من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
الباب السابع في غرائب نبهاء مصر (٨)
فأملى علي من فصوله القصار، قوله: الموت الأحمر في الحظ الأسود، والعدو الأزرق في بني الأصفر، والشيب الأبيض في عدم العيش الأخضر.
وهذا كما تراه يعارض قول الحريري في المقامة الثالثة عشرة: فمذ اغبر العيش الأخضر، وازور المحبوب الأصفر، اسود يومي الأبيض، وابيض فودي الأسود، حتى رثى لي العدو الأزرق، فحبذا الموت الأحمر.
وقوله: العدو الأزرق يعني الشديد العداوة، أو الأزرق العين، يريد الروم؛ لأن أكثرهم زرق العيون، فبنو الأصفر على الأول بنو الذهب؛ وهم الدنانير، وعلى الثاني الروم.
ومن الأول تعرف أن الحريري عبر بالمحبوب، فلحظ جانب مدحه، كما فعل في المقامة الدينارية، حيث مدحه فقال:
أكْرِمْ به أصْفَرَ راقتْ صُفْرَتُهْ
إلى أن قال:
وحُبِّبَتْ إلى القلوبِ غُرَّتُهْ
وأما هو فعبر بالعدو، ولاحظ جانب ذمه تبعاً للحريري، حيث ذمه، فقال:
تَبّاً له من خادِعٍ مُماذِقِأصْفَرَ ذي وَجْهيْن كالمُنافقِ
والموت الأحمر هو موت الفجاءة، وقيل: هو الموت الشديد، وهو القتل بالسيف، وذلك لما يحدث عن القتل من الدم، وقد يكنى عن الأمر المستصعب بالموت الأحمر، ويقال: سنةٌ حمراء، أي شديدة، وقيل: الموت الأحمر الفقر.
وفي الحواشي الفنارية على المطول: الموت الأحمر يروي بالتوصيف وبالإضافة، فالأحمر على الثاني بالزاي المعجمة، قيل: هو حيوان بحري يشق موته، والظاهر أنه على الثاني، وعلى الأول بها أيضاً من الحمازة، وهي الشدة، وقيل: هو عليه بالراء المهملة، فيراد به موت الشهداء، والأول أقرب كما لا يخفى. انتهى.
وجرى بيني وبينه ذكر بلوغ الأربعين من العمر، فقال: كيف ترى حالك، وقد بلغت الأشد؟ فقلت: قد فارقت الشدة، وبلغت الأشد، فأنا قد عدمت معه السداد فمن لي بالأسد.
ما يُرجِّي من أرْذَلِ العمرِ شَيْخٌمِن بلوغِ الأشُدِّ يلْقَى الأشَدَّا
وأنشدني من لفظه لنفسه قوله مضمنا:
ولا أخْتشِي إن مَسَّنِي ضُرُّ حادثٍإذا كان عُقْباهُ ارْتفاعِي من الخَفْضِ
ولا الدهرَ مهما إن أطال له يَداًفتلك يَدٌ جَسَّ الزمانُ بها نَبْضِي
فإن عِشْتُ أدركتُ المَرامَ وإن أمُتْوأسْرعَ أرْبابُ الودائعِ للقَبْضِ
ولم تُشْفَ من ماء الحياةِ غَلائِلِيفللهِ مِيراثُ السمواتِ والأرضِ
محمد المعروف بالصائغ الدمياطي صائغ القول صوغ الإبريز، ورب السبق في البراعة والتبريز.
اتفق على فضله الجمع، وتغاير على محاسنه البصر والسمع.
وقد ورد علي بالقاهرة وخاطري بنوادر التحف متولع، وناظري لأطارف الملح متطلع.
فصادفت فيه المؤمل، ولعمري إنه كاملٌ مكمل.
فامتزجت أنا وإياه على التآلف والتعطف، ولم أر مثله في كثرة التحبب والتلطف.
وها أنذا شاكرٌ من ألطافه ما قل وما جل، والمودة فيما بيننا خالصةٌ لله ﷿.
وقد تناولت من أناشيده نثير الجمان، وأحمد الله على أن جمعني وإياه الزمان.
فمما أتحفني به هذه القصيدة، مدح بها الأستاذ زين العابدين البكري:
رفعتْ بأطْرافٍ رِطابِعن وجهها طَرفَ النِّقابِ
فعجبتُ كيف البدرُ يجْلُو الشمسَ عن صَدَأِ السحابِ
ورَنَتْ بمُقْلتِها التيهي فِتْنتِي وبها عذابِي
فرأيتُ خمرَ الْجَفْنِ أسْرعَ للمدَارِك بالذَّهابِ
والسِّحرَ سِحْرَ العَيْن لاسِحْرَ العزيمةِ والكتابِ
وتبسَّمتْ عن أشْنَبٍيفْتَرُّ عن عَجَبِ عُجَابِ
دُرٌّ ترصَّع في الشَّقِيقِ الغَضِّ بالشُّهْدِ المُذابِ
والوردُ صان الثَّلجَ خَشْيةَ أن يسيلَ من الرُّضابِ
والأُقْحُوانةُ كيف تَنْبُتُ في اليَواقيتِ العِذابِ
وكأنه كأسٌ تَلوَّنَ بالرَّحِيقِ وبالحُبابِ
ونظرتُ آيةَ خَدِّهافقرأتُ عنوانَ الكتابِ
وعلمتُ أنّ الموتَ دُونَ وُرودِ مَبْسِمِها الشَّرابِ
رَيّانةُ الأعْطافِ مِنماءِ اللَّطافةِ والشبابِ
صَلْدِيَّةُ الأحشاءِ حَاشاهَا ترِقُّ لذي تَبابِ
تَزْهُو إذا رأتِ الصَّرِيعَ مُعفَّراً فوق الترابِ
تزهو بخاتمِها وخِنْصَرِها المُقَمَّعِ بالخِضابِ
وتظَلُّ عابسةً كمايلْهُو المُفكِّرُ بالحسابِ
إن أنْسَ لا أنْسى مَقامَ رَحِيلها وعَداكَ مَا بِي
زَمُّوا المَطِيَّ وزمَّلُواحُمْرَ الهَوادِجِ والقِبابِ
رحَلُوا فعزَّ القلبُ مِنصَدْرِي وما حُلَّتْ ثيابِي
يا لائِمِي في الْحُبِّ دَعْعَذْلِي فليس عليك عَابِي
هَبْنِي ضَلِلْتُ فما عليْكَ إلى الهدايةِ مِن حسابِ
مَن لي بأن أُدْعَى حَلِيفَ صَبابةٍ ولَقَى تَصابِي
أنا لَذَّ لي ذُلُّ الهوىوأرى خَطايَ به صوابي
والعِزُّ يخدمُ ساحتِيوالسَّعْدُ مُرْتبَطٌ ببابِي
بمديح زيْن العابدينَ الْحَبرِ محفوظِ الجَنابِ
ابنِ الْفَواتِحِ والخَواتِم والْعَواصمِ والمَتابِ
وابنِ الخلافةِ والإنافةِ والإمامةِ والمَآبِ
فَرْدُ الوجودِ ومَظْهرُ التَّكْمِيلِ فَيَّاحُ الرِّحابِ
طَلْقُ الْجَبِين إذا تصدَّرَ للخُطوبِ أو الخِطابِ
سهلُ الخلائقِ للعُفاةِ وللعِدَى صَعْبُ الحِجابِ
مِن بَأْسِه تَجِدُ الملوكَ الصِّيدَ مُرْتعِدِي الإهابِ
إن تَلْقَهُ تَلْقَ المُؤَمَّلَ للمَثُوبةِ والوِثابِ
وإذا نظرْتَ الوجْه مِنْهـ تَرَ الجمالةَ في المَهابِ
وإذا اسْتمحْتَ يَمِينَهُحُزْتَ اليَسارَ بلا حسابِ
وإذا اسْتَغَثْتَ بجَاهِهِفتُغاثُ منه بمُسْتَجَابِ
طابتْ عناصِرُه وطابَ الأصلُ منه بمُسْتَطابِ
سَعِدتْ به الأيامُ وابْتهجَ الزمانُ على الحِقابِ
وعَلَتْ به رُتَبُ العُلَىفوق الثَّوابتِ بالثَّوابِ
وبذِكْرِه تَرْتاح أفْئدةُ المَحامِدِ والمَحابِ
مِن عُصْبةٍ طابتْ أَرُومَتُهم بفخرٍ وانْتخابِ
قومٌ لهم شَرَفٌ وحَقِّاللهِ في أُمِّ الكتابِ
حُبِّي بَنِي الصِّدِّيقِ دُخْرِي للقيامةِ واحْتسابِي
وبِه أرومُ الفَوْزَ في الدُّنْيَا وفي يومِ الحسابِ
وهُنا وعُمْرِ أبيك قدنَوَّخْتُ راحلةَ الطِّلابِ
وجعلتُ مَدْحِي في بَنِي الصِّدِّيقِ ما قد عِشْتُ دَابِي
وأنشدني من لفظه لنفسه، قال: وهو مما قلته في الرؤية:
كأنما الشمسُ في الإشراقِ طالعةًخَوْدٌ تَرِفُّ على أرْضٍ من الذهبِ
وإن تدلَّتْ لنَحْوِ الغربِ مائلةًتجُرُّ من خَلْفِها ذيلاً من اللَّهَبِ
وأنشدني قوله:
للهِ قومٌ عهِدتُ حُبَّهمُفرضاً عليَّ الغرامُ قد كتَبَا
كأنما القلبُ عند ذكرِهمُطَيْرٌ أحَسَّ الوُقوعَ فاضْطَربَا
وقوله:
أذِلُّ لِعزَّتِه يُعْجَبُوأرْضَى فيُغْضِبُه فاعْجَبُوا
وأسألُه العَفْوَ عمَّا جَنَىعليَّ كأنِّي أنا المُذْنِبُ
وقوله:
بالرُّوحِ أفْدِي عِذَاراًأبانَ للناسِ عُذْرِي
أقول مِتُّ غرامَايقول يا ليتَ شِعْرِي
وقوله:
تعلَّقتْ بك آمالي وأطْمعنِيفيك الوُثوقُ بأنِّي لم أُضَعِ
فجُدْ بإنْجازِ وَعْدِ كي أفوزَ ولاتُمِتْ رجائِيَ بين الياسِ والطَّمَعِ
وقوله:
أرى الدنيا وإن رفَعتْلأعْلَى ذِرْوة الفَلَكِ
سترْمِي مَن يُغَرُّ بهالأدْنَى هُوَّةِ الدَّرَكِ
فإن نصَبتْ حَبائِلَهافخَفْ من حَبَّةِ الشَّرَكِ
وقوله:
مَن كان باللهِ لا يُبالِيإن أكثرُوا اللَّوْمَ أو أقَلُّوا
ومَن يكن همُّه سِواهُفإنما حَظُّه الأَقَلُّ
وقوله:
لاَثَ على رأسِه عِمامَهْفنال منه الجمالُ آمالَهْ
كأنه وهْو تحتَها قمرٌدائرةٌ فوق رأسِها هالَهْ
وقوله:
هُمُ هُمُ إن نأَوْا عنِّي وإن قَرُبُواأحِبَّتِي حبُّهم منِّي كحُرِّ دَمِي
فلا أقَرَّتْ يدي كأساً ولا جذَبتْسيفاً ولا لعِبتْ بالرُّمْحِ والقلمِ
ولا أسالتْ شَآبيبَ النَّدَى كرَماًإن كنتُ وَجَّهْتُ وَجْهِي نحوَ غيرِهِمِ
وقوله في كاتب:
أكْرِمْ به كاتباً أفْدِيه بي وأبيوثَغْرُه عن ثَمِينِ الدُّرِّ يبْتسِمُ
كأنه الشمسُ والقِرْطاسُ في يَدِهبدرٌ ومِنْطقة الْجَوْزَا له قَلَمُ
وقوله:
برُوحِي وأهلِي زَوْرة مِن مُمَنَّعٍعليه تفَانتْ أنْفُسٌ وعيونُ
فبات يُرِيني الغُصْنَ كيف انْعطافُهوبِتُّ أُرِيهِ الهَصْر كيف يكونُ
ومِن دُونِه بِيضُ الصَّوارِم والْقَنَاقِبابٌ وأسْتارُ الجمالِ حُصونُ
ولكنَّها الأقْدارُ تُسْعِفُ مَن تَشَافيُدْرِكُ ما لم تحْتسِبْهُ ظُنونُ
وقوله:
أَسْعَدُ الناسِ مَن يرَىمِنَحَ الحقِّ في المِحَنْ
والرِّضَا منه بالقَضايُذْهِبُ الهمَّ والْحَزَنْ
وله في تعزية بين الوفا، ونقلتهما من خطه:
يَعِزُّ على لسانِي أن أُعَزِّيبساداتٍ همُ رَوْحُ الزَّمانِ
وما فُقِدُوا من الدنيا لشيءٍسِوَى أن زَيَّنُوا غُرَفَ الْجِنانِ
مصطفى بن فتح الله النحاس لقيته بمصر شاباً ورده نبعي، وكلأه ربعي.
وغصن شبابه لدن، وجنة نزهاته عدن.
وسألته عن مسقط رأسه، فقال: دمشق البلدة التي لجيرتها على صفحات البدور مراسم، ولترائب تربها عقودٌ من درر المباسم.
وهو ممن تميز في الأدب أو كاد، وللرجاء فيه مواعد إذا وفت قيل: تفوق أو زاد.
وقد أهدى إلي من نظمه هائية، هاهيه:
أما والغِيدِ تخْطِر في حُلاهَاوتطلُع كالأهِلَّةِ في سَناهَا
وباناتِ القُدودِ إذا أبانَتْبرَوْضاتِ الخدودِ ضُحَى جَناهَا
وتْغريدِ الصَّوادِحِ في الرَّاوَابِيتبُثُّ من الجَوانحِ لي هَواهَا
ومَا فَعَل الغرامُ بقلبِ صَبّيصُبُّ الدمعَ صُبْحاً أو مَساهَا
ومُرْسَلِ فَتْرَةٍ لم يَنْبُ فَتْكاًوآيةِ حَسْرةٍ قلبي تَلاهَا
وأوْقاتٍ خلعتُ مع العَذارَىعِذارَ العُذْرِ مُعْتنِقاً سبِاهَا
لقد أَصبحتُ أمْرَحُ في الأمانِيوأنْسَرِحُ انْسِراحاً في رُباهَا
وأصْبُو للعيونِ النُّجْلِ عُمْرِيوإن هي أغْمَدتْ قلبِي ظُبَاهَا
وأرْتشِفُ المَباسِمَ والثَّنايَاوأنْتشِقُ المَناسِمَ مِن شَذاهَا
ولي قلبٌ بلاَعِجَةٍ تَلظَّىوعَيْنٌ دَأْبُها أبداً بُكاهَا
وظَبْيٍ في سُوَيْدايَ رَتُوعٍتحلَّى بالمَلاحةِ وارْتداهَا
كأن عِذَارَهُ زَرَدٌ نَظِيمٌعلى خَدَّيْه مِن قُبَلِي حَماهَا
رمَى عَمْداً بأسْهُمِ ناظِرَيْهِأصابَ مَقاتِلي لمَّا رَماهَا
رَشاً إن شاء يسْتلِبُ الْبَرايَاوإن ما شاء رَدَّ لها حِجَاهَا
ومَن وَجنَاتُه سَرقتْ لِحاظِيفجازاها القطِيعةَ مِن كَراهَا
دَرَى أنِّي أحِنُّ إلى لِقاهُفعذَّب مُهْجتِي وعليَّ تَاهَا
ولمَّا أن نأَى خلَّصْتُ مَدْحِيلخيرِ عصابةٍ من آل طه
منها:
إليك أخا الفضائلِ والمَعاليمَطايَا المجدِ قد حَثَّتْ سُراهَا
لك الْباعُ الطويلُ يُرَى مَدِيداًليبْسُطَ وافرَ العلمِ انْتباهَا
رَتَعْنا في رياضِك وانْتهلْنامَناهِلَ قلبُ عبدِك ما سَلاهَا
أألْسِنةَ الْيَراعِ له اسْتَمِدِّيبَدائِعَ مِن مدائحَ لا تَناهَى
ويا سُودَ المَراعفِ ضَرِّجِي منطُروسِ مَدِيحه الْبِيض الْجِباهَا
ويا صُحُفَ المَديحِ نَشَرْتِ عَرْفاًله في الخافِقيْن زَكَا صَباهَا
ويا نُدْمانَ رَوضتِه أقيمُوابجامعِ فضلِه في مُشْتهاهَا
ويا مَن مِن مَآثرِه اسْتزادُوافلمْ يصِلُوا لغايةِ مُنْتهاهَا
ألم يَدْرُوا بما الأستاذُ أوْلَىمن الآلاءِ إذ شكَر الإلهَا
فهل بحرٌ يُرامُ له حدودٌأم الجوزاءُ يُدْرَك مُرْتقاهَا
وهل بالفَرْقَدَيْن يُرَى اقْتِرانٌلغير عُلاه إذ هو قد تَباهَى
له الشُّعَرَاءُ رَقَّتْ واسْتُرِقَّتْوقد نشَرتْ بِمدْحتِه لِواهَا
مَدَحْتُك مُغْضِياً والعُذْرُ أنِّيأراك تُقِيلُ عَثْرَة مُصْطفاهَا
وتُغْضِي الْجَفنَ عن عَيْبٍ تَراهُوتُسْبِلُ ذَيْلَ سِتْرِك عن خَطاهَا
ومَن لي أن أكونَ لذاك أهْلاًوأجْلُو عن ضِيَا عَيْنِي قَذاهَا
وأن أضَعَ النِّعالَ كعَبْدِ رِقٍوأجْعَلَ كُحْلَ أجْفانِي ثَراهَا
ولستُ بشاعرٍ لكن أُرَجِّيمن الشعراءِ فيْضاً مِن نَداهَا
وإنك سيدُ الشعراءِ حَقّاًلك البُلَغاءُ قد ألْقَتْ عَصاهَا
وإني إن جعلتُ البحرَ نِقْساًلِتَعْدادِ المَدائحِ ما كفاهَا
كذاك إذا نظَمْتُ الدِّرْعَ عِقْداًوإن بالَغْتُ لا أُحْصِي ثَناهَا
كمُلتَ مَفاخراً وعلَوتَ ذَاتاًجُعِلتُ لذاتِك العُلْيَا فِداهَا
فلا زالتْ لك الأمجادُ تَسْعَىعلى الأيامِ باسِطةً جِباهَا
السيد عبد الرحمن الجيزي الطباطبي هو من نخبة سراة الأشراف، محله من قريش الروابي المشرفة أتم الإشراف.
ورث الشرف جامعاً عن جامع، وازدهت برونق سيادته مواطن ومجامع.
وقد جمعتني وإياه الأقدار، في أوقاتٍ أمنت فيها بفضل صحبته وصمة الأكدار.
فعرفت وفور فضله، وشهدت كرم ذاته المنبي عن كرم أصله.
وكتب يستجيز ذلك بهذه الرسالة، فأجبته سائلاً أن يحفظ الله به حشاشة النفاسة والبسالة.
وهذه رسالته: حمداً لمن افترض على كل مسلم محبة أهل البيت، ورفع ذكرهم " في بيوتٍ أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه " بيتاً بعد بيت.
ومنح أمينهم حقيقة السعادة وسهل طريقه إليها ومجازه، وخلع عليه من حلل السيادة خلع إنعامه وجعل مزيد النعم على شكره إجازة.
وصلاةً وسلاماً على من آتاه الله جوامع الكلم وزاده مثوبةً وقربا، وعلى عترته الذين لا يكمل إيمان المرء إلا بحبهم وشاهده: " قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى ".
وعلى آله وأصحابه الألى هذبوا السنة الشريفة فكم خبرٍ منها جا، وكشفوا النقاب عن وجه فضل ذريته واتخذوا ودهم تأليفا ومنهاجا.
فلله در تلك البنوة، الذين كفلتهم في حجرها النبوة.
فهم للخير نجوم الهدى، ولا يتولى ولادتهم إلا شمس المعارف والاهتدا.
وحسبهم فخراً أن لا صلاة كاملة إلا بالصلاة عليهم، وهاك ما رواه البيهقي عن الإمام الشافعي وهو نص مذهبه فيهم:
يا آلَ بيْتِ رسولِ اللهِ حبُّكمُفَرضٌ من اللهِ في القرآنِ أنْزَلَهُ
كفاكُمُ من عظيمِ القَدْرِ أنَّكمُمَن لم يُصَلِّ عليكمْ لا صلاةَ لَهُ
جعلهم الله بركةً وذخراً، وملاذاً دنيا وأخرى.
وأقامهم مقام جدهم في رفع العذاب، فوجودهم أمانٌ في الأرض من الخسف والمسخ والإرعاب والإرهاب.
وكم من حديثٍ في هذا المعنى ورد عن صادق الوعد الأمين المأمون، وناهيك حديث: " النجوم أمانٌ لأهل السماء، وأهل بيتي أمانٌ لأهل الأرض، فإذا هلك أهل بيتي جاء أهل الأرض من الآيات ما يوعدون ".
وحديث: " مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوحٍ في قومه، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق ".
فمن أخذ بهديهم ومحاسن شيمهم نجا من لجج ظلمات المخالفة وبالفائزين لحق ورقى الدرجات العلى بجنات النعيم، ومن تخلف عما ذكر غرق في بحر الكفران وهو في نار الجحيم.
ولقد سبك الدماميني هذا المعنى، وأتى بنص الحديث ضمنا:
لستُ أخْشَى يا آلَ أحمدَ ذَنْباًمع حُبِّي لكم وحسنُ اعْتقادِي
يا بِحارَ النَّدَى أأخْشَى وأنتمسُفُنٌ للنَّجاةِ يومَ المَعادِ
ومن خيرهم حبرٌ على أسرار العلوم أمين، وبحرٌ يتدفق بعجائب نظمه ونثره فإذا رمت الإفصاح عن حصر ذلك أمين.
وبرٌّ يطوق أعناق المشارق والمغارب بنفائس درر عقده الثمين، وكشاف أسرار البلاغة بحسن تأويلٍ يظهر الغث من السمين.
بل هو رياض أدبٍ أينعت من ينابيع بديع ثمراته الأوراق، وسقت جداول مداد مديد كلمه أغصان روضات قلمه فأخرجت من كل الثمرات ما حلا ورق وراق.
فهو الإمام ابن الهمام الذي لا يعلم فضيلة تحقيقه وتدقيقه إلا الأعلم، والخليل الذي نثر لآلىء البيان ونظم.
فأهلاً به من مؤرخ أخيرٍ تتلفت إليه وجوه الأعصر الأول، وبخٍ بخ لبراعته التي يبيض سوادها صحف الأيام والدول.
من نحا نحو منطقه، وارتضع ثدي معاني بيان بلاغته، كان في اللغة جوهري تنكيتها، بصحاح عبارات يحار من بلاغتها سكيتها وابن سكيتها.
يتحدث لسان يراع براعته المخضب بمداد المعاني فلا يمين، ويقسم أنه يبرز دقائقه فيبر تكذيباً لمن قال: فليس لمخضوب البيان يمين.
صدر الشريعة بل بحرها الذي يلتقط من ساحل الشام دره، شيخ الطريقة بل برها الذي يجيد صنائع المعروف فعلى الحقيقة لله دره.
صاحب إتقان جامعٌ نافعٌ لأهل الرواية بدايته، ومغرب معرب عن أصول الهداية نهايته.
محمدي الخصال الثابت غراس أصله في طينة المجد السامي، الثابت المتصل بطيبة ونجدٍ محتده الشامي.
وحسبك ما جمع من الفضل والفصل، ونجابة الفرع الدال على عراقة الأصل.
كيف لا وهو قطب دائرة الأفلاك العلوية، ومطلع شموس أملاك الدوحة النبوية، وعين أعيان خواص خلاصة البدعة المحمدية، وخير خيار الأخيار من السلافة المصطفوية.
أشرف مولى بمناصب حكمه اتصل سند حديثه بالإمام الحاكم، فإذا ما نظر في الأحكام الشرعية كان في الفصل أعدل حاكم، وأجل عالم عامل ولا نكتم شهادة الله " ومن يكتمها فإنه آثم ".
وماذا أقول في البيت الذي عمرته بالذكر الحميد أبناؤه، وغمرته بالذكر الحكيم أبناؤه.
فتبارك من أظهر من أهله هذا السيد وجعل أغاريب البلاغة لألفاظه مذعنةً طائعة، وأعاجيب صياغة الألسنة عاصيةً سواه وله مطاوعة، وأبرز إبريز المعاني عن ذهنه السليم فأشبه مطبوعه طابعه.
فلقد صنف تاريخا وأبدع في تصنيفه، وألف شتات الفضائل وجمع شمل ذكر علماء عصره في تأليفه.
فجاء بحراً طويلاً مبسوطا بمداد أمداده ذكر السادة العلماء، محيطاً بكامل أسمائهم، ووافر أنسابهم.
حتى صار بأسانيدهم علماً حاوياً لكل قولٍ محرر وجيز، شاملاً لخلاصة المعنى بموجز ألفاظٍ تعرف القادر منه بالتعجيز.
لم لا، وقد تكلم فيه عن نكاتٍ يكاد المسموع منها لإشراقه أن يرى، وأتى بجوامع الكلم فكان الصيد كل الصيد في جوف الفرا.
يدل على صحة إخبار مؤلفه عن علماء العصر طرا، أنه من أهل البيت أولي العلم والمجد وصاحب البيت أدرى.
وينبه البحث باقتدار جامعه على تحقيق خبريته بمواقع الأخبار وتسهيل صعابها، أنه ورث علم هذه الصناعة عن أصله المكي وأهل مكة أعرف بشعابها.
فلله من مؤرخ أحرز بالجمع عن الأواخر ما أحرز بالسمع عن الأوائل، وأبرز للجمع عن الأوائل أخاير الذخائر من فضائل الأفاضل.
فصوص حكمه مشتملةٌ على أحسن الإشارات، وفتوحات حقائقه جاءت بالتلويحات إلى أفضل المقامات.
فكم فيه من تنبيهٍ على كل معنى مستصفى، ومحكمٍ من أحكام الأحكام يهدي تحصيل الشفا من استشفى.
وفصيحٍ من القول في إصلاح النطق، يقرب إلى أدب الكتاب، ومهذبٍ من اللفظ الفائق يقطف من روض المديح زهر الآداب.
حتى رصع قلائد العقيان في نحر البلاغة مجملا، ونظم عقد درر الصحيحين وغرر الصحاح من نثره ونظمه مفصلا.
ففي أبيات شعره قصور مشيدة، وفقر رسائله كل فقرةٍ منها معدودةٌ بقصيدة.
وفي عنوان توفيقه قوت قلوب العارفين، وفي محكم إراشاده إحياء علوم الدين.
فكسا الله مؤلفه من حلل العلوم ثياباً غير أخلاق، وجعله مجيزاً لكلٍ طالبٍ مروياته بمحاسن الإسناد ومكارم الأخلاق.
وبلغه من الآمال والأماني أوفاها وأقصاها، ومد أمد مدته حتى لا يحصرها إلا الذي لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها.
لما قد نفعني الله بوجوده، وزاده من فضله وجوده.
محروسة مصر القاهرة تشرفت، وبحلول ركابه تزخرفت.
وفاح في رباها من روض بهجته نور نشرها الأريج، ورويت من رؤيته بصوب صوابه فاهتزت وربت وأنبتت من كل زوجٍ بهيج.
وبإشراق كوكب محياه في أفقها وافق الخبر الخبر، وأين السمع من المشافهة ومشاهدة النظر.
أحببت أن أخدمه بأبياتٍ طريحة، عنكبوتية النسج من جهة القريحة القريحة.
وأطلب فيها الإجازة بجميع مروياته، إن كان يراني أهلاً لتلقي مستنداته.
لأني لم أكن من فرسان هذا المضمار، ولا أهلاً لمعانقة أبكار الأفكار.
فلهذا صرت أقدم رجلاً وأؤخر أخرى، وأقول: سلوك طريق الأدب مع مثل هذا الأستاذ أولى وأحرى.
لأن مقامه عالي الذرى، وأين الثريا من الثرى.
إلى أن رأيت بعض الإخوان ملأوا الأفواه في مدحه بدرر نثارهم، ونصبوا على مدارج سماع ذكرهم بيوت أشعارهم.
وظفروا من كنوز المناهج بالسعد المنتظر، ونثروا على عقود جواهره اللآلي والدرر.
وقصدوه وهو الغني من هذه الصناعة وهم بالنسبة إليه الفقراء البائسون، فتلقاهم بالقبول وفاح عليهم من رحيق ختام كلامه مسكٌ وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.
وأنزلهم منازلهم في مجالس حكمه، وخلع على أعطافهم من حلل نثره ونظمه.
فحملوا على عواتق شكرهم لواء الحمد الأزهر، وخفقت أعلام مدائحهم بثناء الفخر الأبهر.
وهم يقولون في دقائق معارفه " إن هذا إلا سحرٌ يؤثر "، وإن فضله كالشمس لا ينكر، وإن ذكره الرفيع أبى الله أن لا يذكر.
ثم وردوا علي واحداً بعد واحد، وطلبوا مني أن أستخرج من أبكار الفكر، بنات ذهنٍ مكللاً جيدها بعقود جواهر الفقر.
فقلت: لساني يعجز في ترجمته عن بلوغ قدره، ولو قال مهما قال لم يقم بواجب حقه طول عمره.
فقالوا: لا سبيل إلا أن تصيغ درر المعاني، عقداً نضيداً يبهر منه لب المعاني.
وألزموني الحجة، ولم أر للمندوحة محجة.
وقد شرعت فيما راموه، وجادت القريحة بما طلبوه.
وقفيت مقاطيع هي عن الغاية كاسمها، وأبياتاً خاويةً ما تساوى الوقوف على رسمها.
ولكن على عجزي وقدرته، وقلي وكثرته.
أطمع في عفوه أنه ينضد لها من إبريز فضله سلكا، ويقابل أعمى الحظ الذي " عبس وتولى وما يدريك لعله يزكى ".
وأسأله الصفح عند تصفحها، واستحضار الحلم ساعة يلمحها.
وأن يمن عليها بالقبول، والستر الجميل المقبول.
وهذه هي هدية العبد المولى، إلى السيد الأمين المولى.
أمتع الله تعالى بفضائله التي تزري بالروض النضر، وتملأ أذن السامع وعين المنتظر:
بَنُو المصطفَى أصلُ الوجودِ الأماثِلُأكارمُ أهلِ البيت أينَ المُماثِلُ
هم الناسُ في صِدْقِ المَقالِ لأنهمإذا صَدَعُوا بالحقِّ لم يَبْقَ باطلُ
وهم رحمةٌ للعالَمِين وعِصْمةٌوقد بَرْهَنتْ عمَّا أقولُ الدَّلائلُ
وهم خيرُ خلقِ الله في الأرضِ نِعْمةًهُداةٌ لمن فيها أمانٌ مُواصِلُ
ومِن بيْتهم جاءَ الكتابُ مُفصَّلاوشَرْعُ رسولِ الله بالحقِّ فاصِلُ
أئمَّةُ هَدْيٍ هَذَّب الدِّينَ منهمُإلى أُمَمِ الإسلامِ قومٌ أفاضلُ
خُذُوا عنهمُ الحِلْمَ الشريفَ وحدِّثواإلى فضل أهلِ البيت تُعْزَى الفضائلُ
لقد عظَّم الرحمنُ في الدهرِ قَدْرَهموأثْنَتْ عليهم بالفَلاحِ الأماثِلُ
حُماةٌ سراةٌ لا يُضامُ نَزِيلُهمإذا ضَيَّعتْ عهدَ الجِوارِ القبائلُ
سَمَتْ بمَعانيهم علومٌ رفيعةٌوطالتْ بهم في الأكْرَمِين الطَّوائلُ
ومِن خَيْرِهم حَبْرٌ حَوَى كلَّ سُؤدَدٍحَسِيبٌ نَسِيبٌ أوْصلَتْه الحَمائِلُ
أمِينُهمُ السامِي الفخارِ رَشيدُهمسَرِيُّهمُ الشَّامِي النِّجار الحُلاحِلُ
خِيارُ الكرامِ الشُّمِّ من آل هاشمٍخُلاصةُ أهلِ البيتِ نعْمَ التَّناسُلُ
لفاطمةَ الزَّهْرا البَتُولِ انْتسابُهُعَلِيُّ حُسَيْنِيٌّ له الأصْلُ كَافِلُ
شريفٌ عفيفٌ مُسْتغَاثٌ مُهذَّبٌكريمُ السَّجايا حازمُ الرَّأْيِ عاقلُ
أصيل له مجْدٌ رفيعٌ مُوثَّلٌعَرِيقٌ زَكَتْ أخلاقُه والشمائلُ
هو السيدُ المحفوظُ من كلِّ زَلَّةٍوشاهدُه في الذّكُرِ يتْلُوه فاضلُ
أبَى الله إلاَّ أن يكونَ مُطهَّراًفأذْهَبَ عنه الرِّجْسَ والفضلُ شاملُ
لقد آنَسَ الله البلادَ وأهلَهاوطابتْ به في الأرضِ مصرُ المناهِلُ
وأشْرقتِ الآفاق من نُورِ فضلهِوسارتْ به للسَّاِلكين رسائلُ
وشاهَد أهلُ الحقِّ فيه عنايةًتَسامتْ بها أفْعالُه والعَوامِلُ
تملَّك غاياتِ العلوم فلم يزَلْضَلِيعاً بأعْباءِ الهُدى منه كاهِلُ
عَطوفٌ رؤوفٌ ذو حنانٍ ورحمةٍتشَرَّف بالتوفيقِ منه المُواصِلُ
إمامُ الهدَى غَيْثُ النَّدَى مُذْهِبُ الرَّدَىعن الناسِ إن صالتْ عليهم صَوائِلُ
مُجَلِّي عَماياتِ الضَّلالِ بهمَّةٍمُؤيَّدَةٍ يُصْمِي بها من يُجادِلُ
ومُرْشِدُ أرْبابِ القلوبِ إلى الهدىبأفْضلِ رُشْدٍ منه تُشْفَى الغلائِلُ
ومُسْقِي النَّدامَى من سُلافةِ سِرِّهِشَراباً طَهُوراً للعقولِ يُثامِلُ
فقاصِدُ سامِي سُوحِه غيرُ خائبٍيبُثُّ الثَّنا لا يعْترِيه تَشاغُلُ
وفي نَفَحاتِ الأُنْسِ عَيْنُ حَقيقَةٍفمن أمَّه نالَ الذي هو آمِلُ
تراهُ إذا يمَّمْتَه مُتهلِّلاًبأنْواعِ تَرْحابٍ لها البِشْرُ باذِلُ
هو البحرُ إن حَدَّثْتَ عن مُعْجباتِهضَعُفْتَ عن اسْتيعابِ ما أنت ناقلُ
فأمْواجُه نحوٌ وصرفٌ ومنطقٌولُجَّتُه التاريخُ والشعرُ ساحلُ
إذا صاغ شِعْراً جاء دُرّاً مُنضَّداًوخالصُ إبريز المَعانِي سَلاسِلُ
هُمامٌ له في كلِّ فَنٍ مُؤلَّفٌبأوْضح معنىً ليس فيه تداخُلُ
وألَّف تاريخاً هَمَى جُودُ مُزْنِهعلى عُلَماءِ العصرِ كالغَيثِ هَاطِلُ
وأوْدَعَ سِرَّ الجَمْع في طَيِّ نَشْرِهففَاحتْ برَوضاتِ العلومِ الْمَنادِلُ
لقد صار كَهْفاً للمشايخ شامِخاًبسَاحتِه للطَّالِبين مَنازِلُ
وأفْصَح عن فَرْقٍ وجَمْعٍ وهيئةٍبه فزَهتْ غَداوتُه والأصائِلُ
وأعْربَ عن أسْمائهم وصِفاتِهموأنْسابهم والأخْذِ عمَّن يُخالِلُ
وقد صَرَّحَ الأثْباتُ عن خُبْرِه بمايُحدِّث عن صِدْق الذي هو قائلُ
ومن أعْجَبِ الأشياءِ صِحَّةُ نَقْلِهولم يَرَهُم طُرّاً فكيف التَّواصُلُ
وقد حارتِ الأشْياخُ في حُسْنِ صُنْعِهِوكلٌّ لميثاقِ المَودَّةِ حامِلُ
ولاَذَتْ به أهلُ الْعَروُضِ لأنهخبيرٌ بما قد دَوَّنتْه الأوائِلُ
عَلِيمٌ بأقْسامِ الكلامِ مُؤرِّخٌأمينٌ شريفٌ صادقُ الوعدِ عادلُ
له شَرَفٌ يسْمُو السِّمَاكيْن رِفْعةًوأوْصافُ صدقٍ حار فيها المجادِلُ
إمام له في كلِّ عِلْمٍ مَكانةٌبصحَّةِ إسْنادٍ عن الثَّبْتِ ناقلُ
وحَسْبُك في تحقيقِ ما أنا ذاكرٌفعَن مثلِه في الناسِ تُرْوَى المسائلُ
جميلُ المُحيَّا في نَضارةِ وجهِهمَشارِقُ منها تسْتضيءُ المحافِلُ
حَمِيد المَساعِي قد تَسامَى مَقامُهمحمدٌ المحمودُ فيما يُحاوِلُ
بِدايتُه في كلِّ علمٍ نهايةٌوما هُنَّ عن نَهْج الحقيقةِ عادلُ
أمينٌ على الأسرارِ من دُرِّ كَنْزِهأتَى خيرَ ما دَلَّتْ عليه الدَّلائلُ
ولا عَيْبَ فيه غير أنَّ سَبِيلَهلِسالِكه فيه الهدى والوَسائِلُ
خِيارُ ولاةِ الأمرِ أعدلُ حاكمٍيُقِيمُ حُدودَ اللهِ والحالُ حائِلُ
وَقُورٌ صَبُورٌ قلتُ فيه مُؤرِّخاًوَلِيٌّ تَقِيٌّ وافِرُ العِلْمِ كاملُ
فيا رَبِّ زِدْهُ نِعْمةً وسعادةًوبَلِّغْهُ ما يرجُو وما هو آملُ
وصُنْهُ من الأسْوَا وحَصِّنْه بالهدىوأيِّدْه بالتَّوفيقِ ما دَرَّ وَابِلُ
وقائلُها الجِيزِيُّ مولايَ جَازِهِبفضل فمنك الجُودُ للعبدِ واصلُ
يُرَجِّي من المولَى الأمينِ إجازةًبما جاز أن يَرِْيه فالشَّرْطُ حاصلُ
ومن فضلهِ يرجو قبولَ قَريضِهِفقد حَاكَهُ واللُّبُّ بالشُّغْلِ ذاهِلُ
سَمِيُّ ابنِ عَوْفٍ للطَّباطِبةِ انْتمَىوعُنْصُرُهم للمصطفَى الطُّهْرِ آيِلُ
ثِمالِ الْيتامَى الأوَّلِ الآخِرِ الذيبه افْتخرتْ آباؤُه والقبائلُ
عليه صلاةُ اللهِ ما صَيِّبٌ هَمَىوأزْكَى سلامٍ مِن سَلامٍ يُواصلُ
وآلٍ وصَحْبٍ ما بَدَا قَوْلُ قائلٍبنو المصطفَى أصلُ الوجودِ الأماثلُ
وهذا آخر ما انتظم في سلك القصور من مقاطيع أشعارٍ تشعر بعجز مؤلفها، وارتسم في صك العثور على خبايا مختلفها ومؤتلفها.
وانتخبته القريحة من بنات فكره العاجز، وذهنه الذي بينه وبين الوصول إلى هذه الصناعة حاجز.
ومن بضاعته مزجاة، لفظ لفظة وقيل: ما أنقاه، وسكت ونكث عليه أن فاه.
فلذلك ترهبت بنات فكره إما من الخوف فطلبت صفحا، وإما من الكساد فلبست من المداد مسحا.
ولكن إذا نظر إليها المولى بعين الرضا وسمع معانيهان جلت سعود السعود ورقى الدراري ذرى مبانيها.
فعسى أن يوسم مرابعها بالوسمي ذلك الولي، ويجلي سواد حظها بنور فهمه الجلي.
ويلحظها بلحظةٍ من لحظاته، ويعيد النظر في وهن عباراته، ويعودها بعائد صلاته.
ويعيرها لمعةً من سواطع بديع جماله، ويتصدق عليها من زكاة أقواله.
فإنها فقيرةٌ من فقر السجع نظما ونثرا، تاليةٌ و " سيجعل الله بعد عسرٍ يسراً ".
فرحم الله امرأً تطلع على عيبٍ فيها فستر، وآمن خوفها بحسن القبول والنظر، وعمل بقول أمير المؤمنين الشهاب ابن حجر:
يا سيِّداً طالِعْهُإنْ راقَ مَعْناه فعُدْ
وافْتَحْ له بابَ الرِّضاوإن تَجِدْ عَيْباً فَسُدّ
وها لسان اليراع يقول، راجياً حسن القبول:
يا مَن دُعِي بيْن الورَىبأمينِ أسْرارِ الجليلْ
انْظُر إليها بالرِّضاثم اصْفَح الصَّفْحَ الجميلْ
وقد آن للقلم أن يخلع ما اسود من بروده، ويرفع رأسه من ركوعه وسجوده.
وأفضل الصلاة وأتم السلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، وشيعته ومحبيه وحزبه.
وهذا جوابي إليه: أحمد من يجيز آمله، ويجيب بالقبول سائله وأنا سائله، به أعتضد وآمله.
عليه أعتمد مستخيراً به وهو لا يندم مستخيره، ومستجيراً بعفوه وهو لا يخيب مستجيره.
وأصلي على نبيه صاحب الرسالة المؤبدة، ومشرع الملة الباقية على الدهر والطريقة المؤيدة.
أطهر الخلائق عنصرا، وأكرمهم خبرا ومخبرا.
الباني بيوتاً علت شرفاتها، والناهج طرقاً سعدت غاياتها.
وعلى آله خير آله، وأصحابه السعدا في المبدأ والمآل.
ما روى راوٍ حديث فضلهم الحسن، وسعدت ببث محامدهم ألوا الفصاحة واللسن.
وبعد؛ فلما تشرفت برؤية من كنت أود قربه، وأتخذ ولاه قربةً وأكرم بها من قربة.
السيد الذي ابتهجت ببراعته الدنيا، ونزلت سيارة محاسنه بين السند فالعليا.
عبد الرحمن الجيزي وفر الله من كل فضيلةٍ حظه، ولا أعدمه تتابع الزيادة ما أدار في نفيسه لحظه.
تنتهي كليته حيث ينتهي ذكره، ويأتيه مناه فوق ما يناجيه فكره.
وبقي ما بقيت الخضراء تظله، والغبراء تقله، والآراء تحترمه وتجله.
فأعاد لي الدهر برؤيته الأثر عينا، ووفت لي الأيام بلقياه في ذمتها دينا.
ورأيت ما رأى النبي من زيد الخيل وحبيبٌ من أبي سعيد، فأنا إذا شاهدت طلعته أستفيد من العلى وأستزيد، ويزيد في إذا رأيته للثناء خلقٌ جديد.
فأستجلي أخلاقاً عذبة المذاق، وطباعاً مفصحة عن كرم أعراق.
إلى لطافةٍ تؤلف بين الوحشة والإيناس، وسيرة نظرت بها في سيرة ابن سيد الناس:
فإن يَكُ مِن جِدٍ أتاهُ فإنَّهتَوارَثُه آباءُ آبائِه قَبْلُ
وهل يُنْبِتَ الْخَطِّيَّ إلاَّ وَشِيجُهُوتُغْرَسُ إلاَّ في مَنابِتِها النَّخْلُ
وناهيك بشرف بيتٍ أسباب السيادة عمده، وفخرٍ لا يستوفى على أمد الأزمنة أمده.
وقبيلٍ كريمةٍ فصيلته وشعوبه، ومحتدٍ كالرمح مطردةٍ أنابيبه وكعوبه.
ضربت عليه السيادة سرادقها، وتفوح الشرف هام فروعها وباسقها.
متصل خبرها المرفوع صحت أسانيده، ومرسل سيرها المقطوع به سلسلة رجاله الثقات وصناديده.
فيا لها من سلسلةٍ إذا تحركت أخبارها في المحافل، علم أنها سلسلة قومٍ يقادون إلى الجنة بالسلاسل.
ولعمري إن هذا السيد العظيم، حل من هذه النسبة الشريفة في صميم الصميم.
فله بين السادة، صدر الوسادة.
ومحله في الرجاجة، محل الرونق من الصباحة.
رقي من الفضائل ذراها، وتمسك من المحامد بأوثق عراها.
وخطب عرائس الكرم والوفاء، فبنى عليها بالبنين والرفاه.
وهو في البراعة واليراعة أمثل القوم، بل هو المنفرد فيهما من عهد نشأته سقاها عهد الغمام وإلى اليوم.
أحرز القصب إذ دأب، فكان أقل محرزاته أكثر الأدب.
يفسح للبيان مجالا، ويوضح منه غرراً وأحجالا.
ويشتار من جناه عسلا، ويهز من قناه أسلا.
فإذا نسب انتسبت إليه الرقة، وفاز من اللطاقة بمرتبةٍ للنهى مسترقة.
وإذا مدح اقتضب بعض صفاتٍ منه، ونعتها بنعوتٍ من الكمال تخبر عنه.
وقد اتحدت معه اتحاد روحٍ بشبح، وتمتعت من مفاكهته بملح تطرفتها وسبح.
مراعياً من حق النسبة ذمةً وإلا، وليس في محاسن تودده ما يستنثى بإلا.
فشرفني لا زال شرف السادة شادخاً في يمينه، وقلم البراعة راكعاً وساجداً في محراب يمينه.
برسالةٍ أخملت الخمائل، وعلمت الصبا لطف الشمائل.
عرضها في حلي البيان، ونقشها في فص الزمان، ليختم بها الإحسان.
وضمنها قصيدةً في مدح السادة الطهر، ألمع فيها بمناقب كالشمس وقت الظهر.
فما ترك في بيت، توهماً للوٍ وليت.
كيف وهم ممن لهم البيت والمقام، وإذا أخذ أحدهم القرطاس تسابقت إليه الدوي والأقلام.
ولما اجتليت تلك البكر، أعملت في محاكاتها الفكر.
فأدركني عن لحاقها التقصير، وعلمت أنه لا يجارى بحرها الطويل فعمدت إلى البحر القصير.
وإني وإن قصرت فما قصرت، وإن اختصرت فلغصن تلك الشجرة اهتصرت.
وغاية البليغ أن يعترف بالقصور في هذا الشان، ويعلم أن مدح بني المصطفى شرف المكان والزمان:
حَقّاً بنُو المصطفىْ الأماثلْما إنْ لهم في العُلَى مُماثِلْ
أهلُ الثنا عند كلِّ مُثْنٍأخبارُهم بَهْجةُ المَحافلْ
أسماؤُهم للعُلَى حُروزٌمن أجْلِ ذا كلُّها حَمائِلْ
أقمارُ حُسْنٍ تُضِيءُ لكنْلها قلوبُ الورَى مَنازِلْ
إن أعْوَزَ الآملين أمْرٌكانوا لها أنْفعَ الوسائلْ
من كلِّ طَلْقِ الجَبِينِ سَمْحٍتُثْقِل نَعماؤُه الكَواهِلْ
يُحاربُ العُسْرَ منه شَهْمٌعلى العدى بالنَّوالِ صائِلْ
والكلُّ فَضْلٌ بلا انْتهاءٍوالفضلُ ما أنْتَج الفضائلْ
منهم حَسِيبُ الزمانِ فَرْدٌأرْبَى على السادةِ الأوائِلْ
مُمْتَدُّ باعٍ إلى المَعالِيوفي بُرودِ الكمال رَافِلْ
من كاملِ المُنْتقَى لَدَيْهِفي ثَنْيِ بُرْدَيْهِ ألفُ كامِلْ
ذو منطقٍ لو يرُوم قُسٌّيحْكِيه أعْيَى فصار باقِلْ
يُبْدِي إذا نظَّم القوافِيسِحْراً به تَمَّ أمرُ بابِلْ
يَراعُه إن سَقاهُ نِقْساًفالطِّرْسُ يُغْنِي عن الخمائِلْ
والعَنْبَرُ الرَّطْبُ من لَهاهُيقْذِفُه البحرُ للسواحِلْ
أهْدَى لنحوِي عَرُوبَ نَظْمٍتزْهُو من الحسنِ في غلائِلْ
أعْيَتْ على القائلين حتىلم يَبْقَ قولٌ بها لقائلْ
مولايَ دُمْ في الورَى تُحَلِّيبالدُّرِّ جِيدَ المُنَى العَواطِلْ
واعْذِرْ مُشَتَّ الخيالِ صَبَّاًبالرَّغْم من أرضِ مصرَ راحِلْ
لولاك ما جادَ منه فكرٌلم يحْتمِلْ مِنَّةَ الصَّياقِلْ
واسْلَمْ مَدَى الدهرِ في نعيمٍيبْقَى ببُقْياكَ غير زائلْ
وقد أمرتني أن أجيبك وأجيزك، وأوزان بمثقال كلمي الحديد إبريزك.
فتحيرت بين أمرين أمرين، ووقع ذهني السقيم بين داءين مضرين.
إن فعلت ما أمرتني به فما أنا من رجاله، ومن أنا حتى أحرز شوطاً في مجاله.
كيف والميلاد قريب، والسن قد أخذت من الصنب بنصيب.
والرؤية ما تنقع الغلة، والرواية دون القلة.
وإن منعت أسأت الأدب، وفوت من حسن الطاعة الأرب.
ثم ترجح عندي الامتثال، وأجبت سائلاً منه تعالى توفيقي لصالح الأعمال.
وأجزتك بجميع ما تجوز لي روايته، وتصح عني درايته.
من مسموعٍ ومأثور، ومنظومٍ ومنثور.
وإجازةٍ ومناولةٍ، ومطارحةٍ ومراسلةٍ، وقنلٍ وتصنيفٍ، وتنضيدٍ وتفويف.
ولي بحمد الله رواياتٌ كثيرة، وأسانيد كالشمس راد الضحى منيرة.
وأما مشايخي فلو كنت من شرح أحوالهم أنتصف، لقلت إن صحيفة العمر تضيق فيهم عما أصف.
فذكرتهم سرداً لأن مثلي مقنوعٌ منه باليسير، ومعذور في قصر الباع وضعف المسير.
وأي نسبٍ بيني اليوم وبين زخرف الكلام، وإجالة جياد الأقلام، في أوصاف الأعلام.
بعد أن حال الجريض، بين الإنشاء والقريض، وشغل الجسم المريض.
واستولى الكسل، ونسلت الشعرات البيض كأنها الأسل.
تروع بمرط الحيات سرب الحياة، وتطرق بذوات الغرر والشيات عند البيات.
والشيب الموت العاجل، وإذا ابيض زرعٌ صبحته المناجل، والمعتبر الآجل.
وأسأل الله تعالى مفيض الآلاء أن يستعملني وإياك فيما يرضيه، ويلطف بنا وبالمسلمين فيما يجريه من أحكامٍ ويقضيه.
ويجعلنا ممن ختم له بالحسنى، ويقربنا ممن جعل لهم المقام الأسنى.
وصلى الله على سيدنا محمدٍ وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع