النجم سميرا.
وكم مجلسٍ بين يديه، قرأت فيه سورة الأدب لديه.
تنطقني فضائله بما أنظم فيه من الغرر، فأغدو كمن قلد البحر من فرائده بعقود الدرر.
ثم أفيض عنه فيض النهر، وأنصرف انصراف الصبا عن الزهر.
وقد آليت لا توقعت خيراً سوى خيره، ولا أملت الرغبة عن شق القلم لمدحه غيره.
وصفوي محميٌّ به عن الشوائب، وجسدي محرم على أنياب النوائب.
وكانت لي وراء رأيه مواعيد، كنت منها على نيلٍ قريب غير بعيد.
فعاق عنه موته الذي بدل السرور بالترح، وترك الحزن شامتاً بالفرح.
فدفن به كنزٌ كان في الزمان لقية، وتم به السرور لكل حي وكانت عندنا منه بقية.
فنعته الهمم، وماتت بموته أمم.
وما فُجِعت به الدنيا ولكنغدتْ بِفراقه الدنيا يتيمهْ
فعلى قبره من الرحمة الحافة، عدد أنفاس الخلائق كافة.
وقد أوردت له من آثاره التي جلت، وأسفرت عن شمس البلاغة حين تجلت.
ماهو في مقلة الأدب حور، وفي قلب الحسود خور.
فمن ذلك قوله:
يرمِي فيُوقع فتنةَ النَّظَرِوتراه يسألني عن الخبرِ
نَزْهٌ خيالُ الفكر يُغضِبهفيكاد يمنعني من الفِكَرِ
ما شاهدتْ عيْنايَ طلعتَهإلا وأغْناها عن القمرِ
يُرْجَى من الفِتَن الخلاصُ إذاسلمتْ لواحظُه من الحَوَرِ
وقوله:
أترى الزمانَ يُعيد لي أُنْسِيويردُّ بدرِي حاملاً شمسِي
فإذا تكرَّم رحتُ أشكرُهوتركتُ يومي عاتباً أمسِي
وقوله:
صافيْتُكم من عهدِ أنكنتمْ فما هذا الجفَا
وبيْننا مودةٌتعلِّم الآسَ الوفَا
وقوله:
يسْبِي العقولَ بلَحْظه فكأنماسُقِيتْ سيوفُ لِحاظِه بسُلافِ
سَيْفُّيهُ صاد القلوبَ بنَظْرةٍمن بين مثل قوادم الخَطَّافِ
السيفي: طائر من الجوارح يشبه الصقر.
ومن رباعياته قوله:
ناديتُ أحبَّتِي لأجل السَّلْوَىوالدهرُ رسومَ رَبْعهم قد سَوَّى
بالنَّوْحة جُدْتُ في المغاني حتىقد ساعدني على بكائِي رَضْوَى
ولي فيه مدائح كثيرة، من جملتها قصيدة قلتها في ابتداء ورودي عليه.
ومستهلها:
دَنا الرَّكْب من حَيٍ تقادَم عهدُهوهَيَّج فيه القلبَ وجداً يُجِدُّه
دعتْه إلى الشكوَى معالمُ أُنْسِهولكن أسرارَ الغرام تصُدُّهُ
بنفسِيَ مِن آرامِه كلّ شادِنٍتملَّك مني حبَّةَ القلبِ وُدُّهُ
من الغِيد يرْنُو عن حُسامِ لَواحظٍيقُدُّ قلوبَ الدَّارِعين فِرِنْدُهُ
أرُدُّ عيوني عنه خِيفةَ كاشحٍوهل يمنع الصَّادِي عن الماء وِرْدُهُ
سقاني وقد حيَّى مُداماً تروَّقتْإذا لم تكُن من كَرْمِه فهْيَ خَدُّهُ
سُلافاً تُعير الصبحَ في كَشْفِه لناقِناعَ الدجى منها سَناً يسْتمدُّهُ
من مديحها:
يرِفُّ به غصنٌ من الحمدِ يانِعٌويعبَق من نَشر الثَّنا فيه نَدُّهُ
ولا تعثُر اللَّحظاتُ في باب مجدِهبغير مَنالٍ يقْدَح العزَّ زَنْدُهُ
أدَرَّ على الأيام سَيْباً ففجَّرتْينابِيعَ حتى الصخرُ أعْشَب صَلْدُهُ
ومنها هذه القصيدة، قلتها وقد ألبسني فروةً من فراه، وهي بعض ما نالني من قراه:
شأنُ المُوَلَّه أن يعيش مُتيَّماوالحبُّ ما منع القَرارَ المُغرَمَا
هو ما علمتَ غرامُ صَبٍ دمعُهما زال يُظهِر سِرَّه المتكتِّمَا
لو شاء من أضناه هجيرهرد الحياة لجسمه منكرما
وإذا الصبابةُ خامَرتْ قلبَ امرىءٍوجد الشِّفاءَ من الحبيب تنعُّمَا
ولَرُبَّ مُغْبَرِّ الأديمِ قطعتُهمن فوق مُبْيَضِّ القوائمِ أدْهَمَا
لا تستطيع الشمسُ ترسم ظلَّهمهما مشَى سبَق القضاءَ المُبرَمَا
والليلُ بحر قد تدافَع مَوْجُهوترى الكواكبَ فيه تسْرِي عُوَّمَا
وكأن وجهَ الأُفْقِ تُنقَدُ فضةًوالبدرَ تحسَبه عليه دِرْهَمَا
وكأنما المَرِّيخُ شعلة قابسٍأو رأسُ نَصْلٍ خضَّبْته يدٌ دَمَا
أسْرِي وشخصُك لا يزال مُسامِريوأرى التصبُّر عنك مُرّاً عَلْقَمَا
يا آفةَ الأرواحِ ما ألْهاك عندَنِفٍ لذكْرِ هواك يهوَى اللُّوَّمَا
من مديحها:
مولىً إذا ظلمَ الزمانُ فما يُرَىإلاَّ إلى عزَماته مُتظلِّمَا
جارَى الملوك إلى مقاماتِ العلىفتأخَّرُوا عنه وكان مُقدَّمَا
لو مَدَّ راحتَه لثَغْرِ مُقَبِّلٍأنِف الثُّريَّا أن تكون له فَمَا
أو تنطق الدنيا بِمِدحةِ ماجدٍنطَق الزمانُ بمدْحِه وتكلَّمَا
دعَواتُه تجلو الكروبَ وعَزمُهلو يلْتقيه الموتُ مات توهُّمَا
ولو اسْتجار به النهارُ من الدجىلم تبصرِ الأحداقُ شَيّاً مظلِمَا
منها:
ألْبَسْتني نِعَماً رأيتُ بها الدجىصبحاً وكنتُ أرى صباحِي مظلِمَا
ما عُذْرُ من شرَّفتَه بفضيلةٍأن لا ينالَ بها السُّهَا والمِرْزَمَا
وإليْكها زهراءَ ذاتَ بلاغةٍلو رامَها قُسٌّ لأصبح أبْكَمَا
من كل بيتٍ لو تجسَّم لفظُهلرأيتَه وَشْياً عليك مُنَمْنَمَا
واسلَمْ لنَشْر فضيلةٍ معلومةٍلوْلاك طال على المَلا أن تُعلَمَا
إن العُلَى بدأتْ بذكرِك مثْلَماآلتْ بغيرِك في الورى لن تُخْتَمَا
ومنها هذه الرائية، مدحته بها في أول فصل الربيع، وأولها:
باكِر الحانةَ والكأسُ تُدارُفشبابُ العمر ثوبٌ مستَعارُ
هذه الأرضُ اكْتستْ أزهارَهاما على من يغْنَمِ اللذاتِ عارُ
وكأنَّ الروضَ وَشْيٌ فاخرٌنَقْشُه آسٌ ووردٌ وبَهارُ
إن سَرتْ فيه نُسَيمات الصَّبافضَح العنبرَ رَنْدٌ وعَرارُ
وكأنَّ المُزْنَ تِبْرٌ كنزُهدُرَّةٌ بيضاءُ والماءُ نُضارُ
فتَقتْ كفُّ الغوادِي جَيْبَهافالذي منها على الروضِ نِثارُ
يا رَفِيقَيَّ دعانِي والهوىإنما الصَّبْوةُ للصَّبِّ شِعارُ
كنتُ أُخفِي محنةً في خَلَديلو يكنْ للقلب في العشقِ اختيارُ
من بيِتْ وَلْهانَ في حبِّ الظِّباخانَه القلبُ وعزَّ الاصْطبارُ
يعذُب الهجرُ لمن يعرفُهوبمَطْل الغِيد يحلُو الانتظارُ
إنما نَشْوانُ أحْداقِ المَهاصَحْوُه من سَكْرةِ العشق خُمارُ
يا سَقى موطِنَ لَهْوِي بالحمىأدْمُعِي إن شحَّتِ السحبُ الغِزارُ
كم ليالٍ فيه قد قضَّيْتُهاومن الأيامِ حلوٌ ومِرارُ
فانْقَضتْ أسرعَ من سهم القضايا ابنَ وُدِّي ليس للعيشِ قَرارُ
وحبِيبٍ بات زَنْدِي طوقَهوالمُنى ثالثُنا والأنسُ جارُ
قد نأَى لكنْ عن العينِ وكمنازحِ الدار له القلبُ ديارُ
أيُّ نفعٍ في اقترابِ الجسم إنبعُد القلبُ وما يُغنِي الجِوارُ
هكذا تفعل أحكامُ الهوىفي بَنِي العشقِ وللدهرِ الخِيارُ
ينْقضي العمرُ ومالي مُسْعِفٌومن الضَّيْم مُصِيخٌ لا يُجارُ
هذه حالي وإن طال المدىواعْتبارُ الحالِ للمرءِ اختبارُ
غيرَ أن الحرصَ غَلاَّبُ النُّهىَوالمُنى منها اختيارٌ واضطرارُ
لا أذُمُّ الدهرَ حاشَى ولهأنْعُمُ المولَى عن الذنبِ اعْتذارُ
كعبةِ الآمالِ والركنِ الذيللمنى فيه اسْتلامٌ واعْتمارُ
قد جَلا خَطْبَ الليالي عَزْمُهمثْلما يجلُو دُجَى الليلِ النهارُ
لو يكُنْ للبحر أدْنَى بِرِّهلم يلُحْ للعينِ بَرٌّ وقِفارُ
وحِماهُ مُلْتقَى عِيسِ المُنىلا سِواه للنَّدى مَأوىً وجارُ
روضُ فضلٍِ نجتَني إحسانَهوكذا تُجنَى من الروضِ الثِّمارُ
أيها الأستاذُ والمولى الذيغَرِقتْ في سَيْب كفَّيْه البحارُ
لك أُنْهِي نُوَباً من بعضِهايذْهَل اللبُّ وذو العقلِ يَحارُ
حَلَّ بي الشيْبُ فأفنَى رَوْنقِيوكذاك البدرُ يمْحوه السِّرارُ
فأغِثْني من كروبٍ في الحَشاحُرَقٌ منها وفي الطَّرْفِ انكسارُ
وتمتَّع بقوافٍ كَرُبىًضاحَكَ النَّوْرِ عليها الجُلَّنارُ
بِدَعٌ قد أُشْرِبتْ ألفاظُهارِيقةَ المبْسَم والخمرَ العُقارُ
كخُدودِ الغِيد تحمْرُّ حَياًوإذا شئْتَ كما اخْضَرَّ العِذارُ
أنا حسَّان القوافي فإذافُهْتُ طاب الشعرُ وارْتاح الفَخارُ
وإذا غنَّتك أطْيارُ الثنافأنا من بينها وحدِي الهَزارُ
ليس لي مالٌ ولكن كَلِمِيعَسْجَدٌ تِبْرٌ وإلاّ فنُضارُ
لم أقُلْ طالتْ وإطْنابُ الورَىفي مَعاليك مدَى الدهرِ اخْتصارُ
فابْقَ أعْلَى الناسِ جاهاً ونَدىًوإلى مَجدِك بالعِزِّ يُشارُ
لك أهْنَى عِيشةٍ تخْتارهاولأَعْداك البلايَا والدَّمارُ
وقد اكتفيت بما أثبته عن الباقي، ورددت بعد هذه الخمرية القدح إلى الساقي.
عبد الباقي بن محمد الشهير بعارف بحرٌ وأنواع المعارف ماؤه، وبدر وأوج السعادة سماؤه.
لم ير نظيره في المحاسن النواضر، لأن محاسنه ملأت القلوب والنواظر.
له السبق الأشهر، ونطقه الياقوت والجوهر.
استولى على العلوم، وألحق المجهول منها بالمعلوم.
وأما الأدب وفنونه، فهو الذي تشير إليه عيونه.
فالنسب، إلى حفظه انتسب.
والأيام والدول، عنده منها خبر الأواخر والأول.
وأما الأخبار فهو ينسي التاريخ ومن ورخ، وله استقصاءٌ يعلم به الذي باض وفرخ.
وقد وفر الله له غاية الحظ في محاسن الخط، فخطه نتيجة ما أودع الباري من مقدمتي البرى والقط.
كلما دور القلم نور المقل، وحلى العقول وحل العقل.
وقد اعتنق الأشعار وألفها، كما اعتنقت لام الكتابة ألفها.
وجاء منها بفرائد تحسدها سبح الدر من الثنايا المنظمة في العقيق، وتغض من حيائها حدق النور وتحمر خدود الشقيق.
وكنت وأنا بالروم اجتمعت به مرات، وشاهدت طلعةً هي موسم أفراح ومسرات.
فلما ورد دمشق كانت رؤيتي له ثانية، وفيها تدلت على ثمرات إقباله متداينة.
وشديت للقاهرة في خدمته الرحل، وكنت معه بها في زمنٍ كزمن الفطحل.
في أوقاتٍ كلها برؤيته نعيم وطلاوة، أتلو بها أوصافه على القلم فيسجد لها سجدة تلاوة.
وأنا أعلق من نفسائه كل ذخيرة، وينسيني الليلة الأولى منه بالأخيرة.
وتسهر عيْني فيه والحَظُّ نائمٌكأنِّيَ من خوفِ المَكارِه أحرسُهْ
ولقد أشتهى أن أحل كل جسم، ليكون لي من رؤية وجهه كل قسم.
وإذا رغب إلى الله راغبٌ، في تسهيل ما له من مطالب ورغائب.
فإني أرغب في التوسل بطول عمره، وارتقاء أمره.
إلى أن يعمل الاسم في الحرف، ويمتنع زيد من الصرف.
وحتى يشغل الجسم حيزين، ويحل في مكانين.
وقد أخذت من أشعاره التي جاوز الشعرى تراقيها، وكأنما نظم المحاسن عقد في تراقيها.
ما لو ضربت بيوتها بالحجاز، لأقرت لها العرب العاربة بالإعجاز.
قصائدُ إن تكنْ تُتْلَى على مَلأٍصدورُها علمتْ منها قوافيهَا
ينْسى لها الراكبُ العَجْلانُ حاجتَهويصبحُ الحاسدُ الغضْبانُ يرْوِيهَا
فمنها قصيدة نبوية، أولها:
متى هتفتْ بالجُنْحِ وُرْقُ الحمائمِأنارتْ جوَى قلبٍ من الوجدِ هائمِ
سقَى اللهُ ساحاتِ العُذَيْبِ وبارِقٍبكل هَمُولِ الوَدْقِ أوْطفَ ساجمِ
إذا بارِقٌ شِمْناه من نحو بارِقٍتأجَّج نارٌ في الحشَا والحيَازِمِ
فها أنا مَطْوِيُّ الضلوعِ على الجوىإلى لَثْمِ هاتيك الرُّبَى والمَعالمِ
ألا أيها الحادِي ترفَّقْ بمُهْجتِيوباليَعْمَلات الدَّامِياتِ المَناسِمِ
أحِنُّ ادِّكاراً نحوَ مُنْعَرَج اللِّوَىوأصْبُو إلى سفْحِ النَّقَا فالأناعمِ
فيَسِّرْ إلهي أن أعفِّر جبهتيبساحاتِ هاتِيكَ الرُّبَى والمَعالمِ
ألم يَأْنِ يا مُعطِي المُنَى أن تحصَّلتْمآرِبُ أصحابِ النفوسِ الأكارمِ
وهاج غرامِي نحوَ مكَّة حيثماتُشَّدُّ حِزامُ المُرسَلات الرَّواسمِ
وذلك أزْكى مَرْبعٍ صار مَنْشَأًلفخرِ البرايا خيرِ أولادِ آدمِ
ترى طَيْبةً قد صار مأوَى شفيعِناحليفِ النَّدى فخرِ الجدودِ الأكارمِ
محمدٍ المبعوثِ بالبِرِّ والتقىوبَذْلِ نوالٍ واقْتناءِ مكارمِ
طرازِ رُواءِ الفضلِ من نَسْل يَعْرُبٍوإنسانِ عين المجد من آل هاشمِ
شفيعِ ذوِي الآثامِ نِيطَتْ بحبِّهإزاحةُ آثامٍ وصفحُ جرائمِ
ملائكةُ الرحمنِ أمستْ وأصبحتْتطُوف ذُراها كالطيورِ الحوائمِ
وليس يُسامِي النجمُ سُدَّةَ بابِهفمن يعْتلي سقفَ السَّما بالسَّلالمِ
فمن يكُ يأوِيها فقد صار لائِذاًإلى مَعْقِلٍ للمستجيرِين عاصمِ
ولن تبلُغَ الأملاكُ في القُرْبِ شَأْوهوكيف الخوافِي تسْتَوِي بالقوادمِ
وفي ليلةِ الإسراءِ صار مُشرِّفاًبأخْمَصِه فوق السُّها والنَّعائمِ
وبعثتُه أضحتْ لكلِّ مُلِمَّةٍكأيام ذي قارٍ لجار الأراقِمِ
ولولاه لم يُوجَد من الخلقِ واحدٌهو السببُ الأقْصَى لخلقِ العوالمِ
بمِيلادِه غارتْ بُحَيرة سَاوةٍوغِيضَت أوَاذِي سَيْحِها المتراكمِ
غَدا حِصْنُ من لم يتَّبِعْ لك دَارِساًولم يتَّفق بَانٍ له غيرُ هادمِ
مَشاربُهم سَمٌّ ذُعافٌ ومالَهممطاعمُ أشْهَى غير عَضِّ الأباهمِ
ألا يا رسولَ اللهِ جُدْ بشفاعةٍعسى اللهُ أن يَمْتاح عفوَ جرائِمي
شفَيْتَ نفوساً حيث داويْتَ سُقْمهاوسلَّلتَ منها مُرْدِيات السَّخائمِ
وسَيْبُك يا ذا الجودِ غيرُ مُمنَّعٍلمُسْترفِدِ الجَدْوَى ببابِك قادِمِ
تركتَ ذوِي اللسَن المصاقعَ مُفْحِماًوإنَّك قد انْطقْتَ عُجْمَ البهائمِ
وكم مُفْلِقٍ أعجزتَه مُتحدِّياًبمُعجِز قرآنٍ إلى الحشر قائمِ
وهبْتَ جَرِيداً في الوغَى لعُكاشةٍتحوَّل نَصْلاً من مَواضِي الصَّوارمِ
ووجهُ ابن مِلْحان غدَا إذْ مَسَحْتَهمُضيئاً كبَرْقٍ في خلال غمائمِ
وشَاءٌ لعبد القيْس في أُذْن سَخْلِهاإلى اليوم قد أبْقيتَ بادي المياسِمِ
لعمري قد أصبحتُ مُغْرىً ببابِكَ الرَّفيع مُعَنّىً مُذْ أُمِيطتْ عمائِمي
عليك سلامُ اللهِ ما سطع الضُّحَىوأوْمَض برقٌ في خلال غمائمِ
كذلك للصحب الكرام وآلهذوي عِزَّة قَعْساءَ جَمِّ المكارمِ
لهم في النَّوادِي فضلُ حِلْمٍ ومُكْنَةٍوفي حَوْمةِ الهيْجاء عَدْوُ الضَّراغمِ
نجومُ هُدىً من يقْتديهم يفُزْ بمايرومُ اهْتداءً في ليالٍ فواحِمِ
وأنشدني من لفظه هذه القصيدة، مدح بها مفتي السلطنة:
أحْيَى رُبوعَ الأجْرَعَيْنِ لِزامَامُزْنٌ سَقاها وابلاً ورِهامَا
ومتى يُرى البرقُ اللَّمُوعُ بذي الغَضاطار الفؤادُ لها شجىً وغَرامَا
وثَوى الربيعُ على ذُراها مُلْقِياًبرَحِيب ساحتِها العصا فأقامَا
والريحُ إذْ هبَّتْ برَيَّا تُرْبِهاأذْكَتْ من الوجدِ الصريحِ ضِرامَا
زَرَّتْ هَتُون السحبِ في حافاتِها الْأزْرارَ ناشرةً بها أعْلامَا
لو ضَلَّه السَّارِي هدَاه نَحْوَ ساحتِها شَذَا أنْفاسِ نَشْرِ خُزَامَى
عهْدي بأيامٍ مَضَيْنَ برَبْعِهايا رِيحُ عنِّي بلِّغِيه سلامَا
أوقاتُ أُنْسٍ مثل إبْهام القَطاقد صِرْنَ من قِصَرِ المدى أحْلامَا
وبِمُنْحنَى وادِي الأراكِ حبيبةٌقلبي بشَجْوِ غرامها قد هامَا
وبسُرَّةِ البَطْحاء مُرْتَبَعٌ غداأضْنَى فؤادي صَبْوةً وهُيامَا
وبما ارْتدتْ بِرداءِ جَوْنِ سُفُورِهاصارتْ على بشر المَوامِي شَامَا
شَغَفِي وتَهْيامِي تجدَّد كلّماشدُّوا على العِيسِ الأَمُونِ حِزَامَا
للنَّاسِ صيَّرها الإلهُ مَثابةًإذ حيثُ عَيَّن قبلةً إعْظامَا
قُصَّادُها تَرْقَى على رُتَبِ العلىمهما تجُوب مَهامِهاً وأَكامَا
أصْبُو إلى تقْبيل هاتيك الثرىلأفُوز أن اسْتافَ ذاك رَغامَا
وإذا الحجيجُ توجَّهتْ نحو العُلَىأهْفُو إلى تلك الربوعِ غَرامَا
إن رُمْتَه نَيْلَ المُنَى مُسترفِداًخُذْ ما ترُوم فقد ظفِرتَ مَرامَا
فاطلُبْه ممَّن بالفضائل واللُّهَىلذَوِي الحِجَى والفضلِ صار إمامَا
مُفْتِي الورى ومُبِين أعلام الهدىأفْتَى الأنامَ وأوضحَ الأحْكامَا
ذو المجد إن أمْعَنْتَه ألْفَيْتَهوجدودَه الغُرَّ العظامَ كِرامَا
وبرأْيه المورُوثِ أعطَى راعياًللدولةِ العُظْمى به اسْتحْكامَا
أعْطَى بصائب فكرِه وبجُودِهلشَتِيت آمالِ العُفاةِ نِظامَا
وأزاح دَيْجورَ الحواديثِ بعد ماقد عَمَّ ساحاتِ الديارِ ظلامَا
وأراح مُذْ ساس الورَى فلأجْلِ ذاأضحت عيونُ الحادثاتِ نِيامَا
مَن فاز بِشْراً من أسِرَّة وجهِهبَرْقَ البشائرِ والتهَانِي شَامَا
ومَنِ اسْتضاءَ بنورِ غُرَّته اجْتلَىوجهَ السرورِ وقد أُمِيطَ لِثامَا
ولأجْل أن أغْلَى المعالِي قيمةًسوقُ المعالِي والمعارف قامَا
مَن كان مُنتمياً إلى أعْتابهأمسَى وأصبح للأنام إمامَا
أنت الذِي أعطيتَ جَدّاً ناعِشاًمن يستغيثُك نال ما قد رامَا
آنافُ كلِّ مُخالفٍ أجْدَعْتهابشَبَا البراعةِ إذ سَللْتَ حُسامَا
وجوادُ فكرك فاق سَبَّاقَ النُّهَىخاض الطِّرادَ وما أثار قَتامَا
وسلكتَ في سُبُلِ المكارم مَسْلَكاًأعْيَى الوُلاةَ وأتعبَ الحُكَّامَا
من يتَّخِذْ مَثْوَى جنابِك قِبْلةًللناس أصبح أُسْوةً وإمامَا
سَبقتْ لِبابِك لي تَلِيدُ عُبودةٍأنت الأحقُّ بأن تصون ذِمامَا
اللهَ أسألُ أن يُحلِّي دَائباًبوجودِك الأيامَ والأعوامَا
دُمْ في ذُرَا طَوْدِ السعادة والعلىتتسَنَّم الهضَباتِ والأعْلامَا
وأنشدني رائية خبية الفكر، والخريدة التي صانها الله صيانة البكر، وهي في مدح الوزير مصطفى، أخي الوزير الفاضل.
ومطلعهاك
دِراكُ المعالي بالمُهنَّدةِ البُتْرِوَنيْلُ الأماني بالمُثقَّفة السُّمْرِ
ومَن يهتْصرْ لَدْنَ القنا باعْتقالِهاجنَى يانعاً من دَوْحةِ النُّجْحِ والنصرِ
وهل بعد أن الحتْفَ ضربةُ لازبٍلمن ينْثنِي ذُعْراً عن الزحفِ من عُذْرِ
ولو لم يكن بالْهالِع النَّدْلِ سُبَّةٌكفى فيه خُسْراً سوءُ مُنْقلَبِ الكَرِّ
وما لم تُرِقْ لم يُورِق النُّجْحَ ناضراًنَجِيعُ الأعادي كالمُلِثِّ من القطْرِ
ومن يعْتنِقْ هِيفَ القَنا يسْلُ مُعرضاًعن الخَفِراتِ البِيض ناحِلةِ الخَصْرِ
ويسْتنتج الحَوْماتِ والبأْسِ من يكُنأبا عُذْر ما قد خاض من فتْنةٍ بِكْرِ
ومَن لم يخُضْ لُجَّ المَعارِك لم يكَدْيفُوز بِعقْد النَّحْرِ من لُؤلؤٍ نَثْرِ
فها هو ذا الصدرُ الكريم الذي غداعديمَ المُدانِي غيرَ مُشتَرك النّجْرِ
سَمِيُّ النبيِّ المصطفى الناشرُ اللُّهَىغزيرُ الندى شمسُ العلي الواسعُ البِرِّ
مُعزُّ أساسِ الدين مُحيِي رسُومهِمُذِلُّ رقابِ المعتدين ذوِي الكفرِ
وناظمُ شمْل الدين للمال ناشرٌيفوق الورَى في ذلك النظم والنثرِ
تطاوَل للأحْرارِ حيث اسْترقَّهمْبِفَكِّ عُناةٍ منهم عن يَدِ الأسْرِ
وصار له خَوْضُ الحروبِ سجِيَّةًولم يكُ يسْطو في المعارِك بالبُتْرِ
رحيبٌ ذَاره أصبحت مُنْتدَى اللُّهَىوحَضْرتُه العَلْيا غدَتْ منتهى الفخرِ
حَرِي للورى أن يُفْرِشوه خُدودَهميعُدُّونه زَهْواً من الشِّيَم الغُرِّ
له شاغلٌ بالبِيض عن أبْيَض الدُّمَىوبالسُّمْر يسْتغني عن الشُّدُنِ العُفْرِ
زَكَا خُلْقُه الَّزاهِي ورتبتُه اعْتلَتْعلى أنْجُمِ الزَّهْرا بل الأنْجُمِ الزُّهْرِ
أزاح بمَاضِي الشَّفْرتيْن صفوفَهمكما حَكَّ سْطراً بعد ما حاك من سَطْرِ
وما قد أتى من صَيِّب النُّجْح عاجلاًمَخِيلةُ أن يزْداد من دِيَمٍ غُرِّ
وأنت الوزيرُ ابنُ الوزير أخو الندىوصدرُ الصدور الماجِدين ذوي القَدْرِ
أحاطتْ أياديك الكرامُ بحيثمايَضيقُ بما خَوَّلْتَ منطقةُ الشكرِ
رُواقُ المعالي في ذَراكَ مُطنِّبٌبحيث غدَتْ أوتادُه مَرْقَبَ النَّسْرِ
بغزْوِك آضَ الشرعُ مُسْتوثِق العُرَىوأصبح حبلُ الدِّين مُستحْصِد الشَّزْرِ
ومن عَضْبِك البَتَّارِ ما برح العدىإذا أوْمَض البرقُ المُلِيحُ على ذُكْرِ
تركْتهمُ تحت السَّنابكِ في الوغىلَقَى بعد ما كانوا اعْتلَوا صَهْوة الكِبْرِ
ولاَذُوا حُصوناً قد ظفِرْتَ بفتْحهاكما فزِع الطيرُ المَرُوعُ إلى الوَكْرِ
ومن يكُ يأوِي من جَنابِك مَلْجأًجَلا أوْجُهَ الآمال مُبتسِمَ البِشْرِ
أقلْنِي يُثبْك اللهُ ما قد تروُمُهوزادَك ما قد حُزْتَ من شرف القدرِ
أفاض لك النُّعْمَى وزادك بَسْطةًبما مَنَّ من نُجْحٍ عظيمٍ ومن نصرِ
وجازَى بما أعليْتَ من كلِماتِهفكنتَ مُقيلَ الدِّين والشرعِ من عَثْرِ
وإنِّي وأيْمُ اللهِ لم آلُ دَعوةًمُدِيمُ الثناءِ المَحْضِ في السرِّ والجهرِ
غدوتُ أخا عُرْىً وضُرٍ وفاقةٍطَلِيحاً بأعْباءِ الخَصاصةِ والفقْرِ
وأضحى عدوِّي راثياً لي لأننيقويُّ الأسَى واهِي التجلُّد والصبرِ
وإني لِمَا بي من أسىً مُتجلِّدٌولكنَّ أحْزاني تنِمُّ عن سِرِّي
وإنِّي جديرٌ أن أُرَوَّي برَشْحةٍأفَضْتَ بها من فيْضِ نائِلك الغَمْرِ
مُنايَ وسُؤْلِي أن أفوز بحِجَّةٍوأسْرَحَ طَرْفِي بالحَجُونِ إلى الحِجْرِ
وفي في سماءِ الصدقِ صادقُ دعوةٍعَلا في الدياجِي مثل مُنْبَلِج الفجرِ
أنِلْ وابْق واسلَمْ مُستماحاً ومَفْزَعاًلمُسْتنْجِدي الجَدْوَى ومُسترفِدي البِرِّ
ودُمْ ساحباً ذيلَ المكارم ساكباًسحابَ نوالٍ مُخْجِلٍ نائلَ البحرِ
سقى اللهُ مِن دَانِي الهيَادِبِ صَيِّبٍحِماك الذي صارت مُناخاً لذي الفقرِ
وكتب إليه إبراهيم السؤالاتي، ملغزاً في ربيع، قوله، وقد أنشدنيه وجوابه من لفظه:
نكتةَ الدهرِ لَوْذَعِيَّ الزمانِعارفَ الوقتِ ألْمَعِي الأوانِ
بدرَ أُفْقِ الكمال شمسَ المعاليرُوحَ جسمِ الجمال والعرفانِ
والمُجَلِّي طِرْفَ الفضائل والبَذْلِ سَبُوقاً في حَلْبة الميْدانِ
والمحلى جيد الفصاحة بالفكر عقوداً من لؤلؤ وجمان
بيَراعٍ منه تُراعُ المَناياويُراعَى فيه ربيعُ الأمانِ
ما اسمُ شيءٍ طَلْقِ المُحيَّا نضيرٍبشَذاه يُرِيحُ لُبَّ الجَنانِ
رُبعه خمسُ ربعه وتراهإسمَ شخصٍ وقطعةً من زمانِ
شَطْرُه مالكٌ ومقلوبُ باقِيهِ يُصيب الإنسانَ في الأحْيانِ
واقلبِ الاسمَ بعد طَرْحِك للصدرِ تراه عيْباً بدا للعَيانِ
وإذا ما قلبْتَ حاشيتيْهفعبيرٌ ينِمُّ عن رَيْحانِ
وإذا ما حذفتَ ثانيَ هذافهْو رَكْبٌ يسيرُ في القِيعانِ
وانْتشِقْ من تصْحيِفه نَشْرَ شيءٍهو طِيبُ الأرْواحِ والأبدانِ
نصفُه إن ردَدْتَه فهْو شخصٌطائعٌ والديْه في كلِّ آنِ
وفَلاةٌ عريضةٌ وتعالى اللهـ ربِّي مُدبِّرُ الإنسانِ
وإذا ماحذفتَ ذا فهْو قوتٌوغذاءٌ للجائعِ اللَّهْفانِ
وإذا ما صحَّفْتَه فوِعاءٌلِغذاء الرضيعِ يا ذا البَيانِ
هاك مولايَ من عُبَيْدك لُغْزاًوابْقَ تسْمُو قدراً على كِيوانِ
ما سرَتْ نَسْمةُ الرياضِ صَباحاًفي رُباها بلَيِلَة الأرْدانِ
وتغنَّتْ بسَجْعِ حَمْدك وُرْقٌبفَصِيحِ التِّبْيانِ والألْحانِ
وهذا جوابه:
وردةٌ ذي أم مَبْسَمُ الأُقْحُوانِجاد وَسْمِيّ عارضٍ هَتَّانِ
أم ثغورُ المِلاح ألْعَسُ أحْوَىأم خدودُ المِلاح حُمْرُ قَوانِي
أم جُمانٌ مُنضَّدٌ لوشاحِ الْغِيدِ يُزْهِي مَعاقِدَ التِّيجانِ
أم سُلافُ الرُّضابِ عذْباً بَرُوداًبِتُّ منها كالْوالِهِ النَّشْوانِ
أم كؤوسٌ أدارها أهْيفُ القَدِّهَضِيمُ الحشا خضيبُ البَنانِ
زهرةٌ زانَها السحابُ سُحَيْراًبدموعٍ غزيرةِ الهمَلانِ
تلك روضةٌ غَنَّاءُ فيها من الوُرْقِ بكلِّ الأرْجاءِ سَجْعُ قِيانِ
نَفْثةُ السِّحْر أم رُقىً لِمُعنّىًفاترِ القلبِ ساهرِ الأجفانِ
كنتُ خِلْواً من الغرام فهزَّتْنِي صَباباتُ هذه الألحانِ
حيث جاءتْ ألَذَّ من غَفَواتِ الْفجرِ طِيباً لِجَفْنيَ السهرانِ
يا كريماً بعثتَ سِلْكَ عقودٍفاضِحاتٍ قلائدَ العِقْيانِ
مُلْغِزٌ في اسمِ ما به الرَّبعُ زَاهٍوهْو للدهرِ موسمُ العُنْفُوانِ
جئتَ للهِ يا ربيعَ المعاليبِمُوشّىً مُحيِّرِ الأذْهانِ
يا سَمِيّاً لمن به صِرْنَ بَرْداًوسَلاماً لَواعِجُ النِّيرانِ
فُقْتَ كلَّ الورى وصار مُقِرّاًلك بالفضل كلُّ قاصٍ ودَانِ
ما تعنَّتْ حمائمٌ ساجعاتٌبهديلٍ أعالِيَ العِيدانِ
أجبت أطال الله بقاك، وأقول كما قال شيخ المعرة، حيث أنشد:
واقْتنِعْ بالرَّوِيِّ والوزنِ منِّيفهُمومي ثقيلةُ الأوزانِ
ومن بدائعه قوله:
ترى السَّرْوَ إذْ وافَى السحابُ بثَلْجِهوقلبي المُعنَّى بالهوى جِدُّ مَسْجُورِ
يشمِّر أذْيالاً كبِلْقِيس حيثماتبدَّتْ لها بُسْطُ الرُّبَى كالقواريرِ
قلت لو كان للسرو رجل أخرى إلى رجله، لكان تشميره الذيل حتى يسارع بتقبيل الأرض لأجله.
ومنه قول ابن زهر الحفيد، في زهر الكتان:
أهلاً بزَهر الَّلازَوَرْدِ ومرحبَافي روضةِ الكَتَّان تعطِفه الصَّبَا
لو كنتُ ذا جهلٍ لخِلْتُك لُجَّةًوكشفتُ عن ساقٍ كما فعلتْ سَبَا
وأنشدني من لفظه لنفسه:
تَوَقَّ الشُّحَّ عن نَشْر الأيادِيوأيْدِي الجود فابْسُطْها سَماحَا
أيبْقَى العنكبوتُ بلا جناحٍأعَدَّ الله للرزقِ الجناحَا
ولي أنا فيه من المدائح قصائد محررة، وبرودٌ خِطتْها من جَيِّد الثناء وهي بالقوافي مزررة.
فمنها قصيدة أهديتها له عند دخولنا القاهرة، مستهلها:
على رَسْمِها بالمُدَّعِي من مَآلفِأقامتْ هَزِيماتُ الحيا المتضاعفِ
ونسختها اختص بها وحده، فلهذا لم أذكرها.
وكان له ولد طاهر النشأة وقورها، مبذول المكارم موفورها.
انتقل بمصر إلى عفو الله ورضوانه، وخلى القلوب تعالج لواعج أحزانه.
فكتبت إليه أسليه:
هو الرَّدَى للمرء بالمرصادِوالكونُ كلُّه إلى النَّفادِ
وهذه الدنيا التي نعرفُهاما هي إلا مَنْشأُ الأنْكادِ
أنكرتُها وأنكرتنْي وأناإذْ ذاك ما وُضعتُ في المِهادِ
فلو أكُنْ أملكُ روحي في يديأطلقْتُها من ساعة الميلادِ
مالي وإيَّاها وكلِّي ألْسُنٌعلى فَواتِ عُمُرِي تُنادِي
ومن يمتْ أحْسَب يلْقَى راحةًولا أقَلّ من أذَى الأضْدادِ
ويكتفي مع الورى في خَلطٍمشَّقةً متاعبَ الجهادِ
وقد فقدتُ مَن مضَوا ومعهمْراحلتِي من المُنَى وزادِي
وفيهمُ مَن لو يُفدَّى مَيْتُهُفدَيْتُه بحَبَّةِ الفؤادِ
ومن إذا ذكرتُ عهدَ قُرْبِهودَّعتُ عند ذكرِه رَشادِي
ومَن هواه لم يزلْ في خَلَدِيمُنَزَّلاً منزلةَ اعْتقادِي
ريحانةُ المجدِ التي بِعَرْفهاتعطَّرتْ مَعاطِسُ الأمجادِ
قد نقَد الفضلَ صفاتُه التيحَلتْه نَقْد الحُسْنِ للجيادِ
وكان في عيْن الزمانِ نُورَهاقد حلَّ منها داخلَ السَّوادِ
ومَن رآه في بُروجِ سَعْدِهفقد رأى أهِلَّةَ الأعيادِ
مضَى سعيداً والرِّضا زميلُهمُصاحبُ الإسْعافِ والإسعادِ
فكلُّ بُقْعةٍ به عاطرةٌتنْفح نَشْرَها بكلِّ وادِ
فما على من شَمَّ مِسْكاً أذْفَراًمن تُربِه مُضَمَّخَا بِجَادِي
لا زال في جنانِ عَدْنٍ ثاوياًيحْبُوه لطفُ المنْعم الجَوادِ
وباكرتْ مَضْجَعه من الرِّضاغُرٌّ يحثُّها الصَّبا غَوادِ
والله يقْضي لمُصابِ فَقْدِهبالصبرِ والجزاءِ في المَعادِ
ولا يزال عمرُه عُمْرَ الورىلا ينْقضي لأبَدِ الآبادِ
فهو الذي تُرشِدنا علومُهورأيُه للخير خيرُ هادِ
وقلت وأنا برشيد في خدمته أودعه، وكان المرض أقعدني عن رفقته، لمشيئة الله وحكمته:
أفارقُ من أوَدُّ به التلاقِيوأخْتار الحِمامَ على الفِراقِ
وأذكر عهدَ لَيْلاتي المَواضِيفأنْدُبها بتَذْكارِ البَواقِي
ولو كانتْ دمشقُ ثَنَى عِنانِيولا ألْقاك عِفْتُ بها اعْتلاقِي
فأنت إذا بعُدتَ فألْفُ بُعْدٍلآمالي ولا بَرِح اشْتياقِ
ولولا الضَّعفُ ما اخترتُ التَّوانيولا سلَّمتُ للبلْوَى وَثاقِي
فعُذْراً إنني والحظُّ قِدْماًتعاهدْنا على عدَم الوِفاقِ
إذا ما رُمْتُ أمْراً فيه نُجْحِييُعاكِسه ويجْهَد في شِقاقِي
فيا صبْري فديْتُك مِن مُطِيقٍويا بُؤْسي عدِمتُك من مُطاقِ
وأنت أيا مُنَى قصْدِي خبيرٌبما ألْقَى وما أنا بعدُ لاَقِ
فلا تُهْمِل لعبْدك رَعْىَ وُدٍودُمْ طولَ الزمان وأنت باقِي
السيد عبد الله، المعروف بابن سعدى روضٌ متهدل الغصون، من شجرة السرو المصون.
لم يرق أفصح منه براعة بيان، ولم يشق أنقش منه يراعة بنان.
فكفه توشي الأرض الزخارف، وتجر على وجه الرياض خضر الطارف.
وكان شديد العارضة في المعارضات، موفى العهد في المقارضات.
إلا أنه على جودة طبعه، وشفوفه في مادة نبعه.
زحلي الانتقال، والعثرة عنده لا تقال.
ينحرف من حيث يستقيم، ويعتل وشكل مادته عقيم.
ولهذا ابتلى في قضاه، بحكمٍ جرى على خلاف رضاه.
فجوزي باخترامه، في احترامه.
وقوبل باعتباطه، من اغتباطه.
فصعب عليه أمر العزلة وأشكل، إلى أن عقل أمانيه المطلقة وتوكل.
ثم حصل له إمدادٌ بالرجعة، فأحله فيما شاء من النجعة.
وأطلعت صفحته الصحو، ونشر بعد ذلك المحو.
ولما استقضى بمكة رأيته بالشام وهو يزدهي بالنسب الأوضح، ويتباهى بنبعةٍ فرعها في السماء ومغرسها سرة الأبطح.
وكان بينه وبين أبي حقوق، ما رميت قط بوصمة عقوق.
فاحتفل به احتفال الناس بالربيع إذا جَا، وهلال شوال إذا فاجا.
ثم جرى بينهما مخاطبات، وطرف مكاتبات.
ألذ من إغفاء الفجر، وأشهى من الوصل بعد الهجر.
ثم دخل الحجاز، فكان لوعد ارتحاله بها الإنجاز، وهكذا من كان في دار النقلة والمجاز.
فرحم الله انقطاعه إلى كرمه، والتجاه إلى رمه.
فمما دار بينه وبين أبي، ما كتبه إليه أبي:
يا ساكناً بشِغافِيوعن عيونِيَ خافِي
طوَّلتَ مدةَ هجرِيوبعضُه كان كافِي
كدَّرتَ بالبُعدِ عيِشيمن بعد ما كان صافِي
لهفِي لطِيب ليالٍمرَّتْ لنا بالتصافِي
حيث الشبابُ قَشِيبٌوالدهرُ فيه مُوافِي
وسالفٌ من زمانٍتُدار فيه سُلافِي
من كفِّ رِيمٍ كغُصْنٍيميلُ بالأعْطافِ
يزْهُو بورْديِّ خدٍيُزْرِي بوَرْد القِطافِ
زمانُ لَهْوِي تقضَّىبرَوضةٍ مِئْنافِ
تُسْقَى من السُّحبِ وَبْلاًبعارضٍ وَكَّافِ
يا دهرُ رِفْقاً بصَبٍحتى متى ذا التجافِي
وعدْتني بالأمانيفكُن بوعدِك وافِي
واسمحْ برؤيةِ مَوْلىًسليلِ عبدِ منافِ
منها:
مولايَ يا بحرَ فضلٍطَامٍ من الجود طافِي
وفائزاً بقوافٍأعيتْ لَعَمْرِي ابنَ قافِ
أنت الغنِيُّ بمَدْحيعن كثرةِ الأوصافِ
فلا تظنَّ بأنِّيلِسابقِ الوُدِّ جافِي
لو كنتُ أعلم أمرِيلكنَّ أمْرِيَ خافِي
لَكان سَعْيِي إليكمْوفي حِماكم طَوافِي
فرَبْعُ غيرِك عنديمولايَ كألأعْرافِ
إن رُمْتَ تفْصيلَ حالِيمن الزَّمانِ المُجافِي
ما إن تمنَّيتُ شيئاًإلا أتى بالخلافِ
من جَوْره ضاق صدريفسِحْتُ في الأريافِ
حتى حَللْتُ بمصرٍمن بَعْد قطْع الفيافِي
فلم أجِدْ ليَ فيهاغيرَ الثلاثِ الأثافِي
فلا صديقٌ صَدُوقٌولا حبيبٌ يُوافِي
هذا زمانٌ عجيبٌما فيه خِلٌّ مُصافِي
والفضلُ قد صار ذَنْباًوللرَّواجِ مُنافِي
منها:
واعذُرْ بفضلِك فكرِيضاقتْ عليه القوافِي
ودُمْ بسَعْدك تسْمُوعُلاً على الأسْلافِ
فأجابه بقصيدة طويلة، مستهلها:
يا خيرَ خِلٍ مُصافِيلازال وِرْدُك وافِي
أين الزمانُ الذي قدكُنَّا به في التَّصافِي
ما بيْننا غيرُ وُدٍما بيْننا من خِلافِ
طَوْراً نُرَى من رياض الْعلومِ في الاقتطافِ
وتارةً من بحار الْقَرِيض في الاغْترافِ
كنَّا كمثلِ الثُّرِيَّابصُحبةٍ وائْتلافِ
فصيَّرَتْنا بناتِ النَّعْشِ الليالِي الجَوافِي
بيننا نَرُود برَوْضٍيوماً مع الأحْلافِ
وطيرُه في وِفاقٍولَحْنُها في اخْتلافِ
إذْ صاح منها غُدافٌتَعْساً لذاك الغُدافِ
قد بَان كلٌّ عن الإلْفِ وهْي ذاتُ الإَفِ
منها:
عسَى ليالٍ تقضَّتْيعُدْنَ بالإسْعافِ
آهٍ عليها فآهٍقد أسرعتْ في التَّجافِي
مضَتْ سريعاً وولَّتْكمثلِ دُهْمٍ خِفافِ
مرَّتْ كخاطفِ بَرْقٍوطِرْنَ كالخُطَّافِ
قد كُنَّ شَامَ زَمانِيكالشَّامِ في الأرْيافِ
دمشقُ أعْنِي ودامتْمُخْضرَّةَ الأكْنافِ
شوقي لها كلَّ حينٍيزْداد بالأضْعافِ
أصْبُو إلى بَرَداهابلَوْعةٍ والْتِهافِ
نسيمُها وهْو ذُو عِلَّةٍ لدائِيَ شافِي
أنهارُها لجيوشِ الْهمومِ كالأسْيافِ
بها حدائقُ فاقتْفي أحسنِ الأوْصافِ
تلك الحدائقُ تحكيصفاتِ خِدْنِي المُصافِي
منها:
يا مَن له كابْنِ بُرْدٍبُرْدٌ من الفضلِ ضافِي
يا ظافراً بقوافٍأعْيَتْ عُوَيْفَ القَوافِي
عويف القوافي، هو: عويف بن معاوية بن عقبة الفزاري.
من شعراء الدولة الأموية.
وإنما قيل له عويف القوافي لبيت قاله، وهو:
سأُكذِبُ مَن قد كان يزْعُم أننيإذا قلتُ قولاً لا أُجِيد القوافيَا
أتْحَفتنا بقرِيضٍأحْسِنْ بذا الإتْحافِ
فَائِيَّة ما رأيْنامِثْلاً لها في القوافِي
ما من سِنادٍ خَلِيلِيبها ومِن إصْرافِ
السناد: اسم لكل عيب يحدث للحروف والحركات قبل الروي.
والإصراف: اختلاف المجرى، وهو الحركة في الروي، بالفتحة والضمة.
وإذا كان بالضمة والكسرة فهو الإقواء.
وأما الإكفاء، فهو تقارب حرفي الروي في المخرج، كالنون مع الميم.
والإجازة هو بعدهما في المخرج، كالباء واللام.
زفَفتَ بِكْراً عَرُوباًإليَّ خيرَ زَفافِ
بِخَتْمِها بلَغتْنيمَصونةً في السِّجافِ
عتبْتَ في تَرْكِ كُتْبِيإليكَ والعَتْبُ شافِي
لا تَعْذُلَنِّي فهذاحَوْبُ الزمانِ المُجافِي
وإن يكنْ ذاك ذَنْبِيفاصْفَحْ ومثلُك عافِي
ما أجملَ الصفحَ عن ذنْبِ مجرمٍ ذي اعْترافِ
واللهِ ربِّي الذي لاتخْفَى عليه الخَوافِي
حُبِّيكَ في كلِّ حينٍيكون في استحْصافِ
رأسٌ كقافٍ وإن كان بيْننا بُعْدُ قَافِ
لا زلْتَ ترْفُل عِزّاًوثوبُ قدْرِك ضَافِي
عبد اللطيف، المعروف بأنسي أعجوبة الأقطار والأمصار، وشرك العقول وقيد الأبصار.
وحسنة هذا النوع الإنسي، وعذر الزمن عن ذنب به أنسي.
اشتعلت بأسماره فحمة الليل، وجرى في روض أخباره نهر الصبح مثل السيل.
بحسن بيان يسحب ذيله على سحبان، ولطف تعبير يجر مطرفة على جرير وحسان.
وأحاديث هي مراوح النفوس من كد الفكر، ومصفاة القلوب إذا أبقت فيها الحوادث أثر العسكر.
ومناسبات هي نزهة مسارح الأخبار، وحظ جارحة السمع من منح الاعتبار.
أشهى من لذة النشوان، وقطع الرياض، جرى فيها ماء البيان، وسقتها مياه الحياض.
وله في الفنون يدٌ تتناول الشمس، وتشبر البسيطة بالبنان الخمس.
فلو أدركه الرازي لقيل له دونك إمامك، أو ابن أرفع رأس، لقيل له ارفع رأساً وانظر من أمامك.
أو لحقه ابن وحشية لقرب له المتنافر البعيد، أو خالدٌ الغيور لكفاه هم التقطير والتصعيد.
فلو وضعت صنجات النجوم من نيران السماء في كفه، لم توازن مناقبه الغر ونسبت إلى طيشٍ وخفة.
له تدبير محتنكٍ مجرب، ورأى ممارس مشرق ومغرب.
ونظمه ونثره باللسانين، هذا يقصر عنه من السحاب دره، وذا يصغر عنه من السخاب دره.
فذا أصفى قطراً وديمة، وذا أوفى قدراً وقيمة.
وكان في آخر أمره تنبه حظه من نومته، وسيم من الإقبال التام بسومته.
فولي قضاء الشام، ونال رتبةً يتباهى بها العز والاحتشام.
وقد رأيته يوم دخوله، وزحمة الأعين تحول بين التملي ووجهه، فرأيت شيخاً إذا سار البدر في موكب نجومه، قيل قد غنينا عنه بتلهبه.
وقد أخلق العمر عمائم ثلاثاً في راسه، وأشعل للرحيل بهذه النعشة ذبالة نبراسه.
ولم يبق من كأس عمره إلا جرعة، وبريد المنية سائرٌ إليه في عجلة وسرعة.
فما حط أثقاله بهذا الفنا، حتى نزل دار البقا وترك دار الفنا.
فالله ينور له الحفيرة والتربة، وهو المسؤول أن يؤنس له الوحشة والغربة.
وهذا جانبٌ من نثره الفائق، ونظمه الرائق.
أتيت منه بالقليل من الكثير، فإن محاسنه تزيد على نجوم الفلك الأثير.
فمن ذلك ما كتبه إلى مفتي الدولة:
دروعٌ لِشاكِي الطعنِ هذي الرسائلُيرُدُّ بها عن نفسه ويشاغِلُ
هي الزَّرََدُ الضَّافِي عليه ولفظُهاعليكَ ثناءٌ سابغٌ وفضائلُ
أتاك يكادُ الرأسُ يجحَد عُنْقَهوتنْقَدُّ تحت الذُّعْر منه المَفاصلُ
كيف لا، وأيد الله مولانا، وهو مظهر الجلال والقهر، ومصدر الحماسة والسيادة في أبناء الدهر.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع