تجاوز إلى المحتوى

من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)

فائدة

إنما سمي الغزل تشبيباً؛ لذكر الغريب فيه أيام الشباب، فما بكت الأعين شيئاً كما بكته، ولا رثت غائباً باشعارها كما رثته.

ويروى أن منصور النمري لما أنشد هارون الرشيد أبياته العينية التي منها:

ما تنْقضِي حسرةٌ منِّي ولا جزَعُإذا ذكرْتُ شباباً ليس يُرْتَجَعُ
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
ما كنتُ أُوفِي شبابِي كُنْه قِيمَتِهحتى مضَى فإذا الدُّنْيا له تَبَعُ

استعبر الرشيد، وأجرى دمعه ذلك النشيد.

وما أشجى قول ابن طباطبا:

للهِ أيامُ الشسبابِ فإنَّهاكانت لسُرعةِ مَرِّها أحْلامَا
لو دام عَيْشٌ رحمةً لأخِي هَوىًلأقام ذلكم السرورَ دَوامَا
يا عيْشَنا المفقودَ خُذْ من عيْشِناعاماً ورُدَّ من الصِّبا أيَّامَا
للشاعر ابن طباطبا العلوي، اقرأ القصيدة

وأشجى منه قول ابن الأثير في المثل السائر، من رسالة: أعوامٌ تعد أياماً لقصر أعمارها، وشهورٌ لا يشعر بأنصافها ولا سرارها.

فالأوقات بها أصائل، والمحاسن فيها شمائل، والمآرب في ساعاتها رياضٌ في خمائل.

فما أدري أهي خيالات أحلام عزت، أم أحاديث أمانٍ مرت.

والأحْورُ الأحْوَى ومعنى الْعيشِ أحْوى الطرْفِ أحْوَمْ
رَشَأٌ مُؤشَّرُ ثَغْرِهِ الْبَرَّاق مَعْسولٌ مُوشَّمْ
كأسٌ كخاتِم فِضَّةٍأضْحَى بمِسكِ الخالِ يُخْتَمْ
يُذْكِي الغرامَ مُبَرَّدٌمنه مليحُ الطعمِ والشَّمّ
لو أشْرقتْ للبدرِ غُرَّةُ وجهِه صَلَّى وسلَّمْ
من أجْلِه قد سَلْسلَتْعيْنِي حديثَ الدمعِ عن دَمْ
يا ليْته يوماً يَرِقُّلحالِ مظلومٍ تظلَّمْ
حتَّى مَ أشكُو واصْطبارُ أخِي الهوى فَرْضٌ مُحتَّمْ
للهِ مولىً مالكٌأهْدَى ليَ الدُّرَّ المُنظَّمْ
أهْدَى لِيَ الوردَ الجَنِيَّوقالَ لي فاشْتَمَّ والْثَمْ
يا مالكِي والمالكُ الْمولَى جزيلُ الفضلِ يخدمْ
شرَّفْتني ولك الفخَارُ كما لَك الشرفُ المقدَّمْ
بمُشَرِّفٍ لقُدومِهقدِم الربيعُ وخيرُ مَقْدَمْ
فكحَلْتُ منه ناظرِيبالشمسِ والبدرِ المُتَّممْ
والسبعةُ الأفلاكُ جاءتْ في دقائِقه تنظَّمْ
ما زلتُ أطْوِيه وأنْشرُه وأمْسحُه وألْثَمْ
هو نُصْبُ عيني مُذْ أتَىما زال بيْن الفْتحِ والضَّمّ
ما زلتُ أسْتشْفِي بهورسائلُ الأحبابِ مَرْهَمْ
فرأيتُه لِجَوايَ أحْسَنَ قاطعٍ لي وأحْسَمْ
وشكرتُ أجملَ نعمةٍمن فضلِ مَولانا وأجْسَمْ
ونظَمتُ حَصْباءَ التُّرابِ ولم تكن ممَّا تنَظَّمْ
وغُرِرتُ أنِّي كنتُ أنْظِم في زمانٍ قد تقدَّمْ
فاعذِر فهذا النَّظمُ يدْفعُ في لَهازِمِه ويلْطِمْ
ولأَنْت أكرمُ ساتِرٍلعُيوب خادمِه وأرْحَمْ
وإذا تكاملتِ المَودَّةُ يا صديقُ وأنت أعلَمْ
طُوِيَ البِساطُ فلم أكُنْممَّن تَحاشَى أو تجهَّمْ
والحمدُ للهِ الذيأعْلاكَ مِقْداراً وعلَّمْ
واللهُ يجمعُ شَمْلَنامن فضْلِه جَمْعاً مُنَظَّمْ

ومن بدائعه قوله:

شوقٌ تَجنَّاه الحبيبُ بلا جُرْمِورئْمٌ غَرِيرٌ لا يُوافِي ولا يحْمِي
وشوقٌ أن النارَ من قَدْحِ زَنْدِهفكيف يرُوم العاذلون له كَتْمِي
وجَفوةُ نَشْوانِ المَعاطِفِ حالِيَ المَراشِف بدرٌ تَمَّمَ البدرَ في التِّمِّ
حلاَ مُرُّ حُسَّادِي عليه بذكرِهكأن المُسمُّى منه في صورةِ الإسْمِ
وكم ليلةٍ بتْنا على غيرِ ريبةٍتُطارحني نَظْماً فينْظِمُه نَظْمِي
وأرْشُفُ رِيقاً علَّه يُطْفىءُ الجوَىولم أدْرِ أن البردَ إفْراطُه يُظْمِي
جِناسِي على رشْفِي لذاك مُحرَّفٌولا شَكَّ أن الظَّلْمَ نوعٌ من الظُّلْمِ
على خَدِّه قد وقَّع الحُسْنُ أسْطُراًفيكتبُها دمعي ويخْتِمها لَثْمِي
رمَى جُرْحَ أحشائي عليه صَبابةًوعهْدي به قد كان يُدْمِي ولا يَدْمِي
أحِبَّتَنا كم من رقيبٍ عليكمُأُدارِيه حتَّى في الدجَى مُقْلةَ النَّجْمِ
سقى عهدَكم صَوْبُ العِهادِ ومُقْلتيفعهْدي بها من هجرِكم دِيمَةٌ تَهْمِي
ألا ليت شِعْرِي هل أقولُ قصيدةًولا أشْتكِي فيها إلى صاحبٍ هَمِّي
ومَن ذا يُشكِّيني إذا جئتُ شاكياًوقاضِي الورَى دون الورَى كلِّهم خَصْمِي
هو الماجدُ السَّباقُ في حَلْبة الوغَىنعمْ وكذا في حَلْبة العلمِ والحِلْمِ
وما فيه من عَيْبٍ سوى أنَّ كُتْبَهتُعوِّذني من طارقِ الليلِ بالنَّجْمِ
حكمتُ له بالسَّبْقِ في كلِّ غايةٍوظنِّي به أن يُثْبِت الحكمَ بالحُكْمِ
عسى المُبدِىءُ الخلاَّقُ يُرجِعُ سالفاًفيَرْجِعُ رُوح الأُنْسِ منِّي إلى جسْمِي
ودونَكها عَذْراء كالشمسِ رِفعةًعَلا بيتُها عن عِلَّة الكشْفِ والخَرْمِ

ومن غزلياته الرقيقة قوله:

