تجاوز إلى المحتوى

من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)

الباب السادس في عجائب نبغاء الحجاز (٦)

وخاطب أخاه أيضاً بقوله:

وما شوقُ مَقْصوصِ الجناحيْن مُقْعَدٍعلى الضَّيْمِ لم يقدِرْ على الطيرانِ
بأكْثرَ من شوقِي إليك وإنمارَماني بهذا البُعْدِ عنك زَمانِي

جمال الدين محمد بن أحمد الشاهد شاعر بيض وجه الصحائف بسواد نقسه، وكاتب أقام على فضله شاهداً كألف شاهدٍ من نفسه.

فإذا أخذ القلم بيمينه، جاء من معدن الدر بثمينه.

وكان في رونق حداثته، وملاحة نفاثته.

حيث برد شبابه قشيب، ومسك ذوائبه لم يدر فيه كافور مشيب.

حليف كأسٍ وأليف دن، وله التصابي شغلٌ والخلاعة ديدن.

لا ينتقل من خمارٍ إلا إلى خمار، ولا يقلع عن هوى ذي عمامة إلا إلى هوى ذات خمار.

حتى بدت الشعرات البيض، وأخذت تفرخ في العارض وتبيض.

ولم يبق في إناء العمر إلا صبابة، يتدارك بها ما فات أيام لهو وصبابة.

فأصبح شيخ سجادة ومحراب، بعد أن كان فتى دسكرةٍ وشراب.

ومقتفى إنابة ودعا، بعد أن كان متروك إناءٍ للراح ووعا.

قال السيد علي بن معصوم في سلافته: وبلغني أن الراح أورثت يده رعشة؛ لتعاطيه لها، فقلت:

لا تحسَبوا الرَّاح أورثتْ يدَهمن سُوئِها رَعْشةً لها اضْطَرابَا
لكنه لا يزال يَلْمَسُهافالكَفُّ تهْتزُّ دائماً طَرَبَا
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «لا تحسب الراح أورثت يده»

ومما يقارب هذا قول الشهاب:

أقولُ لِمُدْمِن الرَّاح الذي ارْتعشَتْكَفّاه إذْ راح من ثَوْبِ التُّقَى عارِي
كأن كفّك مَقْرورٌ برَعْشتِهوليس يصْلَى بغير الكأسِ من نارِ

وأنا أقول: الأنسب أن ينشد بعد توبته ما اختلسته من قول البعض:

لَعَمْرُكَ ما اهْتزَّتْ له الكفُّ رَعْشةًولكنْ أرداتْ أن ينامَ خُمارُهُ
على أنَّ فيها الكأسَ يرقُص فَرْحةًبذِكْرَى زمانٍ طاب فيها قَرارُهُ

وقد ذكرت من شعره ما يشوق ويروق، وتحسده شمس الكأس وشمس الأفق في غروب وشروق.

فمن ذلك ما راجع به السيد أحمد بن مسعود، وقد كتب إليه:

وشادِنٍ وافَى وكان خُلْسةًمن بَعْدِ ما أرَّقني بمَطْلِهِ
لمَّا بدا مُحْتجِباً بمِرْطِهكيْما يَنِمَّ ضَوْءُه لأهلِهِ
قلتُ له البدرُ إذا الغَيْمُ غَشَىأنْوارَه ترجُو الورَى لِوَبْلِهِ
فقال لي مُسْتضحِكاً يهْزأُ بيما أحسنَ الشّاهِدَ في مَحَلِّهِ

يا جمال العلم والأدب، والناس إليهما من كل حدب.

أشرف على هذه الأبيات، وحل عاطلها بفوائد الصفات.

وإن استدعيتنا إلى محلك ولا زال آهل، وكواكب أفقه بوجودك زاهرة ونجم أعدائك آفل.

قلنا: ما أحسن الشاهد في محله، ولا بدع أن يرجع الفرع لأصله.

والسلام.

فأجابه بقوله:

للهِ ما أبْدَتْ وماذا أبْدَعتْمن دُرِّ عِقْدٍ قد زَها مِن أهْلِهِ
بَدِيهةٌ لواحدِ العصرِ ومَنحاز المَعالي نَاشِياً كأصْلِهِ
نَظْمُ لآلٍ من مَلِيكٍ ماجِدٍفاق الأُلَى هيْهات دَرْكُ مِثْلِهِ
شرَّفني بقطعةٍ من نَظْمِهأحْلَى من الحِبِّ وَفَى بوَصْلِهِ
أشار فيها أن يزُور منزلاًما فيه إلاّ ما نَما من فضلِهِ
ما هُوَ إلاّ روضةٌ أمْطرَهاما سَحَّ من هامِي مَطِيرِ وَبْلِهِ
فإن يزُرْ شاهدَ معناه يقُلْما أحْسَن الشاهدَ في مَحَلِّهِ

ثم أعقب تالأبيات بنثرٍ، قال فيه: ناظم درها، وناسج حبرها.

وصلته الأبيات الشريفة، من الحضرة العالية المنيفة.

فحير عقله ما حبر منشيها، وأدهش لبه ما دبج موشيها.

فوالله لولا أن يقال غاليت، لكتبت تحت كل بيت: " فليعبدوا رب هذا البيت ".

كيف لا ومفترع بكرها مفترع الأبكار البديعة النظام، الفائقة بتقديمها على من تقدمها من شعراء الجاهلية والإسلام.

ليث بني هاشم الضراغم، واسطة عقد الأكارم ألي المكارم.

وحين سرحت طرف الطرف في ميدان رياضها، ونشقت عنبر عبيرها من نشر غياضها.

واكتحل ناظري بنير مدادها المرقوم، ورشف سمعي من رحيق معناها المختوم.

أنشدت، ولا بدع فيما أوردت:

فللهِ ما أدْرِي أزَهْرُ خَميلةٍبطِرْسِك أم دُرٌّ يلُوح على نَحْرِ
فإن كان زَهْراً فهْو صُنْعُ سَحابةٍوإن كان دُرّاً فهْو من لُجَّةِ البحرِ
للشاعر ابن الحلاوي، اقرأ القصيدة

وما لوح به سيدنا من زيارة العبد في الدار، التي هي وما فيها من بعض فضله المدرار.

فلسان الحال، ينشد هذا المقال:

قالوا يزورُك أحمدٌ وتزورُهقلتُ الفضائلُ لا تُفارِقُ مَنْزِلَهْ
إن زارني فبفضْلِه أو زُرْتُهفلفضلِه والفضلُ في الحاليْن لَهْ

أبو الفضل بن محمد العقاد ماذا أقول فيمن هو والفضل ابنٌ وأب، وقد تبلغ بالصنعة حتى فاق من درج ودب.

لقبه عقاد وهو لمشكلات القريض حلال، فإذا تفوه أو كتب سحر لكن بسحرٍ حلال.

دخل المغرب في عهد الملك المنصور، فنال حظوة يعترف لسان اليراعة عن حصر بواعثها بالقصور.

فهو ممن غرب وأغرب، وأدب فهذب.

وقابل تلك العصابة، بخاطرٍ قدح زند الإصابة، ورمى غرض الأماني فأصابه.

فكتب اسمه في حسنات الأيام، كما كتب شعره في حسنات الأنام.

فمن شعره الذي ناظر به نسيم الزهر في السحر، وباهى قضاء الوطر على الخطر.

قوله من موشحٍ مدح به السلطان المذكور:

ليت شِعْرِي هل أُروِّي ذا الظَّمَامن لَمَى ذاك الثُّغَيْرِ الألْعَسِ
وترى عيْنايَ رَبَّاتِ الحِمَىباهياتٍ بقُدودٍ مُيَّسِ
للشاعر أبو الفضل بن محمد العقاد المكي، اقرأ القصيدة
فقد طال بِعادِي والهوىملَك القلب غراماً وأسَرْ
هَدَّ من رُكْنِ اصْطِباري والقُوَىمُبْدِلاً أجفانَ عيني بالسَّهَرْ
للشاعر أبو الفضل بن محمد العقاد المكي، اقرأ القصيدة
حين عَزَّ الوصل من وادِي طُوَىهَملتْ أدمعُ عينِي كالمطَرْ
فعساكم أن تجودُوا كَرَماًبِلقاكم في سَودِ الحِندِسِ
للشاعر أبو الفضل بن محمد العقاد المكي، اقرأ القصيدة
علّه يشفى كَلِيماً مُغْرَماًمن جِراحاتِ العيونِ النُّعَّسِ
كلَّما جَنَّ ظلامُ الغَسَقِهَزَّني الشوقُ إليكم شَغَفَا
للشاعر أبو الفضل بن محمد العقاد المكي، اقرأ القصيدة
واعتراني مِن جَفاكم قَلَقِيوتذكَّرْتُ جِياداً والصَّفَا
للشاعر أبو الفضل بن محمد العقاد المكي، اقرأ القصيدة
وتَناهتْ لَوْعتي من حُرَقِيكم أُعَزِّي الوجدَ بي والتَّلَفَا
فانْعِمُوا لي ثم جُودُوا لي بمايُطْفِىءُ اليومَ لَهِيبَ الْقَبَسِ
إنني أرْضَى رِضاكم مَغْنَماًلِبقا نَفْسِي ومَحْيَي نَفَسِي
كنتُ قبلَ اليوم في زَهْوٍ وتِيهِمَعْ أُحَيْبَابي بسَلْعٍ ألْعَبُ
ومعي ظَبْيٌ بإحْدَى وجْنَتيْهمَشرِقُ الشمسِ وأخْرى مَغْرِبُ
للشاعر أبو الفضل بن محمد العقاد المكي، اقرأ القصيدة
فرَماني بسهامٍ من يديْهِقابِسُ البَيْنِ فقلبي مُتْعَبُ
للشاعر أبو الفضل بن محمد العقاد المكي، اقرأ القصيدة
لستُ أرجُو لِلِقاهم سُلّماًغير مَدْحِي للإمام الأرْأَسِ
أحمدُ المحمودُ حَقّاً مَن سَمَاالشريفُ بن الشريفِ الأكْيَسِ

قلت: وقد حكى المقري، في نفح الطيب أنه ممن اجتمع بالحضرة المنصورية، أبو الفضل العقاد المكي المذكور، والشريف المدني، وهو رجل وافدٌ من أهل المدينة انتمى إلى الشرف، والشيخ إمام الدين الخليلي، الوافد على حضرته من بيت المقدس.

فقال إمام الدين هذا للمنصور: يا أمير المؤمنين، إن المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال، شد أهلها إليك الرحال.

أحمد بن محمد الأسدي الشبل بن الليث، والوبل ابن الغيث، والتيار ابن البحر، والصباح ابن الفجر.

اشتمل بالمجد الصراح، ولطفت ذاته لطف الراح.

ولما رأى أن المخالطة، لا تثمر إلا محض المغالطة.

انعكف في زاوية العزلة، وتفرد في حجرةٍ والعز له.

وقد ذكرت من شعره ما تعوذه بالسبع، وتعلم منه رقة الطبع.

فمنه قوله:

دَعِ المُدامَةَ يعلُو فوقها الحَبَبُرُضابُه وثَناياه لنا أرَبُ
نَزِّه فؤادَك من رَاحِ الكئُوسِ وخُذْراحاً من الثَّغْر عنها يعجِز العِنَبُ
شَتَّان بين حلالٍ طيِّبٍ وحَرامٍ حامضٍ يزْدرِيه العقلُ والأدبُ
إذا تَغَزَّلت في خمرٍ وفي قَدَحٍفما مُرادِيَ إلا الثَّغْرُ والشَّنَبُ
لِلّهِ دَرُّ مُدامٍ بِتُّ أَرْشُفُهَامِنْ فِي غَزَالٍ إلى الأتْرَاكِ ينْتَسِبُ
مُهَذَّبُ اللَّحْظِ زَنْجِيُّ السَّوالفِ لمتَحْوِ الذي قد حَوَاه العُجْمُ والعَربُ

منها:

قالت مَبَاسِمُهُ للبرقِ حينَ سَرَىلقد حكيْتَ ولكن فاتَكَ الشَّنَبُ
وبِتُّ أَشْدُو على الغُصْنِ الرَّطِيب كذابيْني وبينك يا وُرْقَ الحِمَى نَسَبُ
يقولُ لمَّا رأى دمعِي جَرَى ذَهَباًيا مَطْلَباً ليسَ لي في غيرِهِ أرَبُ
تَبَّتْ يَدَا عاذِلِي عمَّنْ أُعَوِّذُهُبالناسِ من نافث أو غاسقٍ يَقِبُ
إنَّ الْمُحَرَّم سُلْوَاني لِطَلْعَتِهِفقُل لشَعْبَانَ عنِّي إنني رجبُ
كيف السُّلُوُّ وعيْني كلّما نظَرتْلَوامِعَ البرقِ قالتْ زالتِ الحُجُبُ

قوله: إن المحرم.. إلى آخر البيت، زاد فيه المحرم على قول القائل:

وشادنٍ مُبْتسِمٍ عن حَبَبْمُوَرَّدِ الخدِّ مَلِيحِ الشَّنَبْ
للشاعر مجير الدين ابن تميم، اقرأ القصيدة
يلُومُني العاذِل في حُبِّهوما درَى شعبانُ أنِّي رجبْ
للشاعر مجير الدين ابن تميم، اقرأ القصيدة

والمراد من شبعان: العاذل؛ ومن رجب: الأصم؛ لأن العرب كانت تسمي المحرم: المؤتمر؛ وصفر: ناجرا؛ وربيع الأول خوانا؛ وربيع الآخر: بصانا؛ وجمادى الأولى: الحنين، وجمادى الآخرة: الرنة؛ ورجب: الأصم؛ وشعبان: العاذل؛ ورمضان: الناتق؛ وشوال: وعلا؛ وذا القعدة: هواعا؛ وذا الحجة: بركا.

وعلى ذكر أسماء الشهور، فلنذكر أسماء الأيام.

وقد نظمها بعضهم، فقال:

أُؤمِّل أن أعِيش وأن يَوْمِيبأوَّلَ أو بأهْوَنَ أو جُبَارِ
أو التَّالِي دُبار فإنَّ فيهافمُؤُنِس أو عَرُوبة أو شِيَارِ

ومن شعره قوله معارضاً قصيدة ابن المعتز التي أولها:

سقَى المَطيرة ذات الظِّلِّ والشَّجَرِ

ومستلهها قوله:

ما ماسَ بَانُ الحِمَى مِن نَسْمةِ السَّحَرِإلاّ وقد أسْمَعْته طَيِّبَ الخَبَرِ
باللهِ يا نَسْمةَ الأسْحارِ هل خَبَرٌفإنني بالنَّبَا أَوْلَى من الشجرِ
ليلِي بما طال لا آوِي إلى سَكَنٍهذِي نجومُ السما تُنْبِيكِ عن سَهَرِي
أباتُ أرْعَى السُّها في الليلِ مُكتئِباًوأدْمُعِي في الثرى ترْبُو على المطرِ
أفْدِي الذين أذاقوني مَودَّتهمحتى إذا ما رأَوْني هائمَ الفِكَرِ
ساروا بقَلْبِي وخَلَّونِي حَلِيفَ هوىًحَيْرانَ لا أهْتدِي وِرْداً من الصَّدَرِ
واللهِ إنّ لهم في القلبِ مَنْزلةًما حَلّها قبْلَهم شخصٌ من البشَرِ
باللهِ يافَوْجُ صِفْنِي مُنْعِماً لهمُواذْكُرْ لهم طِبْقَ ما شاهدتَ من خَبَرِ
وقُل لهم قد غَدا في حُبِّكم شَبَحاًيكاد يخفَى على الرَّائيِنَ بالبصرِ
لعلَّهم أن يرِقُّوا لي ويفْتكرُواتلك الذِّمامَ التي في سالفِ العُمُرِ
ويرْحَمُوا مُدْنَفاً صَبّاً بهم كَلِفاًأسيرَ حُبٍ لهم في عالَمِ الصِّغَرِ
فاللهُ يُولِيهمُ عِزّاً ويحرُسهممدَى الزمانِ من الأسْواءِ والغِيَرِ

وله ملغزاً في اسم علي:

أمَاتَ اصْطِبارِي حين أحيْى تولُّهِيرَشاً في رياضِ الحُسْنِ بالتِّيهِ يمْرَحُ
ثلاثةُ أرْباعٍ لوَصْفِي هو اسمُهفيا ليته بالوصلِ لو كان يسمَحُ

وله في يوم شديد الحر:

ويومِ حَرٍ دَهانَاما فيه طِيبُ هَواءِ
قالوا نهارٌ قَوِيٌّفقتلُ من غيرِ هاءِ

وله:

خَطُّ العِذارِ نَهانِيعن عِشْقِه حين دَبَّا
واللَّحْظُ بالعشقِ يُغْرِيوالسيفُ أصْدَقُ أنْبَا

وله مضمنا:

يا قلبُ غرَّك محبوبٌ كلِفْتَ بهحتى طمِعتَ بوصلٍ دونَه الخَطَرُ
وإن غُرِرتَ بمن تَهْوَى فلا عَجَبٌما أنت أولُ سارٍ غَرَّهُ قَمَرُ

إبراهيم بن يوسف المهتار فرد الزمان في فنه، أطاعه الأدب إطاعة قنه.

فحلق إلى الأوج بعد الحضيض، وحدق عن سر البلاغة جفنه الغضيض.

إن ذكرت الرقة فهو سوق رقيقها، أو الفصاحة فهو الذي نشأ في سفح عقيقها.

فلو سمع طرفة شعره الرقيق، صار له كأبيه العبد الرقيق.

إلا أن الأيام تلاعبت به تلاعب العابث، واستطالت عليه استطالة العائث.

فحمل من عقوقها ما ليس ينكر، وأقل من عثراتها ما ليس يذكر.

وهو أديبٌ كما وصفته، وشاعرٌ عرفت قدره فأنصفته.

فمن مختاره الذي أطلعه مورقاً جنيا، وألمع به لأهل الأدب مشرقاً سنيا.

قوله:

أرِحْ فؤادِي من العذابِبالرَّاح والخُرَّدِ العِذابِ
وعاطِنِيها عروسَ دَنٍكالنارِ والعَسْجَدِ المُذابِ
مِن كَفِّ لَمْياءَ إن تَبدَّتْتَوارتِ الشمسُ بالحِجابِ
دَعْجاءُ بَلْجاءُ ذاتُ حُسْنلكلِّ أهلِ العقولِ سَابِي
على رياض مُدَبَّجاتٍحاكت سُداها يدُ السَّحابِ
بها القَمارِي مُغرِّداتٍعلى الأفانِين والرَّوابِي
فبادِرِ الأُنْسَ يا نَدِيمِيوقُمْ إلى اللهوِ والتَّصابِي
أعْطِ زمانَ الشبابِ حَظّاًفَلذّةُ العيشِ في الشّبَابِ
واجْسُرْ ولا تيْأسَنَّ يوماًمن رحمةِ اللهِ في الحسابِظ

وقوله في صدر قصيدة:

قِفْ بالمعاهدِ من مَيْثاءَ مَلْحوبِشَرقِيِّ كاظِمةٍ فالْجِزْعِ فاللُّوبِ
واسْتلْمِحِ البرقَ إذْ تبْدُو لَوامِعُهعلى النَّقا هل سقَى حَيَّ الأعاريبِ
يا حبَّذا إذْ بدا يفْتَرُّ مُبْتسِماًأعْلَى الثَّنِيَّةِ من شُمِّ الشّناخِيبِ
والجَوُّ مُضْطرِمُ الأرْجاءِ تحسَبُهبُرْداً أُصِيبَ حواشِيه بأُلْهوبِ
يا بارِقاً لاح وَهْناً من دِيارِهمُكأنه حين يهْفُو قلبُ مَرعوبِ
أذْكَرتنِي مَعهداً كُنَّا بِجِيرتِهنسْتقصِرُ الدهرَ من حُسْنٍ ومن طِيبِ
لم أنْسَ بالتَّلَعات الجُونِ مَوقِفناوالحَيُّ ما بين تقْويضٍ وتطْنِيبِ
وقد بَدا لِعيونِ الصَّحْبِ سِرْبُ ظِباًحَفّتْ بظَبْيٍ ببيضِ الهند مَحْجوبِ
لم تبدُ تلك الدُّمَى إلا لسَفْكِ دمِيولا العِذابُ اللَّمَى إلا لتعْذيبِي

ومن خمرياته:

قُمْ إلى بِنْتِ الكُرومِواسْقِنِيها يا ندِيمي
ما ترى الليلَ تولّىوانْطفَا ضوءُ النجومِ
وأضاء الصبحُ ما بين تصارِيفِ الغُيومِ
وبَدا الطَّلُّ على الأغْصانِ كالعِقْدِ النَّظِيمِ
وشَدَتْ قُمْرِيَّةُ الأيْكِ على الغُصْنِ القَوِيمِ
وسَرتْ رِيحُ الخُزَامى من رُبَى ظَبْيِ الصَّرِيمِ
فأدِرْها خمرةً تُنْبي عن العصرِ القديمِ
واسْقِنيها لتُزيلَ اليومَ عن قلبي هُمومي
هاتِها لي قهوةً منعهدِ لُقْمانَ الحكيمِ
وامْلأِ الكاساتِ إنِّيفي الصِّبا غيرُ مَلومِ
أيها النفسُ تَصابَىْثم في العِصْيانِ هِيمي
وعن الذُّلِّ تَوَلَّىْوعلى العِزِّ أقِيمي
واكْثرِي الذنب فرَبِّيغافرُ الذنبِ العظيمِ

وله من قصيدة:

أذْكى بقلي لاعِجَ الأشْجانِبَرْقٌ أضاء على رُبَا نَعْمانِ
أجرى مَدامعَ مُقْلَتِي أوْرَى زِنَادَ صَبابتِي أشْجَى فؤادِي الْعانِي
ما شاقَنِي إلاّ لأنَّ وَمِيضَهبرُبَا الهوَى ومَعاهدِ الخِلاّنِ
يا بَرْقُ جُدْ بالدَّمْعِ في أطْلالِهمعني فسَحُّ الدمعِ قد أعْيانِي
لم أسألِ الأجفانَ سَقْيَ عُهودِهمْإلاّ وجادت لي بأحمرَ قانِ
وَاهاً لأيامِ العُذَيْبِ إذِ اللِّوَىوطني وسكانُ الحِمَى جِيرانِي
إذْ كنتُ طَوْعاً للهوى واللهو فيظُلَلِ الشَّبيبةِ ساحبَ الأرْدانِ
تُشْجِينيَ الوَرْقاءُ إن صاحت علىتلك الغصونِ بنَغْمةِ الألحانِ
ويشُوقُني بانُ النَّقا وحُلولُ وادِيهِ وحسنُ الدارِ بالسُّكانِ

وله، موجهاً بأسماء الأنغام:

سلامُ اللهِ من صَبٍ مَشُوقِجَريحِ القلبِ باكي المُقْلتيْنِ
على مَن حَلَّ من قلبي السُويْدَالِعزَّتِه وحلَّ سوادَ عَيْنِي
نأَى بالصبرِ لَمَّا بان عنِّيوخلّفني سَهيرَ الفَرْقَدَيْنِ
فليت الرَّكْبَ قد وقفُوا قليلاًعلى العُشَّاقِ يوم نَوَى الحَسيْني

ومن غزلياته قوله:

جفَت حِلالُ المَنامِ مُقْلتيَّهْمُذ حَلَّ حبُّ الجمالِ مُهْجَتيَّهْ
وأحْرَق القلبَ حَرُّ نَارِ جَوىًوخَدَّد الخدَّ حَرُّ دَمْعَتيَّهْ
فما تغنَّى الحمامُ في غُصُنٍإلاّ وسال الدِّما بوجْنَتيَّهْ
ولا تذكَّرْتُ جِيرةً نزلُوابالشِّعْبِ إلاّ نسِيتُ صِحَّتيَّهْ
يا جِيرة الشِّعْبِ هل لِبُعْدِكمُحَدٌّ يُرَى أم يُطيلُ مُدَّتيَّهْ
نأيْتمُ والحشَا به حُرَقٌفقطَّر الدمعَ فَرْطُ حُرْقَتيَّهْ
فما نسِيتُ العهود بعدكمُولا تحوَّلْتُ عن مَحبَّتيَّهْ
ولستُ أسْلوكمُ وحقِّكمُهيْهاتَ زال الهوى بسَلْوَتيَّهْ
أنا الذي صِرتُ فيكمُ مَثيلاًلاقَيْتُهُ بالغَرام مُدَّعِيَّهْ
ورُبَّ ليلٍ طرقْتُ حَيَّكمْأزورُ في الحيِّ رَبْعَ مُنْيِتيَّهْ
مَن يسحرُ الطّرْفَ حُسْنُ بَهجتِهاإذا بدت بالجمالِ مُرتدِيَّهْ
خُرْعُوبةٌ بالمَهَا لها شَبَهٌرُعبوبةٌ بالظِّباءِ مُزْدرِيّهْ
مَعشوقَةُ القَدِّ غادةٌ وأرَىألحاظَها في النفوس مُعْتدِيَّهْ
أتيْتُها والعيونُ راقدةٌوأنْصُلُ القومِ غيرُ مُنْتضِيَّهْ
لمَّا رأتْنِي رَبَّ الجَوَى عَلمتغَدَتْ لَثْنِي الوِسادِ مُتَّكِيَّهْ
قالتْ أما خِفْتَ قومَنا فلقدخاطَرْتَ لمَّا قصدْتَ زَوْرَتِيَّهْ
فقلت إنَّ المُحِبَّ مُهْجتُهللحَيْنِ في الحبِّ غيرُ مُتَّقِيَّهْ
فبِتُّ في ليلتي أُسامِرُهاوبُسْتُ فَاها النَّقِيَّ عَشْرَمِيَّهْ
حتى بَدَا صُبْحُها فَفرَّقنالا كان صبحٌ بدَأ بفُرْقَتِيَّهْ

ومن مقطوعاته قوله:

طِفْلٌ من العُرْبِ أحْوَىخِدْنُ الصِّبا والبَطالَهْ
بَدا بوَجْهٍ كبدرٍفي جِيدِه الطَّوْقُ هَالَهْ

وقوله مقتبساً في مليحٍ فقير الحال:

تَصُدُّ وكم تَصدَّى منك كَفٌّلِمَن لم يدْرِ قَدَّكَ يا مُفَدَّى
وصَدُّك عن أُلِي أدبٍ وأمَّامَن اسْتغْنَى فأنْتَ له تَصَدَّى

وقوله:

ألا لا تغْضبَنَّ لمَن تَعالَىولا تُبْدِ الودادَ لِمَن جفاكَا
ولا تَر للرِّجالِ عليك حَقّاًإذا هم لم يَرَوْا لك مثلَ ذَاكَا

وقوله:

كم ذا أُغَمِّضُ عيْني ثُمَّ أفتحُهاوالدهرُ ما زال والدنْيا بحَالتِهَا
فليت شِعْرِيَ ما معنَى مَقالتِهمْما بيْن غَمْضةِ عَيْنٍ وانْتباهَتِهَا

وقوله:

وظَبْيٍ رَمانِي عن قِسِيِّ حَواجِبٍبأسْهُمِ لَحْظٍ جَرْحُها في الهوى غُنْمُ
على نَفْسِه فلْيَبْكِ مَن ضاع عُمْرُهوليس له منها نصيبٌ ولا سَهْمُ
للشاعر الامير منجك باشا، من قصيدة «دمشق بها أضحى رياض نوادر»

قد أكثر الشعراء تضمين هذا المصراع في هذا المعرض، والذي أخذ بنصيبه وسهمه القيراطي، حيث ضمنه في رياض دمشق، ومنها محلان، يقال لهما النصيب والسهم:

دمشقُ بِوديها رِياضٌ نَواضِرٌبها ينْجلِي عن قلبِ ناظرِها الْهَمُّ
على نفسِه فلْيَبْكِ مَن ضَاع عُمْرُهُوليس له منْها نصِيبٌ ولا سَهْمُ
للشاعر الامير منجك باشا، من قصيدة «دمشق بها أضحى رياض نوادر»

وله:

أسألُ الرحمنَ ذا الفضْلِ إلهَ العَرْشِ رَبِّي
حُسْنَ نَظْمِ الأرَّجانِيثم حَظَّ المُتنبِّي

ومما رأيته بخطه، وقد نسبه إلى نفسه، قوله في تشبيه الحجر الأسود:

الحجرُ الأسودُ شبَّهْتُهخَالاً بخَدِّ البيتِ زَاهٍ سَناهْ
أو أنه بعضُ مَوالِي بني العباسِ بَوَّابٌ لِبَابِ الإلهْ

وله في قناديل المطاف:

تراءتْ قناديلُ المَطافِ لِناظِرِيعلى البُعْدِ والظَّلْماءُ ذاتُ تَناهِي
كدائرةٍ من خالِصِ التِّبْرِ وَسْطهافَتِيتةُ مِسْكٍ وهْي بيتُ إلهِي

وله في المنائر في ليالي رمضان:

كأن المَنائِرَ إذْ أُسْرِجَتْقَنادِيلُها في دَياجِي الظَّلامْ
عَرائِسُ قامتْ عليها الحُلَىلتنْظُرَ بيتَ إلهِ الأنامْ

إبراهيم بن محمد بن مشعل العبدلي السالمي أرق لطفاء الحجاز، وأوحد ذوي الإعجاز بالتطويل والإيجاز.

له طبع نقيٌّ متقد، وشعر يختاره كل منتقٍ منتقد.

تناهبت محاسنه الشوادي والحوادي، فحثت بها المدامة في الحانات والمطايا في البوادي.

وقد أوردت له ما يستخف من الطرب القدود، ويغني عن الوردين ورد الرياض وورد الخدود.

فمن ذلك قوله:

لا أرَّق اللهُ مَن بالسُّقْمِ أرَّقنِيولا شَفَى سُقْمَ لَحْظٍ منه أسْقَمنِي
ولا طَفى جَمْرَ خَدٍ منه مُلْتهِباًوإن يكنَ بالجفا والصدِّ أحْرقنِي
وزاد في ضِيق خَصْرٍ منه ضِقْتُ بهذَرْعاً وأنْحَلَه إذ كان أنْحلنِي
ولا عَدَا لُعْسَ هاتِيكَ الشِّفاهِ لَمىًوإن حَمى رَشْفها عنِّي وأعْطَشَنِي
ولا اخْتفتْ من ثَناياه بَوَارِقُهاوإن بكيْتُ لها بالعارضِ الهَتِن
وشَدَّ أقْواسَ تلك الحاجِبيْن وإنغدت بنَبْلِ العيونِ النُّجْلِ ترشُقنِي
ولم تزلْ شمسُ ذاك الحسنِ مُشْرِقةًفي وجهِه لو بدمعِ العينِ شَرَّقنِي
ودام أهْيَفُ ذاك القَدِّ في مَيَدٍولو أطار الحشا إذ صار كالغُصُنِ
وضاعَف اللهُ ذاك الحسنَ أجْمَعَهولو رماني بِضْعف الضُّرِّ في البدنِ
أبْقاه في دَوْلةٍ بالحُسْن زاهرةٍولو جميلُ اصْطِبارِي في هَواه فَنِي
وزاد ذاك المُحَيَّا بهجةً وسَناًوإن حَمى عن جفوني لَذَّةَ الوَسَنِ
يا مَن جميعُ مَعانيه فُتِنْتُ بهالا أخْمَدَ اللهُ ما تُبْدِي من الفِتَنِ
أحْسِنْ بوجهِك فالإحسانُ أجمعُهيليقُ لا غيرُهُ من وجهِك الحَسَنِ

وله معارضاً قصيدة المهتار الهائية:

كم مُهْجةٍ بالغرامِ مُنْسَبِيَّهْوما لمِن يقتل الغرامُ دِيَّهْ
فلْيَحْذرِ الحبَّ كلُّ مُحْترِشٍبه ففيه الحُتُوفُ مُنْطوِيَّهْ
وفي رُبَا شِعْبِ عامرٍ رَشَأٌله عيونٌ بالسِّحرِ مُمْتلِيَّهْ
في حُسْنِه اليومَ صار مُنْتهِياًوعَشْقتِي فيه غير مُنْتهِيَّهْ
كم شمس حُسْنٍ عليه مُشْرقةٌمنها بدورُ التّمامِ مُخْتفِيَّهْ
إذا بدا مُقْبِلاً ولاح فقدجعلتُ منه الجَبِينَ قِبْلَتِيَّهْ
لي مُهْجةٌ غَرَّها بِغُرَّتِهآهاً له عن صِيادِ غُرَّتِيَّهْ
وما هَدانِي بصُبْح طَلْعتِهإلاّ بلَيْلِ الشُّعورِ ضلَّنِيَّهْ
فحَبَّذا ذلك الضلالُ بهلِمُهْجةٍ بالضلالِ مُهْتدِيَّهْ
وأغْيدٍ ذُبْتُ من مَحبَّتِهونفسُه بالجمالِ مُلْتهِيَّهْ
مُحَسَّنِ الخلقِ أحْوَرٍ تَرِفٍخِلْقتُه بالكمالِ مُسْتوٍيَّهْ
للحسنِ في وَجْنتيْهِ كلٌّ حَلاَمَاءٌ ونارٌ أحارَ فِكْرَتِيَّهْ
فلم أنَلْ ماءَ وردِ وَجْنتهِومِن لَظاها أحْشايَ مُلْتظِيَّهْ
لا تعجَبُوا إن فَنِيتُ فيه هوىًفذاتهُ للهلاكِ مُقْتضِيَّهْ
ووَجْنةٍ بالجمالِ زاهرةٍبنَرْجِسِ المُقْلتيْنِ مُحْتمِيَّهْ
ورُبَّ خِدْرٍ طَرَقْتُ بَيْضتَهوالليلُ ظَلْماه غيرُ مُنْجَلِيَّهْ

وحَوْلَها من حُماتِها أُسدٌ على اضْطرابِ الحروبِ مُجْترِيَّهْ

فانْتبهَتْ من لذيذِ نَوْمتِهاتقول مَن ذا يحُلُّ غَرْزَتِيَّهْ
فقلتُ صَبٌّ أذبْتِ مُهْجتَهبالحُسْنِ يابُغْيتي ومُنْيَتِيَّهْ
قالت لقد رُمْتَ مَطلباً خَطِراًمِن دونه الموتُ يا مُتيَّمِيَّهْ
أمَا رأيتَ الأسودَ رابِضةًأما رأيت السيوفَ مَنْتضِيَّهْ
فقلتُ إن المحبَّ مُهْجتَهُبالموتِ فيمن يحبُّ مُرْتضِيَّهْ
وحبَّذا يا ابْنةَ الكرامِ إذابلغْتُ في مُنْيتِي مَنِيَّتيَّهْ
فيما حياةَ النفوسِ أنا مَنأعْشَقُ في الغانِياتِ مِيتَتيَّهْ
فقالت الآنَ مَرحباً بفتىًقد عشِق الموتَ في مَحبَّتِيَّهْ
وأرْشفتْني رَحِيقَ رِيقتِهاوالنْفسُ منِّي لذاك مُشْتهِيَّهْ
فرُحْتُ نَشْوانَ من مُقبَّلِهاورِيقِها ما ألَذَّ سَكْرَتِيَّهْ
وفي ثَنايا نَقِيِّ مَبْسمِهاشُهْدٌ عليه النفوسُ مُحتوِيَّهْ
وما اجْتنَى الشُّهْدَ قَطُّ من بَرَدٍغيْرِي فيَامَا ألَذَّ جَنْيَتِيَّهْ
فعند ذا أنْعمتْ وما بخِلتْورُحْتُ أُثْنِي على مَحَبَّتيَّهْ

ومن مقطعاته قوله:

شمسُ الطِّلا بدري غدالم يصْحُ من تعْليلِهَا
فالرَّاح قتلة قتْلتِيوأنا قتيلُ قَتِيلِهَا

ومثله قول الأديب محمد البوني:

يا لَقَوْمِي إنِّي قتيلٌ ببدرٍهو أضحَى قتيلَ شمسِ العُقارِ
عَلِمَ اللهُ أنَّ قتْلِي حرامٌفاشْغَلَنْهُ بها لتأخذَ ثارِي

محمد بن أحمد البوني كوكب مجدٍ أضاء سناه، وحل بيتاً من الفخر ربه وبناه.

بوجهٍ أضاء نوراً، فملأ القلب فرحة وسروراً.

وسجيةٍ وارية الزناد، ذكر علاها عطر كل ناد.

وله شعر في الرتبة العالية، يرخص عند مسك مداده الغالية.

أثبتت منه ما يفوح فوحة الزهر عبقا، ويتمتع به من كان معتلقا بالشعر الرقيق ومستبقا.

ما دام كأسُ المُحَيَّا باسمَ الشَّنَبِفتَرْكُ لَثْمِي له من قِلَّةِ الأدبِ
فاسْتجْلِها بنتَ كَرْمٍ مع ذوي كَرَمٍمِن كَفِّ ساقٍ ببُرْدِ الحُسْن مُحْتجِبِ
كالبدر يسْعَى بشمسِ الرَّاح في يدِهفاعْجَبْ لبدرٍ سعَى بالشمسِ للَّهَبِ
إذا رَنا قلت خِشْفٌ في تَلفُّتِهوإن تثنَّى فغُصْنٌ ماسَ في الكُثُبِ
مَن لي بها وهْي تُجْلَى في زُجاجتِهاومِن سَنَا مُؤْنسٍ باللهوِ والطَّرَبِ
مَعْ رُفْقةٍ كالنجُومِ الزُّهْرِ ساطعةًحازُوا جميعَ النُّهَى والذَّوْقِ في العربِ
والوُرْقُ تشْدو على الأغْصانِ قائلةًباكِرْ صَبُوحَك بالكاساتِ والنُّجُبِ

وكتب إليه إبراهيم المهتار قصيدة، مستهلها:

بقلبِيَ سيفَ اللَّواحِظِ سَنَّهْوأفْرَضَ وَجْدِي وهَجْرِيَ سَنَّهْ

فأجابه بقصيدة، أولها:

أجبْتُك مولايَ من غيرِ مِنَّهْفذَوْقُك قد خَصَّني الفضُ مِنَّهْ
وإنِّي مُطِيعُك فيما أمرتَبه ووِدادِي كما تَعْهدَتَّهْ

منها:

عجبتُ لسحرِ عيونِ الظِّباتصيدُ القساوِرَ من غَابِهِنَّهْ
وهُنَّ الدُّمَى الخُرَّدُ الآنِساتُومَن لهمُ الشِّعْبَ أضْحَى مِظَنَّهْ
فكم دون أخْدارِها مَهْلَكٌوكم حولَه من جِيادٍ مُعَنَّهْ
بِبيضِ الصِّفاح وسُمْرِ الرِّماحِوصُفْرِ القِسيِّ وزُرْقِ الأسِنَّهْ
فحيَّى حِمَى الشِّعْبِ من عامرٍحياً هَمُّه سَقْيُ أطْلالِهِنَّهْ
فثَمَّ الغَوانِي المِلاحِ الصِّباحِيَرِنُّ الوِشاحُ بأعْطافِهِنَّهْ
إذا مِسْنَ ما بين تلك الخُدورِتُحاكِي الْقَنا لِينَ قامتِهِنَّهْ
فطيرُ الحَشَا لم يزَلْ واجِباًعليهِنَّ إن لُحْنَ في حَيِّهنَّهْ
ومن ثَمَّ أحْوَى بديعُ الجمالِحوَى اللُّطْفُ والظُّرْفَ مِن بَيْنِهنَّهْ
رَشاً خَصْرُه مُضْمَرٌ ناحِلٌإذا قام والرِّدْفُ ما أرْجَحَنَّهْ
فوَجْنتُه منذُ دَبَّ العِذارُحكَتْ يا ذَوِي العِشْقِ ناراً وجَنَّهْ

قوله: فطير الحشا قد غدا واجبا، أحسن فيه وأجاد.

وطيور الواجب المتعارفة عند أرباب القوس والبندق أربعة عشر، وهي: الكركي، والشبيطر، والعنز، والسوغ، والمرزم، والغرنوق.

وهذه الستة يقال لها: قصار السبق.

والنسر، والعقاب، والإوز، والتم، واللغلغ، والأنيسة، والكوى.

ويقال لها: طوال السبق.

وإنما قيل لها طيور الواجب؛ لأن الرامي كان لا يطلق عليه لفظ الرامي، إلا بعد قتله هذه بأجمعها بالبندق وجوباً صناعياً.

ومن مقاطيعه قوله:

أنْحَلَ اللهُ خَصْرَ ذاتِ المِثالِفهْي واللهِ لا ترِقُّ لحالِي
وأراني ألْحاظَها في انْكسارٍولَظَى جَمْرِ خدِّها في اشْتعالِ

وأصلُه قول ابن الرومي:

أنْحَلتْني حبيبتيأنْحَلَ اللهُ خَصْرَهَا
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «أنحلتني حبيبتي»
كسَرتْني جفُونُهاضاعَف اللهُ كَسْرَهَا
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «أنحلتني حبيبتي»

ومثله قول إبراهيم بن مشعل:

أضْعَفَ الجسمَ فاتِنِيضاعَف اللهُ حُسْنَهُ
سَقَمِي من جُفونِهلا عدا السُّقْمُ جَفْنَهُ

وقوله:

لا طفا اللهُ جَمْرَ خَدِّ حبيبٍقد كَوانِي بهَجْرِه والصُّدودِ
وحَماه من عارِض وأرانيسُقْمَ عيْنيْه دائماً في مَزِيدِ

فخر الدين أبو بكر بن محمد الخاتوني أديبٌ منطبع السليقة، متكافىء الخلق والخليقة.

قلد الطروس فخراً بكلمه، وحشر الصواب بين بنانه وقلمه.

وجرى طلقاً في ميدان القريض، فدلت على سبقه كلمة الكلمة بالتصريح والتعريض.

وقد رأيت له قطعاً فذة، منازعها مستلذة.

فمنها قوله في غربية المكية، وقد هام بها هيمان المعتمد بالرميكية.

رُبَّ سَمْراءَ كالمُثقَّفِ لَمَّاخطَرتْ في الغلائلِ السُّنْدُسِيَّهْ
غادةٌ تسلُبُ العقولَ ولا بِدْعَ وأعمالُ طَرْفِها سِحْريَّهْ
للشاعر رفاعة الطهطاوي، اقرأ القصيدة
جُبِلتْ ذاتُها من المَنْدَلِ الرَّطْب ففاقتْ على الرِّياض الزَّكِيَّهْ
للشاعر رفاعة الطهطاوي، اقرأ القصيدة
مالَها في الغُصونِ نِدٌّ وليس النَّدُّ إلاَّ من ذاتِها المِسْكِيَّهْ

منها:

هي للقلبِ مُنْيةٌ ولكم مِنصَدِّها الصَّبُّ ذاقَ طعمَ المَنِيَّهْ
ذاتُ لَحْظٍ وَسْنانَ يَفْعل ما لمْيفعلِ السيفُ في قلوبِ الرَّعِيَّهْ
للشاعر رفاعة الطهطاوي، اقرأ القصيدة
ومُحَيّاً مِن دونِه يخْسَف البَدْرُ إذا لاح في الليالي البَهِيَّهْ
للشاعر رفاعة الطهطاوي، اقرأ القصيدة
حَوَتِ الحُسْنَ كلَّه فهْي ممَّاأبْدَعَ اللهُ صُنْعَه في البَرِيَّهْ
للشاعر رفاعة الطهطاوي، اقرأ القصيدة
شَبَّهوها عند التلفُّتِ بالظَّبْيِ وهيْهات ما هُما بالسَّوِيَّهْ
كلُّ شيءٍ يخْفَى إذا ما تبدَّتْوهْي كالشمسِ لا تزال مُضِيَّهْ
للشاعر رفاعة الطهطاوي، اقرأ القصيدة
ليت شِعْرِي وأيُّ شمسٍ بشرقٍلك تبْقَى إذا بدتْ غَرْبِيَّهْ

وله يرثي السيد أحمد بن مسعود، لما بلغه خبرُ موتِه:

على فَقْدِ بدر التِّمِّ أحمدَ لْتَجُدْلعُظْمِ الأسَى من كلِّ نَدْبٍ شُئونُهُ
وإلاَّ فمن يا ليت شِعْرِيَ بعدَهإذا هي لم تسمحْ تسِحُّ جُفونُهُ
فتىً كان والأيامُ للجَدْبِ كُلَّحٌإذا أمَّه العافِي أضاءَ جَبِينُهُ
فتُبْصِرُ بدراً منه قد تمَّ حسنُهوتنْشَق روضاً قد تناهَتْ فُنونُهُ
تجود وإن أوْدَى الزمانُ يَسارُهبما قد حَوَتْ من كلّ وَفْرٍ يَمِينُهُ
فقُل للذي قد جَدَّ في طَلَبِ النَّدَىرُوَيْدَك إن الجودَ سارتْ ظُعونُهُ
وقد غاب من أُفْقِ الكمالِ مُنِيرُهكما غار من بحرِ النَّوالِ مَعِينُهُ
وأصبح وجهُ المجدِ للحُزْن كالِحاًكأنْ لم تكن من قبلُ قرَّتْ عيونُهُ
سأبْكيه والآدابُ أجمعُها معيبدمعٍ تَوَدُّ السُّحْبُ يوماً تكونُهُ
ولِمْ لا عليه الفخرُ يبْكي تأسُّفاًوقد حُقَّ منه البَيْنُ وهْو خَدِينُهُ
فذاك الذي عن مِثْلِه يقْبُح العَزَاويحسُن إلاَّ مِن هواه سكونُهُ
عليه من الله التحيَّةُ ما وفَتْبفُرْقتِه من كلِّ حَيِّ مَنونُهُ
ورحمتُه ما حَنَّ أوْ ناحَ وَالِهٌنأَى عنه من بعدِ التَّدانِي قَرِينُهُ

وله في الفوارة:

ألا مِلْ إلى روضٍ به بِرْكَةٌ زَهَتْبفَوَّارةٍ فيها كفَصٍ من الْمَاسِ
إذا ما أتاها زائرٌ قام ماؤُهافأجْلَسَه منها على العَيْنِ والرَّاسِ

علي بن القاسم بن نعمة الله المعروف بالمنلا وجده الرابع من آبائه الشيخ ظهير الدين، علامة شيراز في زمانه، وسر التحقيق الذي أظهره الدهر بعد كتمانه.

وعلي هذا فرعٌ من فروع دوحته، بان فضله من حين جيئته وروحته.

فظهر أوان الظهور وساد، وشاد من دعائم مجده المؤثل ما شاد.

بهمةٍ إلى صرف العلى مصروفة، وشيمةٍ بإسداء المعروف معروفة.

وأما فضله فالبراعة ميدان مجاله، والنباهة محل رويته وارتجاله.

وله شعر سهل طريقه وساغ، فانساغ مع الرقة ألطف مساغ.

فمنه قوله، مضمنا:

ولمَّا أتتْني من جَنابِك نَفْحةٌتضَوَّع من أنْفاسِها المسكُ والنَّدُّ
وقفْتُ فأتْبعْتُ الرسولَ مُسائِلاًوأنْشدْتُه بيتاً هو العَلَمُ الفَرْدُ
وحدَّثْتني يا سعدُ عنها فزِدْتنيشُجوناً فزِدْنِي من شجُونِك يا سعدُ

والبيت المضمن للعباس بن الأحنف، وبعده:

هَواها هَوىً لم يعرِف القلبُ غيرَهفليس له قَبْلٌ وليس له بَعْدُ

وله، وكتبه في صدر كتاب:

أناخَ بسُوحِي جيشُ همٍ وإبْطالِوأضحَى قَرِينَ القلب من بعدِ تَرْحالِ
وما فَلَّ ذاك الجيشَ غيرُ صَحِيفةٍتجِلُّ لَعَمْرِي عن شَبِيهٍ وأمْثالِ
أتَتْ تسلُب الألبابَ طُرّاً كأنهارَبيبةُ خِدْرٍ ذاتُ سِمْطٍ وخَلْخالِ
أتَتْ من خَليلٍ قثربه غاية المُنىومنظرُه الأَسْنى غدا جُلَّ آمالي
فلا زال مَحْفوظاً عن الحُزْنِ والأسَىولا زال مَحْفوفاً بعِزّ وإجْلالِ

ولده أحمد هو في هذه الأخلاف، يذكر بما يذكر به كبار الأسلاف.

من تقوى تعمر بها ظاهره، ومن صيانةٍ تجملت بها مظاهره.

وقد رأيته بمكة المعظمة، وفرائد آدابه بليت الزمان منظمة.

وهو من النعمة في ظلٍ رطيب المطارح، ومن الكرامة في حمىً رحيب المسارح.

فتناولت من مناظيمه قطعاً كحدائق الجنان، فدونك منها ما يتمتع به الطرف والجنان.

فمنها قوله، من قصيدة أولها:

يا أخِلاَّئي بجَرْعاءِ الحِمَىما لِصافِي وُدِّنا عاد أُجاجَا
وليالٍ بِمنىً قَضَّيْتُهامَعْ نَدِيمٍ لم يكنْ في الحب دَاجَا
ومِليح كاملٍ في حُسْنِهيفضَح الأقمارَ حُسْناً وانْبِلاجَا
فسعَى في شَتِّنا دهرٌ بَنَىبيْننا من فادِح البَيْن رِتاجَا
فتنَاءَوْا وتبدَّلْتُ بهمفِتْنةً حادتْ عن الحقِّ اعْوِجاجَا

وقوله من أخرى:

سقى اللهُ رَبْعاً بالأجارعِ من هندِوحَيَّى الحْيَا وادِي الأراكةِ والرَّنْدِ
مَغانٍ بها كان الزَّمانُ مُساعدِيبأفْنانِ بِشْرٍ من أسِرَّتِه يُبْدِي
ورِيمٍ إذا ما لاح ضوءُ جَبينِهبفَرْعٍ حكَى لَيل التَّباعُدِ من هنْدِ
أرَانا مُحَيّاً كالغزالةِ في الضحىأو البدرِ في بُرْجِ التَّكامُلِ والسَّعْدِ
له مُقْلةٌ وَسْناءُ ترشق أسْهُماًتُصِيب الحشَا قبلَ الجوارِحِ والجِلْدِ
وثَغْرٌ إذَا ما ضاءَ في جُنْحِ دامِسٍتوهَّمْتَ دُرّاً قد تنضَّد في عِقْدِ
يُدير به ظَلْماً كأنَّ مَذاقَهُجَنَى الطَّلْعِ أو صِرْفُ السُّلافِ أو الشُّهْدِ
وتالِعُ جيدٍ ما الغزالةُ إن عَطَتْبمُنْعرجِ الجَرْعاءِ طالبةَ الوِرْدِ
وصَعْدَةُ قَدٍ إن تُقل غُصُن النَّقَايقول لها هيْهات ما ذاك من نِدِّي
ورِدْفٌ تَشكَّى الخَصْرُ أعْباءَ ثُقْلِهِفنَاء به حتى تضاءَلَ عن جُهْدِ
فلله هاتيك الليالي التي خَلَتْوعُوِّضْتُ عنها بالقَطِيعة والبُعْدِ
وأصبحتُ والأحشاءُ يذْكُو لَهِيبُهاألِيفَ النوى حِلْفَ الجوى دائمَ السُّهْدِ
أروح وأغْدُو واجِداً بين أضْلُعِيلَهِيبَ جَوىً لم يخْلُ حِيناً من الوَقْدِ
أعَضُّ بَنانِي حسرةً وتأسُّفاًوأنْدُب عصراً لم أبِتْ خالياًَ وحْدِي
وأُرْسِلُ دَمْعاً كالغمَامِ إذا هَمَىفهيْهات أن يُغْني التأسُّفُ أو يُجْدِي
إلى الله أشْكُو جَوْرَ دهرٍ إذا عَدَاعلى المرء حَاجَاه بألْسِنَةِ لُدِّ
وقائلةٍ والعيْشُ يُزعِجُه النَّوَىوعَبْرتُها كالطَّلِّ يسقط في الوَرْدِ
لبئس المُنَى أن تقطعَ البِيدَ بالسُّرَىوترْحلَ عن وادِ المُحصَّبِ للهِنْدِ
فقلتُ لها ما القَصْدُ واللهِ مُنْيَةًولا نَيْلَ سُؤالٍ من عَرُوضٍ ومن نَقْدِ
ولكنْ لأقُضِي شُكْرَ سالِفِ نِعْمةٍمُشيَّدةِ الأرْكانِ بالأَبِ والجَدِّ
لأكْرَمِ مَوْلىً ألْبَستْ يدُه الوَرىمَطارِفَ نَعْماءٍ تجِلُّ عن الحَدِّ

ومن شعره قوله مجيباً لصاحب السلافة، عن أبيات كتبها إليه، لغرضً عرض:

أبا حسنٍ لا زال سَعْدُك غالباًوجَدُّكَ مَسْعوداً ونَجْمُك ثاقِبَا
ولا زالتِ العَلْياءُ تُجْنَى ثِمارُهالَديْك وتَحْوِي في المَعالي الأطايِبَا
أتاني قَرِيضٌ منك قد جرَّ ذيلَهعلى الأطْلَسِ الأعْلَى وفاق الكَواكبَا
يُشِير إلى خِلٍ تغيَّر وُدُّهُوأصبح من بعدِ التَّحابِي مُحارِبَا
أبَى اللهُ أن يَثْنِي عِنانَ وِدادِهولو مَطَرتْ سُحْبُ الغوادِي قَواضِبَا
ولكنه يا مَفْخَرَ العربِ امْرُؤٌيُجرَّع من هذا الزمانِ مَصائِبَا
فجرَّد عَزْماً للتَّجافِي عن الورىوأصبح مُنْحازاً عن الخلقِ جانِبَا
فصبراً لهذا الدهرِ إنَّ صُروفَهلَعَمْرُكَ تُبْدِي من قضاها عجائِبَا
سيصْفو شرابٌ مَرَّ دهراً مُكدَّراًويرضَى مُحِبٌّ ظلَّ حِيناً مُغاضِبَا
فإن ضميرِي لا يزال مُنازِعِيبأنَّك تَرْقَى في المَعالي مَراتِبَا
مَراتِبُ تسْمُو للسِّماكَيْن رِفْعةًتقُود بها خَيْلَ الفخار جَنائِبَا
فذلك عندي عن تَقيٍ مُكَرَّمٍصَدُوقٍ إذا ما قال لم يُلْفَ كاذِبَا
وما زلتُ أرْعَى قولَه في مَواطنٍفألْفيْتُه ثَبْتَ المَقالةِ صائِبَا
ودُمْ رَاقِياً للمجدِ أرْفعَ رُتْبةٍتُبيدُ الأعادي أو تُنيِل الرَّغائِبَا

أحمد بن أبي القاسم الخلي من أولى الناس للمجد تفصيلا، وأحقهم للترجيح تكميلاً وتفضيلا.

لم ترفع عن أحسن من محاسنه النقب، ولم تتشرف بأفضل من مآثره الحقب.

ولقد منيت به في إحدى ثلاثة منى، وحصلت منه على ما كنت أتوقعه من أمنيةٍ ومنى.

في هنيئة أقصر من رجعة طرف، وأخصر من كتابة حرف.

فرأيت فاضلاً ألقى دلوه في بحر الأدب فنزفه، ومد إلى غصنه الفينان فقطفه.

وأنشدني من شعره ما تحسد اتساقه الثغور، وتغزله شهب السماء فتغور.

فمنه قوله من قصيدة:

حَيَّى الْحَيَا مَراتِعاً بنَجْدِقد طاب فيها صَدَرِي ووِرْدِي
مَراتعاً كنتُ سميراً للدُّمَىبها وتِرْبَ ناهِدات النَّهْدِ
من كلِّ هَيْفاءِ القَوام غادةٍيبْسَم فَاها عن لآلِي عِقْدِ
إذا انْثنَى بالدَّلِّ لَدْنُ قَدِّهافأين منه عَذَباتُ الرَّنْدِ
ثقيلةُ الرِّدْفِ هضِيمةُ الحشايحْكيهما تجلُّدِي ووَجْدِي
ضعيفةُ الخَصْرِ ولكن فِعْلُهفي القلبِ أبْلانِي بضَعْفِ الجُهْدِ
كثيرةُ الخُلْفِ فما لِصَبِّهامَطْلُ وَعِيدٍ ونَجازُ وَعْدِ
مَيَّالةُ العِطْفِ لغيرِ عاشقٍمَلُولةُ الإلْفِ لغيرِ الصَّدِّ
رَيَّانةُ الجسمِ يظَلُّ شارِقاًدُمْلُجُها مِنها بماءِ الزَّنْدِ
لها مُحَيّاً كالصباحِ أبْلَجٌمن فوقهِ ليلٌ أثِيثٌ جَعْدُ
وناظرٌ أجْرَى دموعَ ناظرِيوَقْفاً على عامِلِ ذاك القَدِّ
وحاجبٌ حجب عن جَفْنِي الكَرىكأنه مُوَكَّلٌ بالسَّرْدِ
شكَوْتُ ما ألْقَى لِقاسِي قَدِّهاهيهْات هل تعْطِف من صَلْدِ
يا قلْبَها إن كنتَ صخراً إنني الخَنْساءُ فارْحَمْ لَوْعتِي وسُهْدِي

وقوله من قصيدة نبوية، مطلعها:

مَن لصَبٍ في الحبِّ أفْنَى زمانَهْوهو إلْفُ اسْتكانةٍ وزَمانَهْ
قد بَراهُ الهوى فصار خيالاًلو أتَى عائدٌ لضَلَّ مكانَهْ
لَذّ ذُلُّ الهوى وهو حُرٌّفهْو يهوَى الهَوى ويهْوَى هَوانَهْ
كلَّما هبَّتِ الصَّبا هام شوقاًلزَرُودٍ وهيَّجَتْ أشْجانَهْ
يا رعَى اللهُ عصرَ أُنْسٍ تقضَّىبربُاها وما قضَيْتُ لُبانَهْ
وسقَى صَيِّبُ الغمامِ ثَراهالا دموعِي ودِيمَةٌ هَتَّانَهْ
أنا أخْشَى من دمعِ عيني عليهاقد رأيتمُ يوم النَّوَى طُوفانَهْ
يا خليلِي إذا أتيْتَ إليهاوتراءَتْ تلك القِبابُ المُصانَهْ
قِفْ بها ساعةً وسَلْ عن فؤاديسَاكِنِيها لعل تعرِفُ شَانَهْ
أخذُوه يومَ الوَداعِ الأُحَيْبابُ كأنَّ الفؤادَ عندي أمانَهْ
تركُوني جسماً ولا قلبَ فيهما حَياتي واللهِ إلاَّ مَجانَهْ
يا عَذ ُولِي إليك عنِّي فلا قلْب أَراه فأرْتجِي سُلْوانَهْ
أجنُونٌ أصاب عاذِليَ الغِمْرَ وإلاَّ مثلي أضاع جَنانَهْ
ما درَى أن عَذْلَه يُضْرِمَ الوَجْدَ أجَلْ لو درَى لألْوَى عِنانَهْ
أتُراه من بعد أن شِبْتُ في الْحُبِّوأصبحتُ في الهوى تُرْجُمانَهْ
ينتهي في صَرْف قلبي الأماني فالأماني بُروقُها خَ، انَهْ
كيف صَرْفُ الفؤاد قُلْ لي وهذاحُسْنُ ليلَى عَمَّ الوجودَ فزَانَهْ
لو رآها رأى الذي يبْهر العقْلَ وينْسَى الرَّائِي به أحْزانَهْ
إنّ داعِي جمالِها قام يدعومُوضِحاً للصِّبابها بُرْهانَهْ
جَلَّ مَن صاغَها طريقاً إلى الرُّشْدِ وأُنْمُوذَجاً يُرينا جِنانَهْ
نُزْهةٌ للعيون ننْظُرُ فيهاقمراً مُشرِقاً على خُوطِ بَانَهْ
وجَبِيناً يحْكِي الهلالَ وفَرْعاًمثلَ لَيْلِي إذا انثنَتْ غَضْبانَهْ
وعيوناً لا شكَّ عندي هي الدُّنيا أراها قَتَّالةً فَتَّانَهْ
وثَنايَا كأنَّهُنَّ الَّلآلِيورُضاباً أظنُّه خمْرَ حَانَهْ
طالما أخمدَتْ به وَهَجَ القلْبِ المُعَنَّى وأطْفأتْ نِيرانَهْ
وأتتْني من غيرِ سابقِ وَعْدٍتتهادَى كأنَّها نَشْوانَهْ
فامْتزجْنا من العِناقِ وبِتْنَافي سرابيلِ عِفَّةٍ وصِيانَهْ
نتَعاطَى من الحديثِ كؤُوساًهيَ أشْهَى من أكْؤُسٍ مَلآنَهْ
ثم قالتْ خُذْ في مَدائِحِ طهعَيْنِ هذا الوجودِ بل إنْسانَهْ

وله من موشح مستبدع، مستهله:

حتَّى متَى هذا الرَّشا الأكْحَلْبَاهِي الجَبِينْ
غيري يَفِي وها أنا أُهْمَلْالله يُعِينْ

ما حِيلتِي قد زاد بي البَلْبَالْ

ومُهْجتِي تقطَّعتْ أوْصالْ

وعَبْرتِي كالعارِضَ الهَطالْ

قد شَتَّتا نَوْمِ وقد أبْطلْحَوْلِي المتينْ
مَن مُنصِفِي منه وما أعملْيا مسلمينْ

هَويتُه حلوَ اللَّمَى أرْعَنْ

شَتِيتُه كاللؤلُؤِ المُثْمَنْ

فليْته يُبيحُنِي مِن أنْ

وَاحَسْرتَا إن كُنتُ لا أحْملْمَن ذَا المُعينْ
وينْطفي في القلبِ ما أشْعَلْوَجْدِي سِنِينْ

أصْمَى الْحَشا بطَرْفِه النَّبَّالْ

وأدْهشَا لُبِّي وعقلي زالْ

ولو يَشا ما صِرتُ في ذا الحالْ

تفَّتتا قلبي بما حَمَلْأنتَ الضَّمِينْ
يا مُتْلفِي ظُلْماً وقد أجْمَلْحَلَّ اليمِينْ

ما بَراحٌ عن حُبِّه كَلاَّ

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.