أشاقَك بَرْقُ نَعْمانِفعُدْتَ مُدَلَّهاً عانِي
رُوَيْدَك إنَّني يا صاحِبي في الحالِ سِيَّانِ
تعالَ نذكُر الأحْوَى الذي أصْغَى إلى الشَّانِي
وأطْعمنِي فلمَّا أنأنِسْتُ به تَجافانِي
وأغْضَبنِي واصْلَح بيْن تسْهيدِي وأجْفانِي
وما بالغتُ في ذِكْرِيله إلاَّ تَناسانِي
فسَلْنِي كيْ أُحقِّق أنَّدهرِي فيه يَوْمانِ
فيومٌ يومُ تهْديدٍوآخرُ يومُ هِجْرانِ
أُراقبُ حاسدِيه لهفأصْحَب كلَّ إنسانِ
فسُكَّانُ الغَضا سكنُواوأهلُ الأثْلِ جيرانِي
أيا زمنِي على الأثْلِ الخَصِيبِ وعيْشيَ الهانِي
سَقاك من الغَمامةِ صَوْبُ هتَّانٍ بهَتَّانِ
لقد قلَّدْتني مِنَناًتُحقِّر كلَّ إحسانِ
وكنتَ ليَ السرورَ فهلْتُعِيد مَسَرَّتي ثانِي
وتحفظُ حُرْمتي أبداًفيَرْعاها ويرْعانِي
أليس من العجائبِ أنَّعَزْمِي ليس بالْوانِي
وحظِّي كلَّما خالَلْتُ من خِلٍ تعَدَّانِي
وبَدْرِي حاضرٌ ناءٍفقُل في غائبٍ دَانِي
وما نَفْعِي بقُرْبِ الدَّارِ مَعْ صَدٍ وحِرمانِ
فرُبَّ قريبِ أوْطانٍيُعَدُّ بِعيدَ أوطانِ
أراني قد جُبِلتُ علىهواكَ فلسْتَ تخْشانِي
وقلبِي بالورَى قَلْبٌوقلبُك فيه قَلْبانِ

وقوله:

مُصدِّق الكاشِح والشانِيومُرسِ الدَّمعِ من الشَّانِ
ذاك الي مُلْكُه مُهْجتِيمن كلِّ يومٍ هو في شَانِ
مَن أجمعَ الناسُ على حبِّهلم يختلفْ في وصْفِه اثْنانِ
غُصْن من الدُّرِّ لذيذُ الجَنَىلكنَّه عَزَّ عن الجانِي
حلُو التَّثَنِّي والثَّنايا التيأزْرَت على بارقِ نَعْمانِ
أصْلَي فؤادِي نارَ هجْرٍ لنامُقْتبَسٌ من خدِّه الْقانِي
أُعِيذه باللهِ أن ينْتَحِيظُلْمِ بلا واضحِ بُرهانِ
إلاَّ على الشُّورَى التي أُودِعتْإليه من زُخْرُفِ غَيْرانِ
يا لِي من الواشِي الغَيُورِ الذيأغْراهُ بالزُّورِ وأغْرانِي
لكنَّني لم أستمِعْ فيه قَوْلَ الزُّورِ من إنْسٍ ولا جَانِ
يا ساحرَ الطرفِ الكحِيل الذيأخْرَجني من أرضِ سُلْوانِ
وكيف أسْلُو وغريمُ الهوىفي كلِّ حينٍ يتَقاضانِي
أشْكُوك حالاً أنتَ أدْرَى بهايَرْثي لها شامخُ ثَهْلانِ
قد كِدْتُ أن أكتُمَها دائماًوإنَّما فِعْلُك ألْجانِي
فما عَدا فيما بَدَا بيْنناحتى تهاوَنْتَ بأيْمانِي
وأنْتَ قد أمَّنْتَنِي بعدَهاسَطْوةَ إعْراضٍ وهجْرانِ
أخْلَفْتني أوَّلَ وعدٍ فهلْأطمَعُ في الثالثِ والثانِي
ثَناكَ رِيحُ العَذْلِ عن وَالهٍوالرِّيحُ تَثْنِي غُصُنَ الْبانِ
قد كاد من قبْلِك أن ينْثنِيوإنَّما حَظِّيَ أقْصانِي
فهْو الذي أزْدادُ عِلْماً بهيسْعَى لإقْصائِي وحِرْمانِي
وهاك عَتْبِي فاحْتمِلْه وإنْأسأتُ عاملْنِي بإحْسانِ
وأنت في أوْسعِ حِلٍ ولاوَاخَذك اللهُ بأشْجانِي
واحْكُم بما شئْتَ وما تَرْتضِيفكلُّ ما يُرْضِيكَ أرْضانِي
وكلُّ أرْضٍ أنتَ ثَاوٍ بهاتصيرُ من جُملةِ أوْطانِي

أخوه محمد أديبٌ كما تقترح، له طبع طيعٌ وخاطر منشرح.

اقتفى أثر أخيه في أسلوبه، فتم له ما جنح إليه على وفق مطلوبه.

فمن رآهما عرف ابني صاعد، وقال كلا الفرقدين محلهما غير متباعد.

فهما يدٌ وساعد في الاتصال، وجسمان والروح واحد لا يقبل الانفصال.

وقد ظفرت لهذا بشعرٍ قليل، لكنه على ما قلته في وصفه أول دليل.

فمنه قوله:

حُثَّ الْمَطِيَّ إلى الأوْطانِ يا حادِيأما ترى السَّعْدَ قد نادَاك بالنَّادِي
غدَتْ طَوالعُه بالسَّعْدِ تخبرُناوجَوَّدتْه بإتْقانٍ وإسنادِ
عَساك تبلُغ بي الأحْوَى الذي فتكَتْألْحاظُه وأهاجتْ نارَ أكبْادِي
رمتْ فؤادِي على عَمْدٍ وما حفِظتْعهدِي ولا أنْجَزتْ بالوصلِ مِيعادِي
مَن لي برَشْفِ رُضابٍ من مُقَبَّلهِيَرْوِي ظَما قلْبِيَ المُستأْسِر الصَّادِي
مَن لي بذلك في أمْنٍ وفي دَعةٍمن الوُشاةِ رَماهم سهمُ إبْعادِي
باللهِ باللهِ يا ريحَ الصَّباءِ خُذِي التَّحيَّةَ مِن ذا الرائحِ الغادِي
وصِفْ هَواي وما ألْقاه من كَمَدٍلِجيرةِ الجِزْعِ والباناتِ والْوادِي
هم أصلُ دائِي ولولاهم لمَا طرِبتْنفسِي إلى شادنٍ في الحيِّ أو شادِي
ليت الغُوَيْر تُعِيد المُلتقَى لِشَجٍكما مضَتْ وتساعِفني بإسْعادِي
وعَلَّ ساكنةَ الأحشاء تُطلِقُهلِمُغْرَمٍ مالَه من أسرِها فادِي

إبراهيم بن المفضل إمامٌ تحلى بحلية التقى، وبلغ في الزهادة غاية المرتقى.

اجتهد في العبادة من عهد شبيبته واهتم، وسهر الليالي ثم قال لما يكره الله نم.

ومع ذلك فهو في الأدب مجيدٌ ملء فمه، مطلع لأحاسن الشعر من طرف قلمه.

وفي القول حقه، وادعى حر الكلام فاستحقه.

وقد أوردت له ما تشتم منه نفساً عابقاً، ولا تجد عنه إلا بعد مناله عائقاً.

فمنه قوله في الغزل:

أورَث جَفْني الأرَقَابجَفْنِه إذ رَمَقَا
ظَبْيٌ يُعِير قامةًإذا انْثَنى غُصْنَ النَّقَا
رشِيقُ قَدٍ سلَب الْألْبابَ لمَّا رشَقَا
صارمُ لَحْظيْه بمُهْجةِ المُعنَّى مَشَقَا
صُبحُ جَبِينِه إذاأسْفَر جَلَّى الغَسَقَا
داءُ هواه أعْجزَ الرَّاقِي فما تُغنِي الرُّقَى
قد صار قلبي في هَواهُ يا رِفاقِي مُرْتَقَى
ودمعُ عيني لم يزَلْمُذ صَدَّ عَنِّي مُطلَقَا

وقوله:

دَعْنِي أكابِدُ لَوْعتِي وأُقاسِيأين الشَّجِيُّ من الخَلِيِّ القاسِي
باللهِ لا تُطلِ المَلامَ فإنَّ ليقلْباً عليلاً مالَه من آسِ
في حُبِّ مَن يحْكِي الصخورَ بقلْبِهوالقدُّ منه حكَى قَضِيبَ الآسِ
يُخْفي الغزالة إن بَدا في حُسْنِهويفُوق بدرَ التِّمِّ في الأغلاسِ

شمس الدين أحمد، وبدر الدين حسين ابنا يحيى بن المفضل كوكبا كوكبان، اللذان ظهر فضلهما وبان.

توافقا صبغة وصنعة، وتظاهرا نعمة ومنعة.

فجمعا من المكارم ما به المجد يتأثل، وبمحاسنه الفضل يتمثل.

يضمان يديهما على الفضة والذهب، فلا يمسيان إلا والفضة انفتضت والذهب ذهب.

وقد ذكرت لهما ما لا يشبع منه الناظر، ولا يروى من الخاطر.

فمن شعر الشمس النير الأكبر قوله، من قصيدة كتب بها إلى أحمد بن حميد الدين صاحب الترويح.

ما ابتسمَ البرقُ ولا أبْرَقَاإلا وأشْجَى قلبيَ المُحْرَقَا
ولا تغنَّتْ وُرْقُ بَانِ الحِمَىإلا جَرى دمعي الذي مارَقَا
ولا سرَتْ نَسْمةُ رِيح الصَّباإلاَّ وأهْدتْ عَرْفَ رِيمِ النَّقَا
مُهَفْهَفٌ يُزْرِي بشمسِ الضَّحىويُخْجِل البدرَ إذا أشْرقَا
حاجِبُه المَقْرون عن مُقْلتيقد حجَب النومَ فلن يطرُقَا
وطَرْفُه النَّعْسانُ من قوسِهبسَهْم ذاك اللَّحْظِ قد فُوِّقَا
وخَدُّه الوردِيُّ قد حَفهزهرٌ ونَسْرِينٌ به نُمِّقَا
وثَغْرُه قد زانَه مَنْطِقٌللهِ ما أحسنَه مَنْطِقَا
ورِيقُه الجارِي على دُرِّهيشْفِي جَوَى قلبي الشَّجِي لا الرُّقَى
وجِيدُه السَّامي يفُوق الظُّبافحقَّ أن أصْبُو وأن أعشَقَا
وقَدُّه ما رُمْتُ تشبيهَهبالغُصْنِ إلاّ كان ذا أرْشَقَا
ما خلَق الرحمنُ في خَلْقِهمِثلاً له كلاَّ ولن يخلُقَا
ولا رأيْنا في الورَى مُشْبِهاًلمَّا غدَا في دهرِنا المُنْتقَى
شمسُ الهدى أحمدُ أعنِي الذيأحْيَى رُسوماً للعُلَى وارْتَقَى
عينُ بني المُختارِ في عصرِناالعلَمُ الفَرْدُ حلِيفُ التُّقَى
سعَى إلى العَلْيا بعزْمٍ لهنال به المجدَ فلن يُلْحَقَا
له فَخارٌ أصلُه راسخٌفي روضةِ العَلْياء قد أغْرقَا
صِفاتُه غُرٌّ فصِفْه بماشئتَ فما أحسنَ ما أصْدقَا
ما كان في رَبْعٍ ولا منزلٍإلاَّ غدا من نُورِه مُشرِقَا
في كَوْكَبانَ العِزُّ لمَّا بداإليه شاهدْنا له رَوْنَقَا
وزادَه حُسْناً إلى حسنهِوجدَّد الوَجدُ له مَوْثِقَا
أسعدَه اللهُ بأيَّامهولطفه غرَّب أو شرَّقَا

فأجابه بقوله:

يا زمنَ الأثْلِ بوادي النَّقاسَقاك مُنْهَلُّ دموعِي سَقَا
يا بهجةَ العُمرِ ووجهَ المُنَىقد كان بالَّلذَّةِ لي مُشْرِقَا
أيامَ لا ألْوِي على صادقٍمُناصِحٍ أو كاذبٍ صدّقَا
أيامَ لا أصحَبُ رِيحَ الصَّباولا أُراعِي بارقاً أبْرَقَا
وروضةُ الحسين لنا مَوْئِلٌوغُصْنُها المَيَّاد قد أوْرَقَا
عيشٌ مضَى فالجَفْنُ من بعدِهوقَّع سطراً بالبُكاء مُلحقَا
هل لِي إلى جَنَّاتِه ساجِعٌوهل أرى لي في الهوى مُشفِقَا
يا جِيرةَ الروحِ بحقِّ الوفالا تنْقُضُوا عهداً ولا مَوْثِقَا
أتحسَبوني قد تناسيْتُ ماقد حلا قِدْماً بعصر اللِّقَا
فلم أزَلْ إن عَنَّ لي ذِكْرُهمُفكِّراً في عَوْدِه مُطْرِقَا
لي في هواكم مَذهَبٌ مُذْهَبٌحقَّق فيه الدَّرْسُ ما حقَّقَا
توْضِيحُه يُزْهِي بتنْقيحهِتَلْوِيحه يُعْجِز من دَقّقَا
سألتُ مَن حمَّلني بُعْدَكميجعلُ لي من أمرِكم مِرْفَقَا
ويعمرُ الفضلَ بإبْقاءِ مَنأكْسَبه في دهرِنا رَوْنَقَا
قد رفع النظمَ فقلنا لهنظمُك في الذِّرْوة يا مُنتقَى
أحمدُ مَن حَمْدِي له دائماًما سجَع الطيرُ وما صَفَّقَا
يا ماجداً طَوَّقني مَنُّهأعْجزني أفْحَمنِي مَنْطِقَا
بدأتَ بالفضْلِ وأنتَ الذيسبقتَ بالفخرِ فلن تُلْحَقا
للهِ ما شنَّفْت سَمْعِي بهمن غَزَلٍ حَيَّرني أقْلقَا
تَخِذْتُ صَبْرِي دونه جُنَّةًثم ترقَّبْتُ لنَفْثِ الرُّقَى
فما اهْتدَى قلبي إلى سَلْوةٍولا هذَي كَلاَّ ولا فرَّقَا
ضَمَّنتُه ذِكْر اجْتماعٍ لناكَمَّله اللهُ بطُولِ البَقَا
كان ليَ الحظُّ به كُلُّهفلم أزَلْ مُغْرىً به شَيِّقَا
ودونكم نَظْمِي الذي جاءكممُجدِّداً للعهد مُستوثِقَا
واعذِرْ سَرِيعي إن مشَى مُسْرِعاًيطلبُ من أفواهِكم فُسْتُقَا
واستُرْ عليه إن تجِدْ عَثْرةًفإنه نَزْرُ كلامِ اللِّقَا
وسَل لنا التوفيقَ والعفوَ والْغُفرانَ فالفائزُ من وُفِّقَا

وله:

بالبِعاد تجْزِينِييا غزالَ يَبْريِنِ
هل لذاك من سَبَبٍأم تُريد تَبْريني
قد وَلِيت حُكْمَ شَجٍفي هواكَ مَفْتونِ
ما تَخافُ يا أمَلِيمن تِلافِ مسكينِ
بالصدودِ تقْتُلنيوالهوانَ تُولِينِي
أيُّ حاكمٍ يُفْتِييا حبيبُ بالْهُونِ
هل يصحُّ ذاك ومَنبالجوازِ يُفْتينِي
ليس ذاك يُوجَد فيشِرْعةٍ ولا دِينِ
كَمْ جمعْتَ من حَسنٍكاملٍ بتحْسينِ
اللِّحاظُ فاتِرةٌبالسِّهامِ ترمينِي
والخدودُ ناعمةٌأزْهرَتْ بنَسْرِينِ
والجبينُ حاجبُهفي القِرانِ كالنُّونِ
والقَوامُ مُعتدِلٌكالغصُون في اللِّينِ
والسَّقامُ من مُقَلٍناعساتِ تَسْبِينِي
والدواءُ في شَنَبٍكالأقاحِ مكْنونِ
لَثْمُه شِفا أملِيوالرُّضابُ يرْوِينِي
كم أقولُ من شَغَفٍفيك مَن لِمَفْتونِ
مَن لِمُغرَمٍ دَنِفٍبالجآذرِ العِينِ

وله:

جُدْ بوصلٍ يا ناعسَ الأجْفانِوترفَّق بالمغرمِ الوَلْهانِ
رامَ كَتْمَ الهوى فَنَمَّ عليهسُقْمُ جسمٍ له ودمعٌ قانِي
قسَماً بالجفونِ والخدِّ والثغْرِ وبالقَدِّ مُخْجل الأغصانِ
ما يمُرُّ السلُوُّ في البالِ مذ غِبتَ ولا تعرِفُ الكرَى أجْفانِي
كم وكم رُمْتُ سَلوةً في هواكمأين منِّي ما رمتُ من سُلوانِ
لَحمامِ الربُوعِ شَجْوٌ ولكنْفي فؤادي تتابُعُ اللَّمعانِ
أتمنَّى يقال في كلِّ حينٍوإلى كم وَيْلاه منِّي الأمانِي
هل سبيلٌ إلى الوِصالِ قريبٌأم بعيدٌ وما إليه تَدانِي
ضاق بي مذ غِبتمُ كلُّ رَحٍْوتجافَيْتُ بعدكم أوْطانِي
ذاب قلبي من لَوْعةٍ في فؤادييا مُنايَ قد أشْعلتْ نِيرانِي
إن تجنَّى في حبِّه فهْو عبدٌوإلى المالكِ انْتهاءُ الجانِي
فصِلوه جُوداً وإلا فصُدُّوالا عدِمْناكمُ مَدَى الأزمانِ
قلتُ للعاذلِ المُعنِّف فيهلسْت أُصغِي فليس شأنُك شانِي
وصلاةٌ على الشفيعِ وآلٍما أمال النسيمُ غصنَ الْبانِ

وللبدر من قصيدة، مستهلها:

رُعيتمُ أهلَ جَيْرونٍ ونَعمانِيا ساكنِي قلبِيَ الْعانِي وأعْيانِي
ففيكمُ ساحرُ الألْحاظِ ذُو غَنَجٍمُهَفْهَفُ القَدِّ لا يرْثِي لأشْجانِي
يا سامِيَ الجِيد هل للهجرِ من سبَبٍفالهجرُ والصدُّ والتْهدِيدُ أضْنانِي
ارْحمْ مُحِبَّك من طولِ البِعادِ فقدْحرَّمْتَ نومِي ولَذَّاتِي وسُلْوانِي
اللهُ يجمع شَمْلي بالذين لَوَوابالعهدِ فهْو كريمٌ خيرُ مَنَّانِ

محمد بن إبراهيم بن يحيى من أفراد اليمن وفو حظٍ متقد، وسلاسة لفظٍ يجري من خاطرٍ منتقد.

حاز قصب السبق نظاما، وأوسعه أهل خطته لفضله إجلالاً وإعظاما.

فقصرت نظراؤه عن مجاله، وعلموا أنهم ليسوا من رجاله.

وله نظمٌ إذا نعته فقد عبته، وإن وصفته فلعمري ما أنصفته.

فمنه قوله، من قصيدة كتبها إلى محمد بن حميد الدين.

مطلعها:

سَقْياً لِبانِ المُنْحَنى وزَرُودِهوسُهولِ ذَيَّاك الحِمَى ونُجودِهِ
ولذلك الزمنِ الذي طَلعتْ علىباهِي مَنازِله نجومُ سُعودِهِ
عيْشِي مضَى في بَهْجةٍ ونَضارةٍوَاهاً لنَضْرته وخُضْرةِ عُودِهِ
ذاك الزمانُ هو الزمانُ وغيرهُلا فَرْقَ بين فَنائِه ووُجودِهِ
أعَلَى الليالي لو تجودُ بعَوْدةٍعَيْبٌ وهل أحدٌ يُعاب بجُودِهِ
يا صاحبَيَّ ومَن يُلام إذا شكَامَلَلَ الحبيبِ له وطولَ صُدُودِهِ
عُوجا على ذاك المَلُولِ تلَطُّفاًوحَذارِ سَطْوةَ بِيضِه من سُودِهِ
لا تعْدُوَنْ ذا الرسمَ في تعْريفِهإن الغرام مُجاوِزٌ لحدودِهِ
فعَساه يعطِف أو يرِقُّ لمُدْنَفٍيا صاحبِي ويلِينُ بعد جُمودِهِ
أمِن المُروءةِ أن أبِيتَ مُسهَّداًويبيتُ بين هُجوعِه وهُجودِهِ
وأنا الخليلُ ومن بموسَى ذا النَّوَىقلبي الكليمُ مُقيَّد بقُيودِهِ
ما لي وللأشْواقِ لا ترْضَى سِوَىإلْهابِ قلبي دائماً ووَقُودِهِ
ما لي وقلباً راح في الأُخْدودِ مننارَيْ صُدودِ حبيبِه وخُدودِهِ
قِصَصُ المحبَّة زُخْرُفٌ واسْألْ به الشُّعراءَ عن أوْصافهِ وقُيودِهِ

ما أحلى قول ابن نباتة، في خطبة سرح العيون: وإن كنت من الشعراء فلست ببعيدٍ من القصص.

فإذا انْتهَى معك المديحُ إلى هنافاقصِدْ بذلك مُنتهَى مقصودِهِ
وامدَحْ به لتكونَ أصدقَ مادحٍممدوحَ كلِّ مُفَوَّهٍ مقصودِهِ
فخَرتْ به آباؤُه وجدودُهوالفخرُ في آبائِه وجدُودِهِ
مولايَ دعوةُ عبدِ رِقٍ يَرْتجِيبك نَفْحةً تأْتيه من مَعْبودِهِ
فارْجِعْ يديْك إذا قرأْتَ قصيدةًتدعُو له في نيْلِ كلِّ قُصودِهِ
وكمُلتَ لا أحدٌ يفُوقك في عُلاًفأتَى بكاملِ شِعرِه موجودِهِ

الصدر يتضمن ثاني أبيات الأندلسي، في بحر الكامل، وهو مركب من متفاعلن متفاعلن، مرتين.

عُذْراً إليك فإنه سلَب النَّوَىمنظومَ ذاك الدمْع مع مَنْضودِهِ
لكنْ تألَّق للجوارِح بارِقٌفي عارضٍ مُتلفِّعٍ ببُرُودِهِ
ترك الفؤادَ لشوْقهِ وحَ، ِينِهيخْتال بين بُروقِه ورُعودِهِ

عجز هذين البيتين متضمن بيت البحتري، مطلع قصيدة.

من أين لي كالبُحْتُرِيّ قلائدٌقامتْ له فيها عُدولُ شُهودِهِ
لكنْ بكُمْ شِعري غدا وكأنَّههو ذاك عند قِيامِه وقُعودِهِ
وصدورِه عند الوُرود فسَلْه عنشَرْحِ الصُّدورِ وكيف حال وُرُودِهِ

فكتب إليه، مراجعاً له:

نَظمٌ كسِمْط الدُّرِّ نَظْمُ عُقودِهلاحتْ على نحْرِ الزمانِ وجِيدِهِ
سِحْر هو السحرُ الحلالُ وإنمالأُعِيذه من نافثاتِ عُقودِهِ
طِرْسٌ هو الرَّوض النضِيرُ نُضارُهُيخْتال بين زُهورِه ووُرودِهِ
وشَّتْ بطَرْز وَشْيه أثر الحَيافشَجاك مُعْلَمه ونَسْجُ بُرودِهِ
يا أيها الْحَبْرُ أبْقَى لنا الْبارِي الذين تقدَّموا بوُجودِهِ
يا كاشفَ الكشَّاف فينا مَن بهيُتلَقَّن التفْسِير عن مَحْمودِهِ
غَفْراً فما شِعْرِي لِشِعْرك مُشْبِهاًأيُقاسُ شِعْرُ لَبِيدِه ببليدِهِ
شِعْر يعود حبِيبُ منه مُبغَّضاًويفُوق نَظْم يزِيده ووَلِيدِهِ
لكنه جُهْدُ المُقِلِّ وإنمايأتِي الفتى بالقُلِّ من مَوْجُودِهِ
سابْقتني في الشوقِ مَهْلاً إننيوَحْدِي عمِيدُ القلب وابنُ عَمِيدِهِ
وسألْتني بَذْلَ الدعاءِ لجَمْعِنايا رَبِّ عجِّلْ باللِّقاءِ وعودِهِ
إبلاغُ خيرٍ بعد مَدْحِك مُلْحَقٌوالنَّفْلُ بعد الفرضِ في تعْدِيدِهِ
أشْكُو إليك نوىً تَطاوَل عُمرهاوعجزتُ عن دفْع النَّوَى وجُنودِهِ
وبِيَ الذي صِرْتُ الكلِيمَ بنارِهوهو الخليلُ وكيف لي ببَرُودِهَِ
لولاه ما قال العمِيدُ صَبابةًسَقْياً لِبَانِ المُنْحنَى وزَرُودِهِ
يا مُنْجِزَ الإِيعادِ في أفْعالِهومُخالِفَ المرجُوِّ من مَوْعودِهِ
ومُصدِّقَ العُذَّالِ في شَرْعِ الهوىمن غير بُرْهانٍ له بشُهودِهِ
ذَا مَدْمَعٌ للوصلِ أضْحَى سائلاًلا تنْهرَنَّ الدمعَ في أُخْدودِهِ
يا طَرْفَه السَّفاحَ لستُ بمُهْتدٍهيْهات يا مُهدِي الهُدَى برَشيدِهِ
لا تعْجلَنَّ فإنَّ عبدَك طائعٌأوَ لستَ تنظُر منه في تسْوِيدِهِ
مَن لي بوَقْفتِك الشَّهيرةِ مَرَّةًيرْثِي لها الصَّفْوانُ في جُلْمودِهِ
بُعْداً يُرَى في العيْن مَيْلاً قُرْبُهويطُول فَرْسَخُه كطُولِ بَرِيدِهِ
هل نافعٌ لي عاصِمٌ يا مالكِيفي سُورةِ الدعوَى وفي تجْوِيدِهِ
يا كامل الأوْصافِ دونَك كامِلاًتُزْرِي ببَحْر طوِيلِه ومَديِديدِهِ

مطهر بن صلاح الهادي أظن أن هذا الاسم لا يتخلف، وإنما اره يتحد مع مسماه ويتألف.

فإن الأصل أصلٌ طاهر، واستفادة الكثرة من الفرع معنىً ظاهر.

فهذا المطهر ازداد طهارة في الروح والجسم، واحتسى كأس المحبة من يد ساقي الغيب وما غير ذلك الاسم.

وله شعر جرى فيه على ذائقة أهل التصوف، وملك به في حلبة الواصلين إلى المعرفة عنان التصرف.

فمنه قوله:

صار حُبِّي لأحبابِي سلِيقَهْوهوَى الغيرِ اخْتلاقٌ لا خلِيقَهْ
هكذا مَرَّ زماني معهموالهوَى فيه مَجازٌ وحقيقَهْ
ففؤادِي لأحبابِي غدَاصادقاً يخْتارُه أهلُ الطريقَهْ
لستُ ممَّن وُدُّه زُورٌ ولاأنا ممَّن بالنَّوَى ينْسَى حُقوقَهْ
بل وِدادِي ذلك الوُدُّ الذيقد غدَتْ فيه عُرَى عهدِي وَثِيقَهْ
ليتَ مَن أضْنَى فؤادِي حبُّهيتلافانِي بسُقْيا خَمْرِ رِيقهْ

السيد لقمان ابن أحمد بن شمس الدين بن الإمام المهدي لدين الله أحمد بن يحيى المعي هوى المعارف فحذقها، ولزم الحكمة فنطقها.

كان يتراسل هو والسيد محمد بن عبد الله بن الإمام شرف الدين.

فمما كتبه إلى السيد محمد بيتان قد طارا كل مطار، وزانا ببهتهما الأقطار.

وهما:

واسِطةَ العِقْدِ متى تأتِنافعِقْدُنا أضْحَى بلا واسِطَهْ
وحالُنا أضْحَت بلا صاحبٍوجُملةُ الوصلِ بلا رابطهْ

وكتب إليه السيد: إلى سيده وأخيه لقمان بن أحمد أبقاه الله حلياً لعاطل الزمن، وسناً لمحيا اليمن، وقد ذهب عني وأنا نائم فانتبهت وقمت، وأرسلتها إليه، وقد طلع إلى ذمار:

مَن عَذِيرِي مولايَ منك فقدغادَرتْ قلبي لما به من غَرامِ
للشاعر محمد بن عبد الله الكوكباني، من قصيدة «من عذيري مولاي منك فقد غا»
رحْتَ عنِّي في نَوْمتي فتوهَّمْتُ بأن اللِّقاءَ طيفُ مَنامِ
للشاعر محمد بن عبد الله الكوكباني، من قصيدة «من عذيري مولاي منك فقد غا»
وشَجَى نفسِيَ الفِراقُ فناجَتْنِي إن الفِراقَ في الأحْلامِ
زعمْتني وَسْنان وَجْداً ومالتْبِي لما زَخْرفَتْ من الأوْهامِ
وأنا الآن لستُ أدرِي أيْقظانُ أنا أم مُهَوِّم لهيامِ
للشاعر محمد بن عبد الله الكوكباني، من قصيدة «من عذيري مولاي منك فقد غا»
سَكْرةٌ من جَوَى فِراقِك مَولايَ ولا سَكْرةُ الرَّحِيقِ المُدامِ
للشاعر محمد بن عبد الله الكوكباني، من قصيدة «من عذيري مولاي منك فقد غا»

فأجابه بقوله:

سيِّدي لا ترى عليَّ فإنِّيبطُلوعِي بادرتُ صَوْبَ الغَمامِ
للشاعر محمد بن عبد الله الكوكباني، من قصيدة «سيدي لا ترى على فإني»
وثِيابِي كما علمتَ من الرِّقَّةِ قد أذَّنَتْ بصِدقِ انْصرامِ
للشاعر محمد بن عبد الله الكوكباني، من قصيدة «سيدي لا ترى على فإني»
لو ترى السُّحْبَ قد أطلَّتْ لسالتْفوق مَتْنِي أبِتْ لليْل التَّمامِ
فابْسُط العُذْرَ يا أخي إنَّ فعلِيقد تجاوزْتُ فيه حَدَّ احْتشامِ
للشاعر محمد بن عبد الله الكوكباني، من قصيدة «سيدي لا ترى على فإني»
ونِظامِي هذا فقيرٌ إلى سَتْرِك فاسْتُرْ فأنت رَبُّ النِّظامِ
للشاعر محمد بن عبد الله الكوكباني، من قصيدة «سيدي لا ترى على فإني»

بيت المهلا المهدوي الشرفي هذا البيت له نبأٌ يذكر، وحديث غير معلٍ ولا منكر.

وبنوه في العلم والجاه، مآل الأماني والآمال المرتجاة.

سمتهم توفيق وهدى، ومنذ التحموا في المعارف لم يدعوا شيئاً سدى.

فمنهم: عبد الحفيظ بن عبد الله كبيرهم المنتقى، ورئيسهم الشامخ المرتقى.

الورع المجتهد، والساهر المهجد.

جلى وبرز، وحاز فضل السبق وأحرز.

وقد أنار بصيرته، وجبل على الخير سيرته.

فأهل بلاده على كثرة مفاخرهم، مقرون بفضله التام عن آخرهم.

وله في الأدب مرتبةٌ علية، وأشعاره بمثابة علمه واضحةٌ جلية.

فمما بلغني من شعره، وقد أنشد بعضهم بيتي ابن حزمٍ الظاهري.

وهما:

إن كنتِ كاذبةَ الذي حَدَّثْتنِيفعليكِ إثمُ أبي حنيفة أو زُفَرْ
الواثِبينَ على القياس تمرُّداًوالرَّاغبين عن التسُّكِ بالأثَرْ
للشاعر ابن حزم الأندلسي، اقرأ القصيدة

فأنشد:

ما كان يحسُن يا ابنَ حَزْمٍ ذَمُّ مَنحاز العلومَ وفاق فَضْلاً واشْتَهرْ
فأبو حنيفةَ فضلُه مُتواتِرٌونظِيرُه في الفضلِ صاحبُه زُفَرْ
إن لم تكنْ قد تُبْتَ مِن هذا ففِيظَنِّي بأنك لا تُباعَد من سَقَرْ
ليس القياسُ وقد تكون أدِلَّةٌللحُكْمِ من نَصِّ الكتاب أو الخبَرْ
لكنَّ مَعْ عَدَمٍ تُقَاسُ أدِلَّةٌوبذاك قد وَصَّى مُعاذاً إذْ أمَرْ

ابنه الناصر حامل راية الاجتهاد وناصرها، وقاطف أغصان البدائع وهاصرها.

منظور بالمهابة والجلال، مدلٌّ بالخصال البارعة والخلال.

وله الخاطر الوقاد بتلسن لهبه، والفكر النقاد لذهب القول ومذهبه.

وكان استوزره الإمام المؤيد بالله فانتظم الأمر أيام وزارته، وتصرفت الأيام طوع إشارته.

فأحسن الله له نيل وطره، وفخر بالظهور على من انحط خطره عن خطره.

وهو صاحب رأيٍ سديد، وله في الأدب وأنواعه باعٌ مديد.

وشعره صور محاسنه مجلوة، ونثره سور بدائعه متلوة.

فمن شعره ما كتبه إلى السيد الإمام يحيى بن أحمد الشرفي، عاتباً عليه في تأخره عن الدرس؛ لشغلٍ عرض له:

أحبابَنا ما لهذا الهجرِ من سَبَبٍوما الذي أوْجَبَ الإعْراضَ واعَجَبَا
يمْضِي الزمانُ ولا نحْظَى بقُرْبكمُعلى الجِوارِ وكَوْنِ الجار ذَا قُرْبَى
وليس شيءٌ على المُشْتاقِ أصْعبَ منبُعْدِ اللقاءِ إذا مُشْتاقُه قَرُبَا
فصانَك اللهُ يا سِبْطَ الأكارمِ أنيكونَ وُدُّك للأحْبابِ مُضْطرِبَا
هذا وإنِّيَ أدْري أن قَصْدَك لِيوأنت معْ ذاك شَيْخي عَكْسُ ما وَجَبَا
لكنَّه لم يكنْ منِّي لحقِّكمُجهلٌ ولكنَّ عُذْرِي عنك ما عَزُبَا

وطلب السيد يحيى منه أن يرسل له مؤلفه المحرر في علم القراءات، فأرسله إليه وكتب معه:

سلامُ اللهِ ما هَمر السحابُففاحَ عَبِيرُ زَهْرٍ مُستطابُ
وإكرامٌ وإنْعامٌ على مَنله في المجدِ مَرْتبةٌ تُهابُ
على يحيى الذي ما نال كَهْلٌعُلوماً نالَها وكذا الشبابُ
وبعدُ فإنَّ أشْواقِي إليكمْكثيرٌ ليس يحصُرها كتابُ
وتقْصُر ألْسُنُ الأقلامِ عن أنتقومَ بوَصْفِها وكذا الخطاُ
فيا ابْنَ مَدينةِ العلمِ التي لمْيكُن غيرُ الوَصِيِّ لتْلك بابُ
ومَن حاز المَكارِمَ والمَعاليفمنه قل بَدا العجَبُ العُجابُ
إليك أتى المُحرَّر في حَياءٍلتُصْلِح منه ما العلماءُ عابُوا
وتنظُرَه بعينِ البشرِّ حتىيزولَ إذا وجدْتَ به اضْطرابُ
فمَن قد زارَ من بلدٍ بَعِيدٍحَقِيقٌ أن يُلانَ له الجَنابُ
ورَاجِعْ في عبارتِه أُصولاًلديْك بِحِفْظِها كُشِف الحِجابُ
وإنِّي طالبٌ بَسْطاً لعُذْرٍويشملُني دُعاؤكم المُجابُ
فما لي غيرُ شِعْبِ الآلِ شِعْبٌوإن حسنُتْ بزَهْرتِها الشِّعابُ
ودُمْ واسْلَمْ مُعافىً في نعيمٍمُقيمٍ والقَرابةُ والصِّحابُ

فكتب إليه السيد:

سلامٌ لا يُحيِط به حِسابُولا يُحْصِي فضائِلَه كِتابُ
ولو أنَّ البِحارَ له مِدادٌولم يبْرَح له الدهرَ اكْتِتابُ
سلامٌ مِن فَتِيت المِسْك أذْكَىودُون مَذاقِ سَلْسَلِه الرُّضابُ
سلامٌ حَشْوُه وُدٌّ مُصَفىًيرُوق فما بتكْديرٍ يُشابُ
ورحمةُ ربِّنا الرحمنِ تُهْدَىمع البَركاتِ ما انْهَمر السحابُ
إلى مَن لم يزَلْ للمجدِ خِدْناًولم ينْفَكَّ بينهما اصْطِحابُ
حَليفُ مَحاسنِ الشِّيَمِ الذي لميُدنِّسْ مجدَه مُذ كان عَابُ
سَلِيلُ أكابرِ العلماءِ مَن لميكُن كنِصابِ فضلِهمُ نِصابُ
حُماةُ شريعةِ المُخْتارِ مِن أنْتُضامَ وأن يُخامِرَها اضْطِرابُ
وأوحدُ أهلِ هذا العصرِ طُرّاًبما قد قُلْتُه لا يُسْتَرابُ
أليْسَ مُقصِّراً عن نَيْل أدْنَىعُلاه الشِّيبُ منهم والشَّبابُ
وَجِيهُ الدِّين ناصرُه فما إنيَزال له بنُصْرتِه احْتسابُ
حَماه اللهُ من كَيْد الأعادِيوأرْغَم أنْفَهم عنه وخَابُوا
وأبْقاه الإلهُ لنا مَلاذاًله في العِزِّ مَرتبةٌ تُهابُ
وبعدُ فإنه قد جاء منهكتابٌ سَرَّني منه الخِطابُ
بلغْتُ به من الفرَح الأمانِيوزايلنِي برُؤْيته اكْتئابُ
وفَى بالدِّين والدنيا جميعاًفما لي غيرُ ما فيه طِلابُ
وكيف فَطَيُّه مُلْك عظيمٌيدُوم فما يُخافُ له ذَهابُ
هو الذُّخْرُ الذي من لم يحُزْهذخائرُه وإن كثُرتْ تُرابُ
وذاك العلمُ أفْضلُ ما تحلَّتْبه نفسٌ وأفضلُ ما يُصابُ
وقد أهديْتَ منه لنا نصِيباًبه منَّا تطوَّقتِ الرِّقابُ
جمعْتَ به المُحرَّر من علومٍجَلاها أهْلُها طابتْ وطابُوا
فنِلْتَ بما أنَلْتَ عظيمَ فضلٍومغفرةً ويهْنِيك الثَّوابُ
ولا برِحتْ فضائلُك اللَّواتِيعَلوْنَ بها لنا يعلُو جَنابُ
ودُمْتَ مُسلَّماً ما لاح مجدٌوفاح عبيرُ نَشْرٍ يُسْتطابُ

الحسن والحسين ابنا الناصر فرسا رهان وعدلا جمل، وصنوا جرثومة في علم وعمل.

ينبت عزمهما الورد يانعاً في اللظى، ويطلع رأيهما الماء جارياً من صم الصفا.

وكلٌّ منهما غيثٌ في كرم، وليثٌ في حرم.

وبدر في أفق، وزهر في خلق.

طوقا اليمن نبلاً ومجدا، وانتحلا بها المعالي انتحال من ملىء صبابةً ووجدا.

في اقتبالٍ من العيش بهما كلف، وحظٍ من الأماني رائح إليهما مختلف.

وكانا يتهاديان شعرا، فيتنافثان سحرا.

ويقتدحان زندا، فيوريان عراراً ورندا.

وشعرهما مثقف المباني، مرهف كالحسام اليماني.

فمما كتبه الحسين إلى الحسن يعاتبه على القراءة في غيبته، وجعل أول كل بيت حرفاً من حروف المعجم:

أذاب فؤادي بارقُ الغَوْرِ إذ سَرىبنَفْحة مِسْكٍ من حدائقها شَرَى
بحقِّك خَبِّرْني عن الغَوْر إنهحديثٌ صحيحٌ ليس في القولِ مُنْكَرَا
تأمَّل به تلك المغانِي تَلْقَ ليلطائفَ فاقتْ في المَحاسِن مَخْبرَا
ثمِلْتُ وقد دارتْ رَحِيقةُ وَصْفِهفأنْهلنا التَّسْنيمُ من تلك سُكَّرَا
جرَى ذكرُ أحْبابي برَوْضةِ قُدْسِهاوقد كُسِيتْ بُرْداً من الوَشْيِ أخْضَرَا
حَوَوْا من مليح الوصفِ كلَّ غريبةٍكزُهْر سماءِ الأرض في حُسْنها تُرَى
خليليَّ ما وافٍ بعهدِيَ أنْتُماإذا لم تَقُصَّا وصْفَها لي وتُخبِرَا
دعَوْتكما كي تُفْهمانِي حقيقةَ الْأحِبَّة فيها مُفْرقَيْن وتحضُرَا
ذكرتُ لهم ذكرَ الصِّفات فهاجَ ليمن الشوقِ ما ألفيْتُه مُتذكَّرَا
رأيْنا بها ما يملأُ العينَ قُرَّةًفروَّحتِ الأرواحُ من حُسْنِ ما نَرى
زيارتُهم فيها لقلبي مَسَرَّةٌغدَتْ مَورِداً للصالحاتِ ومصدَرَا
سَلِي إن أردتِ اليومَ عنِّي وعنهمُتَرَىْ ما يسرُّ الأولياءَ بلا مِرَا
شَفَتْنا وأوْلتْنا فوائدَ عندهايُسهَّل للأحبابِ ما قد تعسَّرا
صفَتْ عندنا تلك الصفاتُ التي علَتْوفاقتْ وراقتْ للقلوب بلا امْتِرَا
طوَيْنا لدى الأصحابِ كلَّ مَقالةٍوقد كان في نفسِي مقالٌ تكثرَا
ظفِرْنا بما نرجُو من الحسَن الذييُفِيدك إن أقْرَا الفوائدَ أوْ قَرَا
عليمٌ بأعْقاب الأمورِ كأنمالِما في غدٍ من قبل يأْتيه أبْصَرَا
غدوْتُ عليه عاتباً حين أهْمل الْأخُوَّةَ لمَّا ينْتظرْنِي ويذكُرَا
فواعجَباً من فعْلِه حين غِبْتُ عنْمَحافلِه هلاَّ لحقِّيَ آثَرَا
قرأتَ حماك اللهُ لم تنتظِرْ لناوعُذرِيَ أن السحبَ بالغيثِ أمْطرَا
كفَى حُجَّةً بُرهانُها مُشرِقٌ بمافعلتَ على إهْمالِ حقِّي بما عَرَا
لوَيْت عِنانَ الوُدِّ عنِّيَ عامداًوأُنْسِيتَ حقّاً للإخاءِ مُؤثَّرَا
مَحلُّك فوقَ الشمسِ عندي وإننيلأبْنِي له فوق المَجرَّةِ مَعْمَرَا
نَحَوتُكُم لمَّا تقشَّع سُحْبُهاوسرتُ إلى سُوحِ المَعالي مُبكِّرَا
وقد لاح في الصُّبْحِ الثُّريَّا كما ترَىكعُنْقُود مُلاَّحِيَّةٍ حين نَوَّرَا
للشاعر صيفي بن الأسلَت، اقرأ القصيدة
هو الصُّنْع إن تعْجلْ فخيرٌ وإن تَرِثْبِعُذرٍ فكم رَيْث به عاد أكْبَرَا
يقول لك القلبُ الذي ترَ الهوىإذا أنتَ راعيْتَ الإخاءَ المُقرَّرَا
لأَعْظمِ من أوْلَى ووالَى صنِيعَهُوحاز من الخيراتِ سَهماً مُوفَّرَا
ألستَ من القومِ الذين وَلِيدُهمْيُرَجَّى لإقْرَاءِ العلوم وللقِرَى
بلغْنا السمَا مَجْداً وعزّاً وسُؤدداًوإنا لَنرْجو فوق ذلك مَظْهرَا
تجرَّدْ لأخْذِ العلم عنهم فإنهمأئمَّتُها وارحَلْ إليهم مُشمِّرَا
ثَباتُهم فيها عظيمٌ رُسوخُهوذِكْراه قد يُولِي الثناءَ مُعَنْبَرَا
جزَى الله آبائِي عن الكلِّ خَيْرَهوأبْقاهمُ ماقيل نظمٌ وسُيِّرَا
حَمَوْا بعَوالِيهم حِمَى الدِّين واستوَوْاعلى فلَك العَلْياءِ لمَّا تنوَّرَا
عليك سلامُ الله ما انْهَلَّتِ السَّمابوَدْقٍ على روضٍ أرِيضٍ فأزْهَرَا

فأجابه بقوله:

أُسَرُّ إذا حقَّقت في النومِ معشَرَاوتكثُر أفْراحِي إذا كان أكْثَرَا
بِنَاءً على أن امْرَأً باد عمرُهإذا كان في غيرِ العلوم تكثَّرَا
تبيَّنْتُ أن العِزَّ في العلمِ والعُلَىوأن تِجَارَ العلم هم خِيرةُ الورَى
ثنائِي عليهم لا على كلِّ مُهْمِلٍيُجانبهم ممَّن عَتَا وتجبَّرَا
جَنوا ثمراً من روضِ كلِّ فُنونِهوأعطاهمُ الرحمنُ حظّاً مُوفَّرَا
حَرِيُّون بالتقْديم أقدامُهم على الثُّريَّا وأهلُ الجهلِ في أسْفلِ الثَّرى
خَلاَ مَن غدَا في دهْرِه مُتعلِّماًومستمِعاً ما فاق دُرّاً وجوهرَا
دنا منهمُ فازداد فضلاً ورِفعةًوعاش حميداً في الورى مُتبصِّرَا
ذكرتُ خِلالاً للحُسَين فسرَّنيبأن أخي للعلمِ أضْحى مُشمِّرَا
رَضِيتُ له هذا طريقاً ومَسْلَكاًوصاحبُه فوق النجومِ كما ترَى
زيادةُ مَن فوقَ البسيطةِ لم تكُنْمن العلمِ نْقصان وخُسْرٌ بلا مِرَا
سمَا من له العلمُ الشريفُ وَسيلةٌوما فازَ ذُو جهلٍ وخاب من افْتَرَى
شَرَى نفسَه يبْغِي الرِّضا من إلهِهفيا فَوْزَه بالرِّبح من خيرِ ما شَرَى

صَبُور على درسِ الدفاترِ مُقْبِلٌ سَرِيٌّ سرَى والصبحُ قد يُحمَد السُّرَى

طويلٌ عليه الليلُ إن بات مُهمَلاًقصيرٌ إذا للدرسٍ بات مُؤثِّرَا
ضَجِيعُ كتابٍ لا يفارقهُ ولايُرافِق إلاَّ عالِماً مُتبحِّرَا
ظفرتَ بما أمَّلْت فاشْكُر ولا تكنْمَلُولاً فإن الصيدَ في باطِن الفَرَا
على أنه وافَى نِظامُك عاتباًعلينا ومنْظوماً نِظاماً مُحرَّرَا
غدَوْتُ به في نعمةٍ لبلاغةٍحَواها وألفاظٍ لها قد تخيَّرا
فوا عجباً من عاتبٍ كان حقُّهبأن يُبْتدَى بالعَتْبِ فيما تحرّرَا
قوافِيكَ أوْلَتْنا مَحاسِنَ عدهانقولُ وقد خاطبت مَن كان قصَّرَا
كأنَّك لم تعلَمْ بمن سار أشهُراًليحْظَى بعلمٍ ثم عاد مُطهَّرا
له رِحْلةٌ معروفةٌ أنت أهلُهافواصِلْ دُروساً دَرْسُها لك يُسِّرَا
مدَى الدهرِ لا تبْرَحْ على الدرسِ عاكفاًفما العلمُ في الأسواقِ بالمال يُشترَى
نَبِيُّك لم يتركْ سوى العلمِ فاغتنِمْوِراثتَه بالدَّرْسِ عن سيّد الورَى
وأنتَ بحمْد اللهِ قد صِرْتَ علاِماًولكنْ نظَمْنا ما تراه مُذكِّرَا
هدانا إله الخلقِ نَهْجاً مُبلِّغاًإلى جنَّةِ الفِرْدوسِ فضلاً ويَسَّرَا
لئن كنتَ تَرْعَى للحقوقِ فإنَّنيلأرْعَى لها واسألْ بذلك مَن دَرَى
يريد أخِي قلبَ العِتابِ فقُلْ لهيحِقُّ لِمثْلي أن يغُصَّ ويصبِرَا
إذا أنا لم أحمِلْ على النفس ضَيْمَهاسَدَدْتُ طريقاً للثناءِ مُنوَّرَا
بَدا لِيَ عُذْرُ الصِّنْو بعد جَفائهِوذلك أن السحب دام وأمْطَرَا
تَوَالت بذا الأسبوع فضلاً ونعمةًفرَام لهذا أن يُقال ويُعذَرَا
ثلاثاً هجَرْتُم ثم زِدتُمْ كمِثلهالك اللهُ أرجو أن تُقِيل وتعذِرَا
جرَى ما جرَى منكم من الهجرِ والقِلَىوفوق ثلاثٍ حَرَّم الظَّهر ما جَرَى
عليك سلام اللهِ ما ذَرَّ شارِقٌوأسْأر ذُو عَزْمٍ لعلمٍ وما سَرَى

علي بن عبد الله بن المهلا بن سعيد النيساي الشرفي نخبة أهل العصر الغابر، وأفصح من استعمل الأقلام والمحابر.

زجر طير البنان في أوكاره، وجاء بمعدن البيان من أبكاره.

وكان الحسن بن الإمام القاسم يشهد بتقدمه، ويرى مجاريه منتهى قدمه.

وله في مدحه أشعارٌ أعبق من نفحات الأنوار غب القطار، وأشهى من كأس المدامة في مغتنم فرص الأوطار.

فمنها قوله من لامية، مستهلها:

لا تحسَبُوه عن هواكم سَلاكلاَّ ولا فارقكُم عن قِلَى
ولا ثَنتْ وَهْنانةٌ قلبَههَضِيمةُ الكَشْحِ صَموتُ الحُلَى

الوهنانة: اللينة الجسم، ناعمته، تكاد تسقط من النعومة.

تفضح بالقَدِّ غصونَ النَّقالِيناً وتحكي الشادِن الأكْحَلا
نَشْوانةٌ ما شرِبت قَرْقَفاًسَحَّارةٌ ما عرفتْ بابِلاَ
آهِلةُ الدارِ بأتْرابِهالا عَفَتِ اررِّيحُ لها مَنزِلاَ
نسِيمُها حدَّث عن مِسْكِهافخَاله أهلُ الهوى مُرسَلاَ
دعِ التَّصابي في المَقام الذيفاق سناءً واقْصِد الأفْضَلا
وقُلْ بأعلَى الصوتِ إن جئْتَهيا مَلِكاً حاز جميعَ العُلَى
هُنِيتَ هذا الشرفَ الأطْولاَفالمَفْخرُ الباذِخُ فوق المَلاَ
أدركتَ مَجْداً عُشْرُ مِعْشارِهقد أعجز الآخِرَ والأوَّلاَ
ما أنتَ إلاَّ آيةٌ أُنْزِلتْتقمَع من حَافَ ومن أبْطَلاَ
يشْهد ما في الأرضِ من علمِهأنَّك صِرْتَ الواحِد الأكْمَلا
نورَ هدىً يُهْدَى به ذو التقىنارَ وَغىً حاميةَ المُصْطَلى
وبحرَ علمٍ ماله ساحلٌيزْخَر إن فَصَّل أو أجْمَلاَ
دقيقَ فكرٍ ما رأَى مُشكِلاًإلا وحلَّ المُشكِلَ المُعضِلاَ
يا ابنَ أميرِ المؤمنين الذيما برِحَ النصرُ له مُقْبِلاَ
رُمْحُك لا يألفُ إلا الحشَاسيفُك لا يعشَق إلا الطُّلاَ
طَرْفُك يخْتاضُ دماءَ العِدَىكأنها كانتْ له مَنْهَلاَ
مُنتَعِلاً في الرَّوْعِ هاماتِهمْمُجلِّلاً أكبادَهم والكُلَى
نهَدْتَ للتُّرْكِ وقد حَزَّبواأجْنادَهم تملأُ عُرضَ الفَلاَ
تغَصُّ قِيعانُ زَبِيدٍ بهمْتَخالُ فرسانَهم أجْبُلاَ
فدارتِ الحربُ وقد أمَّلُوارَأْياً وقد يُعْكَس مَن أمَّلاَ
وزاوَلُوا منك فتىً ماجِداًلا يرهَب الموتَ إذا أقْبلاَ
يسْتحسِن الدِّرْعَ على جسمِهثوباً ويسْتخْشِن ثوبَ المُلاَ
سابِغةً تسْخَر بالبِيضِ في الْهَيْجَا وتسْتزرِي القَنا الذُّبَّلاَ
فَجُرِّعوا من بأسِه عَلْقَمامُعْتصَراً من شَجَراتِ البَلاَ
واستبْدلُوا عن صهوات الذُّرَىوالضُّمَّرِ الُجرْدِ بطونَ البِلَى
فمنهمُ مَن جاء مُستسلِماًومنهمُ مَن طار خوفاً إلىَ
فهكذا فلتكُنِ الهمَّةُ الْقعساءُ والفخرُ وإلاَّ فلاَ
فانْقشعتْ تلك الغَياباتُ عنمُهذَّبٍ كالقمرِ المُجْتلَى
عن فاطِمٍ ذِكْرُ أيامِهيفعلُ في السامِع فعلَ الطِّلاَ
الحسنِ بن القاسم النَّدْبِ مَنغار على الإِسلامِ أن يُهْمَلا
وشاد رُكْناً لبني هاشمٍطاوَل مِن رِفْعتِه يَذْبُلاَ
ساسَ من الشِّحْرِ إلى مَكَّةٍإلى الحِمَى عُمْرانَها والخَلاَ
ودَوَّخ الأرضَ فلو رام تَخْتَ الشَّامِ بَلْه الرُّومَ والمَوْصِلاَ
لأقْبلتْ بالطَّوْعِ مُنْقادةًلأمْرِه أسْرَعَ مِن لاَ ولاَ
ونالَ منها كلَّ ما يبْتغِيوحازَها بالسيفِ أو بالجَلاَ
وما هِيَ الأرضُ وما قَدْرُهاعندك يا مَن قَدْرُه قد عَلاَ
لو أنها عندك مجموعةًوهَبْتَها من قبلِ أن تُسأَلاَ
ولو أمرتَ الشُّهْبَ إقْبالَهانحوك لا تلبَثُ أن تنزِلاَ
وضَيْغمُ الأفلاكِ لو رُمْتَهجَعلتَ من قُرونِه أنْعُلاَ
ولو نهَيْتَ الدهرَ عن فِعْلِهبالحُرِّ لاسْتعبَدَ واسْتمثَلاَ
وإن يُرِدْ منه على بُخْلِهيُوليِه بِرّاً كاد أن يفعَلاَ
دُمْتَ لدِين المصطَفى مَعْقِلاًولِلهَّيِفِ المُعتفِي مَوْئِلاَ

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الخامس في لطائف لطفاء اليمن

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.